أنهت السلطات الأمريكية حالة الغموض التي لفّت مصير ميليسا كاسياس، الموظفة في مختبر لوس ألاموس الوطني المرموق، بعد الإعلان رسمياً عن تحديد هوية رفات بشرية عُثر عليها في إحدى الغابات النائية بولاية نيو مكسيكو. وتأتي هذه المكاشفة بعد مرور نحو عام كامل على اختفاء كاسياس في ظروف أثارت موجة من التكهنات ونظريات المؤامرة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وأفادت تقارير رسمية بأن أحد المتنزهين عثر على الرفات في الثامن والعشرين من مايو الماضي داخل أحراش غابة كارسون الوطنية، حيث سارعت فرق البحث والتحقيق إلى الموقع لجمع الأدلة. وبحسب مصادر أمنية، فقد عُثر على مسدس بالقرب من الجثة، وهو ما يضيف تعقيداً جديداً للتحقيقات الجارية حول طبيعة الوفاة وما إذا كانت جنائية أو انتحاراً.
وأكد مكتب الطب الشرعي في ولاية نيو مكسيكو أن الفحوصات الجينية والمخبرية أثبتت مطابقة الرفات لميليسا كاسياس البالغة من العمر 53 عاماً، والتي كانت تشغل منصب مساعدة إدارية في المختبر النووي الشهير. ورغم هذا الإعلان، لم يتمكن المحققون حتى اللحظة من تحديد السبب القطعي للوفاة، بانتظار استكمال التقارير التشريحية النهائية.
من جانبها، عبّرت عائلة الفقيدة عن صدمتها وحزنها العميق في بيان رسمي، مشيرة إلى أن المنطقة التي عُثر فيها على الرفات كانت قد خضعت سابقاً لعمليات تمشيط مكثفة من قبل فرق الإنقاذ والمتطوعين. وأكدت العائلة عزمها على متابعة المسار القانوني والتحقيقي حتى الوصول إلى الحقيقة الكاملة وراء ما جرى لابنتهم منذ لحظة خروجها الأخير.
وتعود تفاصيل القضية إلى يونيو من العام الماضي، عندما انقطع الاتصال بكاسياس بشكل مفاجئ عقب زيارة قامت بها لابنتها، حيث لم تتوجه إلى عملها في اليوم التالي ولم تعد إلى منزلها. وما أثار الريبة حينها هو عثور المحققين على كافة متعلقاتها الشخصية، بما في ذلك هاتفها المحمول وبطاقة هويتها وحقيبتها اليدوية، داخل منزلها دون أي أثر لاقتحام أو عنف.
ويكتسب مختبر لوس ألاموس الذي كانت تعمل فيه كاسياس أهمية استراتيجية فائقة، كونه المركز الذي شهد ولادة القنبلة الذرية الأولى خلال الحرب العالمية الثانية، ولا يزال يمثل ركيزة للأبحاث الدفاعية والنووية الأمريكية. هذا الارتباط المهني جعل من قضية اختفائها مادة دسمة لمروجي نظريات المؤامرة الذين ربطوا بينها وبين حوادث أخرى طالت علماء وباحثين.
هذا أمر يصعب استيعابه، قلوبنا مثقلة بالحزن، ونحن عازمون على مواصلة السعي لتحقيق العدالة.
وانتشرت في الآونة الأخيرة قوائم تزعم وجود استهداف ممنهج لأشخاص يعملون في قطاعات علمية حساسة، شملت مهندسين في الصناعات الدوائية وباحثين في علوم الفضاء وأكاديميين مرموقين. ومن أبرز الحالات التي استشهد بها أصحاب هذه النظريات مقتل أستاذ فيزياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، رغم أن السلطات قدمت تفسيرات جنائية تقليدية لتلك الحوادث.
ودفعت الضغوط الشعبية والجدل المتصاعد لجنة الرقابة في مجلس النواب الأمريكي ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) إلى فتح مراجعات شاملة للادعاءات المتداولة حول "العلماء المفقودين". وتهدف هذه التحقيقات إلى التحقق مما إذا كان هناك رابط فعلي بين هذه القضايا أو أنها مجرد مصادفات مأساوية جرى تضخيمها إعلامياً.
ودخل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على خط الأزمة بتصريحات وصفت حالات الوفاة والاختفاء في الوسط العلمي بأنها "خطيرة للغاية وتستوجب الاهتمام". وتعكس هذه التصريحات حجم القلق السياسي من تآكل الثقة في المؤسسات البحثية الوطنية نتيجة الغموض الذي يحيط بسلامة العاملين فيها.
على الجانب الآخر، ترفض عائلات العديد من الضحايا الذين أُدرجت أسماؤهم في تلك القوائم الانجرار وراء التفسيرات التآمرية، مؤكدة أن الحقائق المتوفرة لا تدعم وجود مخطط منظم. وتدعو هذه العائلات إلى احترام خصوصيتها والتركيز على التحقيقات الجنائية الواقعية بدلاً من نشر الشائعات التي تزيد من معاناة ذوي الضحايا.
وتستمر شرطة ولاية نيو مكسيكو في جمع الإفادات وتحليل الأدلة التي عُثر عليها في غابة كارسون، في محاولة لرسم التسلسل الزمني للأيام الأخيرة في حياة كاسياس. ويبقى السؤال حول كيفية وصولها إلى تلك المنطقة الوعرة وسبب وجود السلاح بجانبها هو المحور الأساسي الذي يسعى المحققون للإجابة عليه في الأسابيع المقبلة.




