اقتصاد

الإثنين 30 مارس 2026 1:29 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة الطاقة تضع الاقتصاد المصري تحت ضغوط حادة وسط تصاعد التوترات الإقليمية

بدأت الحكومة المصرية في تنفيذ سلسلة من الإجراءات العاجلة والتقشفية لترشيد استهلاك الطاقة في عموم البلاد، وذلك في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية الناجمة عن التوترات الإقليمية المتزايدة. وشملت هذه القرارات تقليص إنارة الشوارع العامة وإطفاء اللوحات الإعلانية المضيئة، بالإضافة إلى إلزام المحال التجارية وأماكن الترفيه بالإغلاق في تمام الساعة التاسعة مساءً لمدة خمسة أيام أسبوعياً.

تأتي هذه الخطوات في محاولة حكومية جادة للسيطرة على الارتفاع الحاد في أسعار الوقود وتكاليف الشحن، خاصة بعد الاضطرابات التي شهدتها ممرات الملاحة الدولية وإغلاق مضيق هرمز. وأكدت مصادر مطلعة أن هذه الإجراءات ستمتد لتشمل إغلاق المباني الحكومية في وقت مبكر، مع دراسة جدية لتفعيل نظام العمل من المنزل للموظفين العموميين لتقليل استهلاك السولار والكهرباء.

وكشف رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، عن أرقام صادمة تتعلق بتكلفة استيراد الطاقة، حيث أوضح أن الفاتورة الشهرية لاستيراد الغاز الطبيعي قفزت من 560 مليون دولار إلى نحو 1.65 مليار دولار. وأشار مدبولي إلى أن هذا الارتفاع الذي يعادل ثلاثة أضعاف الكلفة السابقة يضع ميزانية الدولة تحت اختبار عسير، في ظل غياب رؤية واضحة لنهاية الصراع الحالي.

وعلى الصعيد النقدي، شهد الجنيه المصري تراجعاً ملحوظاً بنسبة بلغت 10% مقابل الدولار الأمريكي، حيث سجلت العملة المحلية مستوى قياسياً متدنياً بوصولها إلى 52 جنيهاً للدولار الواحد. ويعزو خبراء هذا الهبوط إلى خروج تدفقات مالية ضخمة من سوق الدين المحلي، حيث سحب المستثمرون الأجانب ما يقارب 8 مليارات دولار نتيجة المخاوف الأمنية في المنطقة.

وأوضحت تقارير اقتصادية أن مصر، التي تعتمد بشكل كبير على استيراد السلع الأساسية والطاقة، باتت من أكثر الاقتصادات تأثراً بتداعيات الحرب الإقليمية. ورغم امتلاك القاهرة لموارد طبيعية من الغاز، إلا أن تراجع الإنتاج المحلي وزيادة الطلب الموسمي دفعاها لزيادة الاعتماد على الغاز المسال المستورد من الولايات المتحدة وقطر لتغطية العجز.

وفي سياق متصل، تستمر مصر في استقبال الغاز الطبيعي عبر الأنابيب من إسرائيل بموجب اتفاقية استراتيجية طويلة الأمد تم تحديثها العام الماضي بقيمة إجمالية تصل إلى 35 مليار دولار. وتهدف هذه الصفقة، التي تمتد حتى عام 2040، إلى تأمين احتياجات السوق المحلي ومحطات الإسالة، إلا أن الظروف الراهنة فرضت تحديات لوجستية وأمنية على استقرار هذه الإمدادات.

من جانبه، اعتبر فاروق سوسة، كبير خبراء الاقتصاد في بنك جولدمان ساكس أن تمسك السلطات المصرية بسياسة سعر الصرف المرن يمثل خطوة إيجابية رغم قسوتها. وأشار سوسة إلى أن هذا الالتزام يبعث برسالة طمأنة للأسواق الدولية حول رغبة الحكومة في الحفاظ على احتياطيات النقد الأجنبي ومنع عودة السوق السوداء للعملة.

ولم تقتصر الإجراءات الحكومية على الترشيد فحسب، بل شملت أيضاً رفع أسعار الوقود المدعوم بنسب تراوحت بين 12% و22%، في خطوة تهدف إلى تقليص العجز في الموازنة العامة. ويرى محللون أن هذه الزيادات ستؤدي بالضرورة إلى موجة تضخمية جديدة قد ترهق كاهل المواطنين الذين يعانون أصلاً من تآكل القوة الشرائية خلال السنوات الأخيرة.

وعلى الرغم من القتامة التي تسيطر على المشهد الاقتصادي، إلا أن هناك توقعات بصمود قطاع السياحة الذي يعد مصدراً حيوياً للعملة الصعبة. وتشير التقديرات إلى إمكانية استقرار إيرادات السياحة عند حاجز 20 مليار دولار سنوياً، خاصة مع استثناء المناطق السياحية والمنتجعات من قرارات إغلاق الكهرباء المبكر لضمان استمرار الحركة الوافدة.

