أكدت صحيفة 'فايننشال تايمز' في افتتاحية حديثة لها أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعمل بشكل منهجي على تقويض جهاز الأمن القومي للولايات المتحدة. وأوضحت الصحيفة أن الحرب الأخيرة التي شنتها واشنطن على إيران لم تخضع لاختبارات الضغط والتدقيق المعتادة التي تسبق القرارات العسكرية الكبرى، مما يثير تساؤلات حول جدوى هذه التحركات.
وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب انخرط في مواجهة عسكرية مع طهران دون وجود هدف استراتيجي أو خطة واضحة لما بعد الضربة. هذا التفرد بالقرار ومضيّه قدماً دون تشاور كافٍ، يضع علامات استفهام كبرى حول مدى فاعلية الرقابة الدستورية على صلاحيات الرئيس في شن الحروب في الوقت الراهن.
وترى الافتتاحية أن اللجوء للخيار العسكري يجب أن يكون الملاذ الأخير بعد استنفاد كافة السبل الدبلوماسية والبدائل الممكنة. إلا أن الإدارة الحالية لم تتجاهل البدائل فحسب، بل عمدت إلى تجريد نفسها من الأدوات والخبرات اللازمة لفهم تعقيدات المشهد الإقليمي وتحقيق أهدافها السياسية.
لقد أدت هذه السياسات، بحسب الصحيفة، إلى ترك الجهاز الأمني الأمريكي في حالة من الضعف والارتباك، مما أثر سلباً على قدرة البلاد في إدارة الصراعات. ويعود السبب الرئيس في ذلك إلى سعي الإدارة في ولايتها الثانية لاستئصال أي صوت معارض داخل مؤسسات الأمن القومي، وتفضيل الولاء الأيديولوجي الأعمى على الكفاءة المهنية.
وشهدت المؤسسات الأمريكية موجة تسريحات واسعة شملت آلاف الدبلوماسيين والموظفين المدنيين ذوي الخبرة الطويلة. ومع رحيل هؤلاء، فقدت الدولة جزءاً كبيراً من الذاكرة المؤسسية والمعرفة التخصصية الضرورية لتجنب الوقوع في فخ القرارات الخاطئة والتقديرات الاستخباراتية غير الدقيقة.
وتجلى هذا التوجه بوضوح في الملف النووي الإيراني، حيث أوكل ترامب مفاوضات حساسة لمبعوثه ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر. ورغم افتقار الطرفين لأي خلفية تقنية أو خبرة في الشؤون النووية، فقد اختارا المضي في التفاوض دون الاستعانة بالخبراء الفيدراليين المتخصصين في هذا المجال المعقد.
وفي وزارة الخارجية، أقدم وكيل الوزارة في عهد ماركو روبيو على إقالة أكثر من 1300 موظف خلال شهر يوليو الماضي في عملية تطهير واسعة للخبراء. وتركزت هذه الإقالات بشكل خاص على المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط، مما خلق فجوة معرفية هائلة في توقيت حرج تمر به المنطقة.
تبني ترامب لمبدأ 'القوة هي الحق' أضعف قدرة الولايات المتحدة على استخدام نفوذها بفعالية وأضر بمصالحها القومية طويلة الأمد.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل استدعى الرئيس الأمريكي نحو 30 سفيراً في ديسمبر الماضي، ما ترك واشنطن مع 80 منصباً دبلوماسياً شاغراً حول العالم. وشملت هذه الشواغر دولاً خليجية حليفة ومحورية مثل السعودية وقطر والإمارات، وهي الدول التي كانت تحث واشنطن على ضبط النفس تجاه طهران.
وفي المقابل، يبرز اسم السفير الأمريكي مايك هاكابي كأحد المدافعين الشرسين عن سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في المنطقة. هذا التعيين يعكس انحيازاً واضحاً يغلب المصالح الضيقة على التوازن الدبلوماسي المطلوب لتهدئة التوترات الإقليمية المتصاعدة.
وعلى صعيد هيكلية الإدارة، يشغل ماركو روبيو منصب وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي في آن واحد منذ شهر مايو الماضي. ويرى مراقبون أن دمج مهام الدبلوماسية مع تنسيق المعلومات الاستخباراتية أدى إلى غياب الفحص الدقيق للخيارات العسكرية، وتهميش دور مجلس الأمن القومي.
ورغم قوة الضربات العسكرية الأمريكية من الناحية التقنية، إلا أن الصحيفة تشير إلى غياب التخطيط لمواجهة السيناريوهات الأسوأ، مثل إغلاق إيران لمضيق هرمز. ويعد هذا المضيق شريان النفط العالمي، وأي تعطيل فيه سيؤدي إلى تداعيات اقتصادية كارثية لم تظهر الإدارة استعداداً كافياً لمواجهتها.
وفي وزارة الدفاع (البنتاغون)، قاد بيت هيغسيث حملة لتقليص القوى العاملة شملت فصل قضاة القضاء العسكري المعنيين بمراجعة قانونية أوامر القتال. كما تم تقليص دور مكتب حماية المدنيين، وهو ما يعكس رغبة في إزالة أي عوائق قانونية أو أخلاقية أمام استخدام القوة العسكرية المفرطة.
وتشير التقارير إلى أن هذا التوجه قد يكون مسؤولاً عن سقوط ضحايا مدنيين في إيران، بما في ذلك ضربة صاروخية استهدفت مدرسة للبنات. ويرى نقاد أن التركيز على 'روح المحارب' وتهميش معايير حماية المدنيين أدى إلى ارتفاع مأساوي في عدد الضحايا غير المقاتلين خلال العمليات الأخيرة.
وخلصت 'فايننشال تايمز' إلى أن ترامب بات يتبنى علانية مبدأ 'القوة هي الحق'، متجاهلاً قواعد القانون الدولي التي كانت واشنطن تدعي حمايتها. وأكدت أن هذا السعي المحموم للتحرر من القيود العسكرية والقانونية قد أضعف في نهاية المطاف قدرة الولايات المتحدة على استخدام قوتها بشكل حكيم وفعال.





شارك برأيك
فايننشال تايمز: سياسات ترامب القائمة على 'القوة هي الحق' تقوض الأمن القومي الأمريكي