بينما يحيي المجتمع الدولي في الرابع من حزيران/يونيو من كل عام اليوم العالمي للأطفال ضحايا العدوان، يغرق قطاع غزة في فيض من الشهادات المروعة التي تعيد تعريف الطفولة كفترة مثقلة بالفقد والألم بدلاً من اللعب والنمو. وتتجسد هذه المأساة في غرف المستشفيات ومراكز الإيواء، حيث يواجه جيل كامل تبعات حرب لم تكتفِ بتدمير الحجر، بل شوهت أجساد الصغار وتركت ندوباً غائرة في أرواحهم.
الطفلة شام إياد عزام، البالغة من العمر 11 عاماً، تمثل نموذجاً لهذا الوجع؛ فقد استيقظت في أول أيام عيد الأضحى على نيران تلتهم منزلها، لتفقد شقيقتها سيدرا وقدمها التي بُترت من الركبة. تخضع شام اليوم لعلاج مكثف في مستشفى الشفاء، وهي تصارع مخاوفها من مستقبل باتت فيه الحركة البسيطة تتطلب مساعدة الآخرين، وسط قلق دائم من عدم القدرة على الاندماج مجدداً في محيطها الاجتماعي.
وفي مشهد آخر من فصول المعاناة، ترقد عائلة عليوة بأكملها في غرفة واحدة بالمستشفى بعد أن باغتهم قصف إسرائيلي وهم نيام في ثالث أيام العيد. الأب موسى والأم نرمين وأطفالهم الأربعة، بينهم توأمان، يعانون من كسور معقدة في الحوض والأقدام، في واقعة حولت فرحة العيد إلى رحلة علاجية شاقة تحت الأنقاض ثم فوق أسرة المستشفيات.
أما الطفلة غادة دبابش ذات السبعة أعوام، فقد سلبها العدوان ذراعها اليمنى بينما كانت تلهو على أرجوحة في مدرسة تؤوي نازحين بحي التفاح. تروي غادة بكلمات مقتضبة كيف تحول اللعب إلى كابوس من الدخان والانفجارات، لتجد نفسها اليوم تعاني مما يعرف طبياً بـ 'ألم الطرف الوهمي'، حيث يواصل دماغها إرسال إشارات الألم لذراع لم تعد موجودة.
المعاناة النفسية لغادة تتجاوز الألم الجسدي، إذ تواجه الصغيرة شعوراً بالاختلاف عن أقرانها وانطواءً واضحاً خشية التنمر، بينما تحاول أسرتها دعمها عبر مراكز تعليمية بديلة. وتؤكد قصتها أن الإصابة ليست مجرد بتر عضوي، بل هي انقطاع قسري عن ممارسة أبسط تفاصيل الحياة اليومية كالأكل والكتابة واللعب.
وفي زاوية أخرى من القطاع، تبرز مأساة اليتم الكامل في قصة الطفلين جنى وحازم العجل، اللذين فقدا والديهما وكافة أفراد أسرتيهما في قصف واحد أودى بحياة 19 شخصاً. جنى، الناجية الوحيدة من أسرتها المباشرة، تعاني اليوم من اضطرابات سلوكية وانفعالات حادة، وتتحاشى الحديث عن والديها في محاولة بائسة للهروب من واقع الفقد المرير.
ويشير المختصون النفسيون إلى أن ما يمر به أطفال غزة يتجاوز الأنماط التقليدية للصدمات، حيث يصف الدكتور أسامة عماد الحالة بأنها 'صدمات مركبة ومتراكمة'. وتظهر هذه الآثار في صورة كوابيس مستمرة، ورهاب اجتماعي، ومظاهر جسدية كالتبول اللاإرادي والتأتأة، فضلاً عن تأخر ملحوظ في التطور اللغوي والمعرفي نتيجة الحرمان من التعليم.
كنت ألعب على الأرجوحة، ثم سمعت انفجاراً وشاهدت دخاناً، ثم قطعوا يدي.
وحذر خبراء الصحة النفسية من أن التعرض المستمر لمشاهد العنف والدمار يولد سلوكيات عدوانية واندفاعية لدى الأطفال، خاصة في ظل غياب الدعم الأسري والمدرسي المنتظم. إن استمرار هذا الواقع دون تدخلات إغاثية ومنهجية قد يؤدي إلى نشوء جيل يعاني من اضطرابات سلوكية ومعرفية طويلة الأمد، مما يهدد البنية الاجتماعية للمجتمع الفلسطيني مستقبلاً.
بالانتقال إلى لغة الأرقام، كشفت مصادر طبية في وزارة الصحة عن إحصائيات صادمة تعكس حجم الاستهداف الممنهج للطفولة، حيث استشهد 21 ألفاً و638 طفلاً منذ بدء العدوان. هذه الحصيلة تمثل نحو 30% من إجمالي الشهداء، مما يشير إلى أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً من العمليات العسكرية المستمرة في المناطق السكنية.
وتفصل البيانات أن من بين الشهداء الأطفال، هناك 6410 أطفال لم يتجاوزوا سن الخامسة، و1073 رضيعاً استشهدوا وهم دون العام الواحد. كما سجلت المصادر الطبية وفاة 162 طفلاً نتيجة الجوع وسوء التغذية الحاد، في مؤشر خطير على تدهور الأمن الغذائي وانهيار المنظومة الصحية في القطاع المحاصر.
أما على صعيد الجرحى، فقد أصيب أكثر من 45 ألف طفل بجروح متفاوتة، من بينهم نحو 1000 طفل تعرضوا لعمليات بتر في أطرافهم، وهو ما يمثل 20% من إجمالي حالات البتر المسجلة. وتواجه هذه الفئة تحديات هائلة في ظل نقص الأطراف الصناعية ومراكز التأهيل المتخصصة، فضلاً عن حاجة 5 آلاف جريح للسفر العاجل لتلقي العلاج في الخارج.
ظاهرة اليتم باتت تشكل أزمة اجتماعية كبرى، حيث تشير التقديرات إلى وجود قرابة 60 ألف طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما خلال أشهر الحرب. هؤلاء الأطفال يفتقدون اليوم ليس فقط للرعاية المادية، بل للحماية النفسية والعاطفية التي توفرها الأسرة، مما يضع عبئاً ثقيلاً على المجتمع والمؤسسات الإغاثية الشحيحة الإمكانيات.
إن القصص القادمة من غزة في اليوم العالمي للأطفال ضحايا العدوان تؤكد أن الحرب لم تترك بيتاً إلا وأصابت فيه طفلاً، سواء بالقتل أو الإصابة أو اليتم. وتظل الشهادات الحية لشام وغادة وجنى صرخة في وجه ضمير عالمي يكتفي بإحياء المناسبات السنوية بينما تستمر آلة الحرب في حصد أرواح ومستقبل صغار لا ذنب لهم.
ختاماً، يبقى الأمل معلقاً على تدخلات دولية حقيقية تتجاوز الإدانة اللفظية لتوفير الحماية والعلاج لآلاف الأطفال الذين يواجهون الإعاقة والصدمات النفسية. إن جيل غزة الحالي يحتاج إلى استراتيجية وطنية ودولية شاملة لإعادة التأهيل، لضمان عدم تحول هذه الندوب الجسدية والنفسية إلى عائق دائم يحرمهم من حقهم الطبيعي في الحياة.





شارك برأيك
في يومهم العالمي.. أطفال غزة يدفعون ثمن العدوان بين الفقد والإعاقة والصدمات النفسية