وفي هذا الصدد، أكد معتز صدقي، المدير العام لشركة 'ترافكو' للسياحة أن العمل في منتجعات البحر الأحمر والرحلات الثقافية في الأقصر وأسوان لا يزال منتظماً بشكل طبيعي. وأوضح صدقي أن القطاع لم يشهد إلغاءات واسعة حتى الآن، لكنه أشار إلى وجود حالة من التردد في الحجوزات الجديدة طويلة المدى بانتظار استقرار الأوضاع الأمنية.

وتسعى مصر حالياً، بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين مثل تركيا وباكستان، للعب دور الوساطة لإنهاء الحرب الدائرة، إدراكاً منها أن استقرار الاقتصاد الوطني مرتبط بشكل وثيق بهدوء الجبهات الإقليمية. وتأمل القاهرة أن تنجح هذه الجهود في فتح ممرات التجارة والطاقة مجدداً لتخفيف الضغط عن ميزان المدفوعات.

ويرى مراقبون أن الدولة المصرية تحاول تجنب تكرار أزمة عام 2022، حينما أدى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى خروج 23 مليار دولار من الأموال الساخنة. ويعتقد المحللون أن السماح للجنيه بالتحرك بمرونة هذه المرة قد يكون صمام الأمان الذي يمنع جفاف السيولة الدولارية في البنوك الرسمية كما حدث في الأزمات السابقة.

وتواجه الحكومة تحدياً إضافياً يتمثل في تأجيل بعض مشاريع البنية التحتية العملاقة التي تستهلك كميات ضخمة من السولار والمواد الخام المستوردة. ويهدف هذا التأجيل إلى توجيه الموارد المتاحة نحو القطاعات الخدمية الأساسية وضمان توفير السلع الغذائية الاستراتيجية في الأسواق المحلية لمنع حدوث أي نقص في الإمدادات.

ختاماً، يبقى المشهد الاقتصادي المصري معلقاً بمدى قدرة الحكومة على إدارة الأزمة الحالية وتوفير بدائل للطاقة بأسعار معقولة. ومع استمرار الضغوط الخارجية، تظل السياسات النقدية والمالية المتبعة حالياً هي الأداة الوحيدة لمواجهة العواصف التي تضرب المنطقة وتلقي بظلالها الثقيلة على معيشة الملايين.

أحدث الأخبار

الإثنين 30 مارس 2026 1:28 مساءً - بتوقيت القدس

دخان كثيف يغطي منشأة بتروكيماويات في حيفا عقب هجمات صاروخية

شهدت مدينة حيفا المحتلة حالة من الاستنفار الأمني الواسع عقب تصاعد أعمدة دخان كثيفة من داخل منشأة البتروكيماويات الاستراتيجية شمالي البلاد. وأثارت هذه المشاهد مخاوف جدية لدى الأوساط الإسرائيلية من احتمال تعرض واحدة من أكثر المناطق الصناعية حساسية لإصابة مباشرة قد تؤدي إلى كارثة بيئية واقتصادية.

من جانبه، أصدر الجيش الإسرائيلي بياناً أولياً حاول فيه التقليل من حجم الحادثة، مشيراً إلى أن النيران والدخان قد يكونان ناتجين عن سقوط شظايا صواريخ اعتراضية. وأكدت مصادر ميدانية أن التحقيقات لا تزال جارية لتحديد ما إذا كان المقذوف الذي سقط داخل المنشأة صاروخاً موجهاً أم مجرد بقايا لعمليات التصدي الجوي.

وفي سياق متصل، أعلن حزب الله في لبنان عن تنفيذ عملية عسكرية استهدفت قاعدة حيفا البحرية باستخدام رشقة من الصواريخ النوعية. وتزامن هذا الإعلان مع رصد موجات إطلاق صاروخي مكثفة انطلقت من الأراضي الإيرانية باتجاه أهداف حيوية في عمق المناطق الإسرائيلية الشمالية والوسطى.

وأفادت مصادر إعلامية بوقوع حريق محدود في محيط مجمع البتروكيماويات، مما استدعى تدخل فرق الإطفاء والطوارئ التي انتشرت بكثافة في المنطقة. كما شوهدت مروحيات عسكرية تحلق على ارتفاعات منخفضة فوق المنشأة لتقييم الأضرار، في ظل فرض رقابة عسكرية مشددة على تفاصيل الحادث.

قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية كانت قد فعلت صفارات الإنذار في نطاق واسع شمل الشمال والوسط والجنوب، محذرة من هجمات صاروخية وشيكة. وهرع آلاف المستوطنين إلى الملاجئ المحصنة، بينما حاولت منظومات الدفاع الجوي اعتراض الأهداف المعادية في سماء خليج حيفا والمدن المجاورة.

وتعتبر منطقة خليج حيفا هدفاً متكرراً في جولة التصعيد الحالية، حيث سبق وأن تعرضت منشآت نفطية وصناعية لأضرار مادية نتيجة سقوط شظايا الصواريخ. وقد أدت تلك الحوادث السابقة إلى انقطاعات في التيار الكهربائي وتوقف جزئي للعمل في بعض الأحياء الصناعية، مما يزيد من الضغوط على الجبهة الداخلية.

تمثل منشأة البتروكيماويات المستهدفة ركيزة أساسية لقطاع الطاقة والصناعة في إسرائيل، وأي عطل جسيم فيها يهدد سلاسل التوريد المحلية. ويرى مراقبون أن استهداف هذه المواقع يحمل رسائل سياسية وعسكرية واضحة تتعلق ببنك الأهداف الاستراتيجية الذي بات مكشوفاً أمام الضربات الصاروخية المتطورة.

يأتي هذا التطور الميداني في وقت تتوعد فيه إسرائيل بتوسيع نطاق ضرباتها الجوية، مما ينذر بدخول المواجهة الإقليمية مرحلة أكثر تعقيداً. ويبقى الغموض سيد الموقف بشأن حجم الخسائر الحقيقية داخل المنشأة، وسط تكتم رسمي إسرائيلي معتاد في مثل هذه الظروف الأمنية الحساسة.

فلسطين

الإثنين 30 مارس 2026 1:28 مساءً - بتوقيت القدس

استشهاد الشاب رمزي العواودة برصاص الاحتلال في بلدة خرسا بالخليل

ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي جريمة اغتيال جديدة، يوم الإثنين، استهدفت شاباً فلسطينياً في قرية خرسا التابعة لبلدة دورا جنوب غرب مدينة الخليل. وأفادت مصادر أمنية ومحلية بأن قوة عسكرية نصبت كميناً محكماً عند مثلث القرية، حيث باشر الجنود بإطلاق وابل كثيف من الرصاص الحي بشكل مباشر صوب الشاب رمزي عبد الحكيم العواودة، مما أدى لإصابته بجروح وصفت بالخطيرة جداً قبل استشهاده.

وانتهجت قوات الاحتلال سياسة 'الترك للنزيف' المتعمدة بحق المصاب العواودة، حيث بقي ملقى على الأرض لفترة زمنية طويلة دون السماح بتقديم أي إسعافات أولية له. وأكد شهود عيان أن الجنود أشهروا أسلحتهم في وجه المواطنين الذين حاولوا الاقتراب لإنقاذ حياة الشاب، مهددين بإطلاق النار على كل من يحاول تقديم المساعدة، في سلوك يهدف لضمان مفارقته للحياة.

وفي سياق متصل، شهدت المنطقة انتهاكات صارخة بحق الطواقم الطبية التي هرعت للمكان، حيث منعت قوات الاحتلال سيارات الإسعاف من الوصول إلى الشاب المصاب بشكل قاطع. وذكرت مصادر ميدانية أن جنود الاحتلال أقدموا على احتجاز مفاتيح مركبات الإسعاف والتنكيل بالمسعفين وطردهم من المكان، مما أدى إلى عرقلة أي تدخل طبي كان من شأنه إنقاذ حياة العواودة في لحظاته الأخيرة.

وتأتي هذه الجريمة في إطار التصعيد المستمر الذي تنتهجه قوات الاحتلال في مدن وقرى الضفة الغربية، حيث تكررت حوادث إعدام الشبان ميدانياً ومنع وصول المساعدات الطبية إليهم. ونددت فعاليات شعبية ومؤسسات حقوقية بهذه الممارسات التي تخالف القوانين الدولية والإنسانية، معتبرة أن ما حدث في خرسا هو إعدام بدم بارد يضاف إلى سجل الجرائم اليومية بحق الشعب الفلسطيني.

وسادت حالة من الغضب والحزن في بلدة دورا ومحيطها عقب الإعلان عن استشهاد الشاب رمزي العواودة، حيث نعت القوى الوطنية الشهيد ودعت للمشاركة في تشييعه. وتواصل قوات الاحتلال تعزيز تواجدها العسكري في محيط قرى جنوب الخليل، وسط تضييقات مستمرة على حركة المواطنين ونصب للحواجز العسكرية المفاجئة التي تعيق تنقل الأهالي بين البلدات المختلفة.

