واشنطن – سعيد عريقات -17/3/2026
كشف استطلاع للرأي نشرته شبكة إن.بي.سي نيوز NBC News يوم الاثنين عن تحوّل لافت في اتجاهات الرأي العام بين الناخبين الأميركيين المسجلين تجاه إسرائيل، حيث باتت النظرة السلبية تفوق النظرة الإيجابية للمرة الأولى بهذا الوضوح في السنوات الأخيرة.
ووفقاً لنتائج الاستطلاع، فإن 39 في المائة من الناخبين الأميركيين المسجلين ينظرون حالياً إلى إسرائيل نظرة سلبية، مقابل 32 في المائة فقط يحملون نظرة إيجابية. ويُظهر ذلك تراجعاً كبيراً مقارنة بعام 2023، حين كانت 47 في المائة من الآراء إيجابية مقابل 24 في المائة سلبية.
ويبرز هذا التحول بشكل خاص في صفوف الناخبين المستقلين، الذين يمثلون كتلة تصويتية مؤثرة في الانتخابات الأميركية، وقد لعبوا دوراً مهماً في إيصال دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في انتخابات 2024 الرئاسية.
ففي عام 2023، كانت 40 في المائة من هذه الفئة تحمل نظرة مؤيدة لإسرائيل، مقابل 22 في المائة فقط نظرة سلبية. لكن بحلول عام 2026، تضاعفت المواقف السلبية تقريباً لتصل إلى 48 في المائة، في حين انخفضت المواقف الإيجابية إلى 21 في المائة فقط.
ويأتي هذا التحول في سياق التطورات الدراماتيكية التي شهدها الصراع في الشرق الأوسط منذ 7 تشرين الأول 2023، حين شنت "حركة حماس" هجوماً على جنوب إسرائيل أدى إلى مقتل نحو 1200 شخص بحسب ما زعمت الحكومة الإسرائيلية. وردت إسرائيل بحرب استمرت أكثر من عامين على غزة حتى وقف إطلاق النار يوم 10 تشرين الأول 2025 ، أسفرت عن مقتل أكثر من 72 ألف فلسطيني، وفق تقديرات متداولة في تقارير دولية. وقد خلصت الأمم المتحدة ، وعدد من خبراء حقوق الإنسان وقادة دوليين إلى أن الحرب الإسرائيلية قد تضمنت أعمالاً يمكن تصنيفها على أنها إبادة جماعية.
يشار إلى أن إسرائيل تستمر بعدوانها على غزة حيث قتلت أكثر من 800 مواطن في القطاع المحاصر منذ ذلك الحين.
وترافقت الحرب في غزة مع تصعيد إقليمي أوسع، شمل هجمات إسرائيلية في لبنان وسوريا ، إضافة إلى عدوان على قطر بهدف اغتيال قادة حركة حماس قي قطر. كما الولايات المتحدة وإسرائيل حربا مدمر على إيران لا تزال رحاها تدور حاليا، وتلحق بأذاها الدول العربية المجاورة.
ارتفاع التعاطف مع الفلسطينيين
بالتوازي مع تراجع صورة إسرائيل لدى الناخبين الأميركيين، يظهر الاستطلاع ارتفاعاً واضحاً في مستويات التعاطف مع الفلسطينيين.
فقد أظهرت النتائج أن 40 في المائة من المشاركين قالوا إنهم يتعاطفون مع الفلسطينيين، مقابل 39 في المائة أعربوا عن تعاطفهم مع إسرائيل في سياق الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.
ويمثل ذلك تحولاً كبيراً مقارنة بعام 2013، حين أجرت نفس الشبكة، إن.بي.سي. نيوز NBC News أول استطلاع مماثل بين الناخبين المسجلين؛ إذ لم تتجاوز نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين آنذاك 13 في المائة.
ويبدو التحول أكثر وضوحاً بين صفوف الديمقراطيين الأميركيين، حيث قال 67 في المائة من الناخبين الديمقراطيين المسجلين إنهم يقفون إلى جانب الفلسطينيين، مقارنة بـ 18 في المائة فقط عام 2013. وفي المقابل، لم يعد سوى 17 في المائة من الديمقراطيين المسجلين يعلنون وقوفهم إلى جانب إسرائيل.
