سادت حالة من الذعر والارتباك في العاصمة الأفغانية كابل مساء الإثنين، عقب دوي انفجارات عنيفة هزت أرجاء المدينة وتفعيل أنظمة الدفاع الجوي. وأفادت مصادر ميدانية بأن طائرات عسكرية شوهدت تحلق في سماء العاصمة، بينما تركزت أصوات الانفجارات في منطقتي شهري ناو ووزير أكبر خان بوسط المدينة.
واتهم المتحدث باسم الحكومة الأفغانية، ذبيح الله مجاهد، القوات الباكستانية بانتهاك السيادة الجوية للبلاد وشن غارات استهدفت منشآت مدنية. وأوضح مجاهد في تصريح رسمي أن القصف طال مركزاً مخصصاً لإعادة تأهيل مدمني المخدرات، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف النزلاء الذين يخضعون للعلاج.
في المقابل، سارعت وزارة الإعلام في إسلام آباد إلى إصدار بيان أكدت فيه تنفيذ ضربات جوية وصفتها بـ 'الدقيقة' داخل الأراضي الأفغانية. وزعمت السلطات الباكستانية أن العمليات استهدفت بنية تحتية داعمة للإرهاب ومنشآت عسكرية تابعة لمجموعات مسلحة تنطلق من أفغانستان لشن هجمات عبر الحدود.
ونفت باكستان بشكل قاطع استهداف أي مراكز طبية أو مدنية، واصفة التقارير الصادرة عن حركة طالبان بأنها 'مضللة' وتفتقر للدقة. وأشارت المصادر الباكستانية إلى أن القصف شمل أيضاً مواقع في ولاية ننغرهار الحدودية، حيث تم تدمير مستودعات للذخيرة ومعدات عسكرية تستخدمها جماعات معارضة لإسلام آباد.
وتأتي هذه التطورات الميدانية قبل أيام قليلة من حلول عيد الفطر، مما ضاعف من معاناة السكان الذين اضطروا لمغادرة منازلهم والبحث عن ملاجئ آمنة. وشوهدت عائلات بأكملها تخرج إلى الشوارع بعد الإفطار في حالة من الهلع، بينما احتمى آخرون في الطوابق السفلية للمباني خشية تجدد القصف.
ويعكس هذا التصعيد حجم التوتر المتراكم بين الجارين منذ أشهر، حيث تتهم إسلام آباد كابل بإيواء مقاتلي حركة طالبان باكستان. وتؤكد السلطات الباكستانية أن هؤلاء المقاتلين يستخدمون الأراضي الأفغانية كقاعدة خلفية لتنفيذ عمليات دامية داخل باكستان، وهو ما تنفيه الحكومة الأفغانية باستمرار.
وكانت حدة الاشتباكات قد تصاعدت بشكل ملحوظ منذ فبراير الماضي، عقب سلسلة من الغارات الجوية المتبادلة التي أدت إلى إعلان إسلام آباد لما وصفته بـ 'الحرب المفتوحة'. ورغم فترات الهدوء النسبي، إلا أن الحوادث الحدودية لم تتوقف، مما أدى إلى تدهور العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين البلدين.
انتهك النظام الباكستاني مجددًا المجال الجوي الأفغاني، مستهدفاً مركزاً لعلاج الإدمان في كابل، ما أسفر عن مقتل وإصابة العديد من المدنيين.
وعلى الصعيد الإنساني، أكدت بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان سقوط ما لا يقل عن 75 مدنياً منذ بدء موجة التصعيد الأخيرة بين الدولتين. وأعربت البعثة عن قلقها البالغ من استمرار العمليات العسكرية في المناطق المأهولة بالسكان، داعية الطرفين إلى ضبط النفس وحماية المدنيين وفق القوانين الدولية.
ولم يقتصر القصف على العاصمة كابل، بل امتد ليشمل مناطق حدودية في شرق وجنوب البلاد، حيث أفاد مسؤولون محليون بمقتل ثلاثة أطفال وامرأة في غارات سابقة. كما سجلت ولاية خوست سقوط قذائف هاون أدت إلى مقتل طفلين، في حين استهدف قصف آخر منزلاً مدنياً في ولاية نورستان.
وأدت هذه الأعمال العدائية إلى موجة نزوح واسعة النطاق، حيث قدرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عدد النازحين بنحو 115 ألف شخص. ويواجه هؤلاء النازحون ظروفاً معيشية قاسية في ظل نقص الغذاء والمأوى، خاصة مع اقرار المنظمات الدولية بصعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتضررة.
من جانبه، أعلن برنامج الأغذية العالمي عن إطلاق حملة توزيع مساعدات طارئة تستهدف أكثر من 20 ألف أسرة نازحة في الولايات الحدودية. وحذر البرنامج من أن استمرار عدم الاستقرار الأمني سيدفع ملايين الأفغان نحو حافة المجاعة، في وقت تعاني فيه البلاد أصلاً من أزمة اقتصادية خانقة.
وفي ولاية باكتيا، تجمع المئات من النازحين فجر الإثنين أمام مراكز التوزيع للحصول على حصص غذائية بسيطة تسد رمق أطفالهم. وتحدث نازحون عن فقدانهم لممتلكاتهم ومزارعهم جراء القصف العشوائي الذي طال قراهم، مؤكدين أنهم باتوا يعتمدون كلياً على المساعدات الدولية للبقاء على قيد الحياة.
وتستخدم باكستان في بياناتها الرسمية مصطلح 'فتنة الخوارج' للإشارة إلى التنظيمات المسلحة التي تتهمها بزعزعة أمنها القومي من داخل أفغانستان. وترى إسلام آباد أن تدمير المنشآت اللوجستية لهذه الجماعات هو السبيل الوحيد لوقف الهجمات الانتحارية والتفجيرات التي تضرب مدنها الحدودية.
ومع توقف دوي المدافع المضادة للطائرات في كابل قرابة الساعة العاشرة مساءً، بدأت سيارات الإسعاف بالتحرك لنقل الضحايا من المواقع المستهدفة. ويبقى المشهد مفتوحاً على مزيد من التصعيد في ظل غياب أي أفق لحل سياسي ينهي النزاع الحدودي المتجذر بين كابل وإسلام آباد.





شارك برأيك
تصعيد خطير.. كابل تتهم باكستان بقصف العاصمة وإسلام آباد تؤكد استهداف 'منشآت عسكرية'