أقلام وأراء

الإثنين 30 مارس 2026 1:26 مساءً - بتوقيت القدس

ترميم الحركة الوطنية وإعادة إنتاجها: بين الشرعية التاريخية وواقع اليوم – فتح نموذجاً (2026)

تمرّ الحركة الوطنية، وعلى رأسها حركة فتح، بلحظة دقيقة تتطلب الجمع بين الوفاء للأصل والقدرة على التجديد والتكيف مع تحولات الواقع الفلسطيني المعاصر. ففتح لم تكن مجرد إطار تنظيمي، بل تجربة نضالية متجذرة في سياق تاريخي خاص، ارتبطت فيه الفكرة بالهوية، والفعل بالنضال، واستمدت شرعيتها من تمثيلها للوعي الجمعي الفلسطيني في الداخل والخارج. وهذه الشرعية التاريخية لا تمثل مجرد شهادة على الماضي، بل رصيداً سياسياً وأخلاقياً يمكن توظيفه اليوم لاستعادة ثقة الجماهير، وهو ما يشكّل أولوية استراتيجية في هذه المرحلة.

إن استعادة ثقة الشعب الفلسطيني تمثل قاعدة القوة الحقيقية للحركة، لأنها تمكّنها من التعبئة الفاعلة عند الحاجة، على أسس وطنية واضحة قائمة على فهم الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون. غير أن هذه الثقة لا تُستعاد بالشعارات، بل عبر قدرة الحركة على إنتاج سياسات ومفاهيم وثقافة وطنية موحدة تجاه القضايا المختلفة، بما يضمن وضوح الرؤية وتماسك المشروع الوطني، ويعيد للحركة دورها كقائدة للرأي الوطني.

في هذا الإطار، يشكّل إحياء الأصول الفكرية للحركة خطوة أساسية، إذ لم تكن هذه الأصول شعارات عابرة، بل روحاً تأسيسية قامت على استقلالية القرار الوطني، والانحياز للجماهير، وروح المبادرة الفاعلة. واستعادة هذه المبادئ لا تعني العودة إلى الماضي بصيغته الجامدة، بل استعادة البوصلة الفكرية التي توجه العمل في الحاضر، بما ينسجم مع التحولات الاجتماعية والسياسية، والانقسام الداخلي، وصعود أجيال جديدة لم تعايش مرحلة التأسيس.

لكن، ورغم هذا الرصيد التاريخي، واجهت الحركة تحدياً بنيوياً تمثّل في عدم إدراكها الكامل لتحول السياق النضالي من الخارج إلى الداخل بعد اتفاق أوسلو. فقد انتقل مركز الثقل من العمل في الشتات إلى الفعل المباشر على أرض الوطن، وهو ما كان يستدعي إحداث تغيير جذري في البنية التنظيمية والفكرية للحركة، بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الجديدة.

هذا التحول لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل نقلة في طبيعة العمل الوطني ذاته؛ من حركة تحرر تعمل في فضاء خارجي مفتوح نسبياً، إلى حركة تعمل ضمن واقع مركّب يخضع لقيود الاحتلال، وتشابكات السلطة، وضغوط الحياة اليومية للمجتمع الفلسطيني. وكان يفترض أن يقود ذلك إلى إعادة تعريف الأدوات النضالية، وتطوير آليات العمل السياسي والتنظيمي بما يعزز الحضور الميداني، ويعيد ربط الحركة بالجمهور في تفاصيل حياته اليومية.

غير أن غياب هذا التحول بالعمق المطلوب أدى إلى فجوة بين البنية التقليدية للحركة ومتطلبات الواقع الجديد، ما انعكس على قدرتها في التعبئة والتأثير. ومن هنا، فإن أي عملية ترميم حقيقية اليوم لا يمكن أن تتجاوز هذه النقطة، بل يجب أن تنطلق منها، عبر إعادة بناء الحركة كإطار فاعل على الأرض، قادر على إدارة الصراع ضمن شروطه الراهنة، والتفاعل المباشر مع المجتمع، وتحويل وجوده داخل الوطن إلى مصدر قوة لا إلى عبء تنظيمي أو سياسي.

إن استيعاب هذا الدرس يمثل مدخلاً أساسياً لإعادة إنتاج الحركة، بحيث يصبح الفعل الميداني هو الأساس، وتُبنى عليه الهياكل التنظيمية والخطابات السياسية، بما يعيد التوازن بين التاريخ والحاضر، ويمنح الحركة القدرة على استعادة دورها القيادي في المشروع الوطني.