أما بين أوساط الجزب الجمهوري، فلا يزال الدعم لإسرائيل قوياً نسبياً، إذ يبلغ 67 في المائة، وهي نسبة قريبة من 69 في المائة التي سجلت عام 2013. غير أن استطلاعات أخرى تشير إلى وجود فجوة متزايدة بين الجمهوريين الشباب وكبار السن في تقييمهم لإسرائيل. فقد أظهر استطلاع أجراه مركز بيو ( Pew Research Center) ونُشر في أبريل 2025 أن 50 في المائة من الجمهوريين الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً أصبحوا يميلون إلى تبني موقف أقل تأييداً لإسرائيل.
تراجع حاد بين الناخبين الشباب
ويعزز استطلاع إن.بي.سي نيوز NBC News هذا الاتجاه، إذ يشير إلى تراجع كبير في مستوى الدعم لإسرائيل بين الناخبين الشباب في الولايات المتحدة.
حيث أظهر الاستطلاع أن 13 في المائة فقط من الناخبين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً يحملون نظرة إيجابية تجاه إسرائيل، بينما 63 في المائة منهم ينظرون إليها نظرة سلبية. أما في عام 2023، فكانت 37 في المائة من هذه الفئة تحمل نظرة سلبية، مقابل 26 في المائة إيجابية، بينما بقي 37 في المائة على الحياد.
ولا يقتصر التراجع على الشباب وحدهم، إذ سُجل انخفاض في النظرة الإيجابية عبر مختلف الفئات العمرية. وكان التراجع الأكثر وضوحاً بين الناخبين الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و64 عاماً؛ حيث انخفضت نسبة النظرة الإيجابية من 58 في المائة عام 2023 إلى 37 في المائة عام 2026، بينما تضاعفت تقريباً نسبة النظرات السلبية من 15 في المائة إلى 30 في المائة.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن التحول في المزاج العام الأميركي تجاه إسرائيل لم يعد مجرد رد فعل مؤقت على أحداث سياسية أو عسكرية بعينها، بل يبدو أنه يتجه تدريجياً نحو نمط أكثر رسوخاً مع مرور الوقت. فالمقارنة بين بيانات 2013 و2023 و2026 تكشف مساراً تراكمياً يتزايد فيه التعاطف مع الفلسطينيين مقابل تراجع النظرة الإيجابية لإسرائيل. ويعكس هذا المسار تأثير عوامل متعددة، من بينها انتشار المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتزايد حضور الخطاب الحقوقي في النقاشات السياسية الأميركية، إضافة إلى التحولات الديموغرافية داخل الكتل الانتخابية.
كما توحي البيانات بأن التغير الجاري ليس محصوراً في فئة سياسية واحدة، بل يمتد تدريجياً عبر الطيف الحزبي الأميركي، وإن بدرجات متفاوتة. فبينما لا يزال الدعم لإسرائيل قوياً في أوساط الجمهوريين، تكشف الاستطلاعات عن فجوة عمرية آخذة في الاتساع داخل الحزب نفسه، حيث يظهر الناخبون الشباب ميلاً متزايداً لانتقاد السياسات الإسرائيلية. ومع استمرار هذه الفجوة عبر الأجيال، قد يتحول هذا الاتجاه إلى عامل طويل المدى يعيد تشكيل طبيعة المواقف السياسية الأميركية من الصراع في الشرق الأوسط خلال العقد المقبل.
ومن زاوية أوسع، يمكن قراءة هذه النتائج بوصفها جزءاً من تحوّل ثقافي وسياسي أعمق داخل المجتمع الأميركي، حيث أصبحت قضايا حقوق الإنسان والعدالة الدولية أكثر حضوراً في تشكيل الرأي العام. ومع تزايد تغطية النزاعات بشكل مباشر وفوري عبر الإعلام الرقمي، باتت صور الحروب وتداعياتها الإنسانية تؤثر بصورة أكبر في إدراك الجمهور. وإذا استمرت هذه الديناميات، فمن المرجح أن يصبح التغير في النظرة إلى الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي أكثر وضوحاً وثباتاً مع مرور الوقت.