وفي خضم هذا التحول والتحديات المتراكمة، يبرز تساؤل شعبي لا يمكن تجاهله: أين حركة فتح اليوم في حياة الناس؟ إنني، ومعي شريحة واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني، لا نلتقي بفتح كما ينبغي، ولا نشعر بحضورها الفاعل في تفاصيل الواقع اليومي كما كان يُفترض لحركة بحجم تاريخها ودورها. هذا الغياب لا يعكس بالضرورة انعدام الوجود التنظيمي، بقدر ما يشير إلى تراجع في الحضور الميداني والتفاعل المباشر مع الجماهير، وهو ما يطرح إشكالية حقيقية تتعلق بشكل العلاقة بين الحركة وقاعدتها الشعبية.

إن هذه الفجوة بين الحركة والمجتمع تُعد مؤشراً خطيراً، لأنها تمس جوهر الشرعية التي استمدتها فتح تاريخياً من تمثيلها للناس والتصاقها بهم. وعليه، فإن ترميم هذه العلاقة يجب أن يكون في صلب أي عملية إصلاح، من خلال إعادة بناء قنوات التواصل الحقيقية، وتعزيز الحضور الميداني، والانخراط في هموم الناس اليومية، بحيث تعود الحركة لتكون جزءاً حياً من نسيج المجتمع، لا مجرد إطار تنظيمي منفصل عنه.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الاستفادة من تجارب الحركات التحررية العالمية، التي أظهرت أن نجاح أي حركة لا يرتبط فقط بتاريخها، بل بقدرتها المستمرة على التكيف والتجدد. فقد أثبتت هذه التجارب أن وضوح الهدف يشكل البوصلة الأساسية لأي مشروع وطني، وأن العلاقة العضوية مع الشعب هي مصدر الشرعية الحقيقي. كما بيّنت أن المرونة في الأدوات، والقدرة على التحول بين أشكال النضال المختلفة، تمثل شرطاً أساسياً للاستمرار في ظل المتغيرات.

كذلك، أظهرت تلك التجارب أن بناء المؤسسات يتقدم على الشخصنة، وأن الاستثمار في الكوادر والتكوين المستمر هو الضامن لاستدامة الفعل الوطني. كما أن إدارة العلاقة مع السلطة، أو الفصل بينها وبين الحركة، يعد عاملاً حاسماً في الحفاظ على الاستقلالية والقدرة على المبادرة. ولا يقل عن ذلك أهمية القدرة على إدارة الخلافات الداخلية ضمن أطر تنظيمية صحية، تحول دون تحولها إلى انقسامات مدمرة.

إن استحضار هذه الدروس لا يأتي بهدف الاستنساخ، بل لاستخلاص ما يتناسب مع الحالة الفلسطينية، وتوظيفه في عملية إعادة البناء، بما يعزز قدرة الحركة على استعادة دورها التاريخي بروح جديدة وأدوات أكثر فاعلية.

ويتكامل مع ذلك إعادة تأصيل مفهوم الالتزام، بوصفه ركناً أساسياً في البناء الداخلي للحركة. فالالتزام لا يعني الطاعة الشكلية أو الولاء الشخصي، بل الانتماء الفكري والأخلاقي للمشروع الوطني، بحيث يصبح العضو شريكاً حقيقياً في الفعل، يوازن بين حقه في النقد وواجبه في العمل. وهذا يعيد الاعتبار لفكرة أن الولاء للفكرة يتقدم على الولاء للأشخاص أو المواقع.

ولا يمكن تحقيق هذا التحول دون ترميم داخلي شامل للحركة، يتجاوز إعادة الهيكلة التنظيمية إلى تطوير آليات اتخاذ القرار، وتعزيز المشاركة القاعدية، وتمكين الشباب من الانخراط الفعلي في العمل السياسي والفكري. كما يتطلب اعتماد نماذج حزبية ديمقراطية حديثة تقوم على بناء الكوادر تدريجياً وفق معايير الجدارة والالتزام، بعيداً عن المحاصصات أو التزكيات الشكلية التي أضعفت مصداقية الحركة في مراحل سابقة. ويرتبط ذلك بمنهج تدريبي تراكمي يجمع بين الوعي التاريخي والممارسة العملية، بما يمكّن القيادات الجديدة من فهم الواقع وإنتاج حلول مبتكرة.

وفي السياق ذاته، يبرز الفصل بين الحركة والسلطة الفلسطينية كخيار استراتيجي ضروري، يضمن استقلالية القرار التنظيمي والفكري للحركة، ويتيح لها المشاركة في الحكم دون أن تفقد دورها كإطار وطني رقابي وموجّه. فهذا الفصل يعيد للحركة وظيفتها الأساسية في إنتاج المبادئ والسياسات الوطنية بعيداً عن ضغوط السلطة التنفيذية.

إن إعادة إنتاج الحركة بصورة متجددة تعني تحويل خبرتها التاريخية إلى أدوات عملية قادرة على التعامل مع التحديات الراهنة، من خلال صياغة خطاب سياسي حديث يجمع بين العمق التاريخي والاستجابة لمتغيرات العصر، وتطوير أدوات تنظيمية قادرة على إدارة الأزمات والانقسامات بكفاءة. كما تعني إعادة تعريف الهوية التنظيمية بحيث تقوم على الجمع بين الوفاء للأصل ومرونة التكيف، مع ترسيخ الالتزام الفكري والوطني كأساس للعضوية والترقية.

في النهاية، تعتمد فاعلية حركة فتح واستمرارها على قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين الشرعية التاريخية والتجديد الداخلي. فالأولى تمنحها المصداقية والامتداد الوطني، بينما يمنحها الثاني القدرة على التأقلم والاستمرار. إن هذا التوازن هو ما يحول الحركة من مجرد إرث تاريخي إلى قوة حية قادرة على قيادة المشروع الوطني، واستعادة ثقة الشعب، وجعل الجماهير شريكاً فعلياً في صناعة المستقبل، دون أن تفقد الحركة ذاكرتها أو تتوقف عن التطور في مواجهة تحديات العصر.


فلسطين

الإثنين 30 مارس 2026 1:26 مساءً - بتوقيت القدس

المؤتمر الوطني الشعبي للقدس في ذكرى يوم الارض : تكاتف الجهود الرسمية والشعبية كفيل بإفشال المشروع الاستيطاني

اكدت الامانة العامة للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس، ان ذكرى يوم الارض الخالد تمر هذا العام على وجه التحديد وسط اوضاع سياسية محلية واقليمية وعالمية غاية في التعقيد، فيما الارض الفلسطينية تلتهم بلا هوادة من قبل اسرائيل بعد اقرار قانون الضم من قبل كنيست الاحتلال مؤخرا .

وقالت الامانة العامة في بيان لها اليوم الاثنين ، بهذه المناسبة : الارض تبتلع على مرأى من العالم اجمع فيما الإعلام العربي والغربي يركز في محتواه على الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران، بينما فلسطين اصبحت قضية هامشية في خضم هذه الحرب التي يطال شررها الشعب الفلسطيني بأكمله .

واشارت الامانة العامة الى ان اسرائيل تواصل ليل نهار عملية ابتلاع الارض الفلسطينية عبر اصدار قرارات بوضع اليد على الاراضي في المناطق المصنفة أ وب وج ولا تترك مناسبة الا وتأكل فيها الارض بأنياب جرافاتها في الوقت الذي ينشغل فيه الجميع بمجريات الحرب .

واضافت الامانة العامة في بيانها : يحيي الشعب الفلسطيني في 30 آذار من كل عام ذكرى يوم الأرض، وهو يوم وطني مهم يرمز إلى التمسك بالأرض والدفاع عنها، والتاكيد على التمسك بالهوية وتعزيز الوحدة الوطنية بين ابناء الشعب الواحد لمواجهة التحديات المصيرية المحيقة بالقضية الفلسطينية .  


وتابع البيان : رغم مرور 50 عاما، على هذه الذكرى، الا ان ابناء شعبنا في الوطن عامة ومواطني أراضي  48 خاصة  الذين أصبح عددهم نحو 1.3 مليون نسمة بعدما كانوا 150 ألفا فقط بعد النكبة ، لم يثنهم اي عائق من إحياء الذكرى عبر التشبث بالارض والهوية ، كون هذه المناسبة تشكل انعطافة تاريخية في مسيرة بقائهم وانتمائهم وهويتهم ، تأكيدا على تشبثهم بوطنهم وأرضهم.

يذكر أن حكومة الاحتلال، استولت خلال الأعوام ما بين 1948-1972 على أكثر من مليون دونم من أراضي القرى الفلسطينية، في الجليل والمثلث، إضافة إلى ملايين الدونمات الأخرى من الأراضي التي استولت عليها بعد سلسلة المجازر المروعة، وعمليات الإبعاد القسري، التي مورست بحق الفلسطينيين في الداخل المحتل .

واشارت الامانة العامة للمؤتمر بهذه المناسبة الى ان المستوطنين ، نفذوا ما مجموعه 444 اعتداءً خلال شهر من اندلاع الحرب على ايران ، موضحة أن هذا التصاعد جاء في سياق استغلال واضح لحالة الاضطراب السائدة لتكثيف الهجمات على القرى والتجمعات الفلسطينية وخاصة التجمعات البدوية في منطقة القدس على وجه التحديد والتي تعتبر خط الدفاع الاول عن المدينة المحتلة. وأوضحت أن هذه الاعتداءات اتسمت بدرجة أعلى من التنظيم والاتساع، وشملت إطلاق النار المباشر على المواطنين ما ادى الى ارتقاء شهداء واصابة عشرات المواطنين برصاص الجيش والمستوطنين، وإحراق المنازل والممتلكات، إلى جانب فرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض.

وتابع البيان : تندرج هذه الهجمات التي كانت القدس في عينها ، ضمن دينامية أوسع تستهدف توظيف الانشغال الإقليمي والدولي لتسريع فرض تغييرات جوهرية على الواقع الجغرافي والديمغرافي في الضفة الغربية والقدس المحتلة، بما يجري على حساب الوجود الفلسطيني وترسيخ المشروع الاستعماري.

يشار الى ان العمليات الاستيطانية شملت : القدس 24 اعتداء ونابلس  108 اعتداء، والخليل 99 اعتداء ورام الله 76 اعتداء وبيت لحم 31 اعتداء وسلفيت بـ23 وأريحا .

وكانت سلطات الاحتلال قد اصدرت 12 أمراً لوضع اليد لأغراض عسكرية وامنية صادرت من خلالها 225 دونماً من أراضي المواطنين في محافظات القدس ورام الله وجنين وأريحا وطوباس ونابلس وسلفيت  وقلقيلية، بهدف شق طرق عسكرية وإقامة مواقع ومناطق عازلة، كان أكبرها الأمر العسكري الذي حمل الرقم ت/3/26 والذي صادر 128 دونماً من أراضي بلدة عرابة في محافظة جنين بهدف إقامة موقع عسكري، وآخر حمل الرقم ت/37/26 يستهدف أراضي المرزعة الشرقية وسلواد ودير جرير بمصادرة 41 دونما بهدف إقامة منطقة امنية عازلة حول جبل العاصور. بحسب معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان .

كما أصدرت سلطات الاحتلال ما مجموعه 27 أمراً عسكرية تحت مسمى أوامر اتخاذ الوسائل الأمنية والتي تقضي بإزالة الأشجار عن مساحة 1391 دونماً من أراضي المواطنين في محافظات رام الله بواقع 12 أمرا، و3 أوامر في جنين وأمرين لكل من قلقيلية وطولكرم ونابلس وسلفيت وبيت لحم والقدس، كان أكبرها الأمر العسكري الذي حمل الرقم 9/26 والذي يستهدف الطبقة الشجرية عن مساحة 380 دونما من أراضي قرى سلواد وعطارة وعين سينيا شمال محافظة رام الله وكذلك الأمر الذي يستهدف 139 دونماً من أراضي رامين في محافظة طولكرم وأمر آخر يستهدف 95 دونماً من أراضي بلدتي بيتا وحوارة في محافظة نابلس.

وأوضحت المعطيات المذكورة أن حصيلة الشهر الأول منذ اندلاع الحرب الإقليمية تكشف عن تصعيد غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين، وترافق ذلك مع سياسات ممنهجة من قبل سلطات الاحتلال لتوفير الغطاء والدعم لهذه الانتهاكات. وأشارت المعطيات التي وصلت المكتب الاعلامي في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس ، إلى أن هذا التصعيد لم يكن عفوياً، بل جاء في سياق استثمار واضح لحالة الانشغال الدولي والإعلامي بالحرب، بما أتاح تكثيف الهجمات وفرض وقائع ميدانية جديدة على حساب الأرض الفلسطينية وسكانها.

يشار الى ان وتيرة الاعتداءات، وعمليات التهجير القسري تزايدت في هذه الفترة، فيما تسارعت قرارات المصادرة وشق الطرق، وجميعها تعكس اندفاعاً منظماً نحو توسيع المشروع الاستيطاني وإعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا في القدس والضفة الغربية خلال فترة زمنية وجيزة.  

واكدت الأمانة العامة اخيرا ، ان مواجهة المشروع الاستيطاني في الاراضي الفلسطينية لا يتم الا عبر تكاتف الجهود الرسمية والشعبية وتعزيز الوحدة الوطنية وقيام مؤسسات المجتمع المدني بدعم المزارعين والفلاحين والبدو في مناطق القدس من اجل تعزيز صمودهم وبقائهم في ارضهم ، مشددة على ان الاستيطان وخاصة الرعوي منه، يركز على الاراضي الخالية من السكان وتلك المهجورة من قبل اصحابها، ويضع اليد عليها بحماية قوات الاحتلال كما حصل في بلدة بيت عنان شمال غرب القدس والقرى والبلدات المحيطة بها . ودعت ايضا الى احياء روح العمل التطوعي مجددا لدى الجيل الشاب والعودة الى الارض لان الصراع الحقيقي يتمحور عليها كونها تشكل الهوية الجمعية للشعب الفلسطيني برمته .

اقتصاد

الإثنين 30 مارس 2026 12:59 مساءً - بتوقيت القدس

شلل في مضيق هرمز: كيف يهدد انقطاع الإمدادات الأمن الغذائي والتكنولوجي العالمي؟

شهدت أسواق الطاقة العالمية ارتباكاً واسعاً إثر توقف تدفقات النفط والغاز عبر مضيق هرمز، نتيجة التوترات العسكرية الناجمة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وانعكس هذا الانقطاع بشكل مباشر على تكاليف المعيشة في دول عديدة، حيث سجلت أسعار الوقود قفزات قياسية أدت إلى ارتفاع فواتير التدفئة المنزلية بشكل غير مسبوق.

ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود قطاع الطاقة، بل امتدت لتضرب سلاسل التوريد العالمية في مقتل، مهددةً بتوقف إنتاج سلع حيوية تبدأ من الرغيف وتصل إلى الهواتف الذكية. وأفادت مصادر مطلعة بأن حركة الملاحة البحرية في المضيق تراجعت من متوسط مئة سفينة يومياً إلى مستويات متدنية للغاية، ما أدى إلى اختناق في توريد المواد الخام.

ويعد قطاع الزراعة العالمي من أبرز المتضررين، حيث تمر نحو ثلث كميات الأسمدة الكيماوية مثل اليوريا والفوسفات عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي. ويحذر خبراء من أن تعطل هذه الإمدادات يمثل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي، خاصة مع تزامن الأزمة مع مواسم الزراعة الحيوية في نصف الكرة الشمالي خلال شهري مارس وأبريل.

وفي الجانب التكنولوجي، تبرز قطر كمصدر رئيسي لثلث احتياجات العالم من غاز الهيليوم الذي يمر حصراً عبر المضيق. هذا الغاز لا يعد مادة تكميلية، بل هو عنصر أساسي في صناعة رقائق أشباه الموصلات وتبريد أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي في المستشفيات، مما يضع القطاعين الطبي والتقني في مهب الريح.

وكانت رابطة صناعة أشباه الموصلات قد حذرت في وقت سابق من أن أي اضطراب طويل الأمد في سلاسل توريد الغازات النادرة سيؤدي إلى قفزات سعرية هائلة في الإلكترونيات. وتواجه مراكز البيانات العالمية حالياً تحديات جسيمة في الحفاظ على استقرار عملياتها نتيجة نقص المواد الخام اللازمة لتصنيع المكونات الدقيقة.

قطاع الأدوية العالمي لم يسلم هو الآخر، إذ تعتمد صناعة المسكنات والمضادات الحيوية واللقاحات على مشتقات بتروكيماوية مثل الميثانول والإيثيلين. وتساهم دول مجلس التعاون الخليجي بنحو 6% من الإنتاج العالمي لهذه المواد، حيث يوجه نصف هذا الإنتاج تقريباً لتغطية احتياجات السوق الآسيوية الضخمة.

إن توقف شحنات البتروكيماويات الخليجية يعني بالضرورة نقصاً حاداً في الأدوية الأساسية داخل الأسواق الأمريكية والأوروبية على حد سواء. وتكافح شركات الأدوية حالياً لإيجاد بدائل لوجستية، إلا أن التكاليف المرتفعة للشحن البديل تزيد من معاناة المرضى والمؤسسات الصحية حول العالم.

علاوة على ذلك، يلعب مضيق هرمز دوراً محورياً في صناعة البطاريات الحديثة من خلال نقل كميات ضخمة من مادة الكبريت. ويستخدم الكبريت في إنتاج حمض الكبريتيك الضروري لمعالجة معادن النحاس والكوبالت والنيكل، وهي الركائز الأساسية لتصنيع بطاريات المركبات الكهربائية والأجهزة المنزلية المتطورة.

ويشير محللون اقتصاديون إلى أن استمرار إغلاق المضيق سيؤدي حتماً إلى زيادة أسعار المنتجات التي تعتمد على تخزين الطاقة، بما في ذلك المعدات العسكرية الحساسة. وتواجه شركات صناعة السيارات الكهربائية ضغوطاً هائلة لتوفير المواد الخام في ظل انقطاع الخط الملاحي الأهم في الشرق الأوسط.

من جانبه، أكد معهد كايل للاقتصاد العالمي أن الآثار المترتبة على إغلاق المضيق قد تمتد لسنوات حتى بعد إعادة فتحه. ويرى الخبراء أن فقدان موسم زراعي واحد بسبب نقص الأسمدة سيؤدي إلى تضخم جامح في أسعار القمح والخضروات والفواكه، مما قد يسبب اضطرابات اجتماعية في الدول المستوردة.

وتشير التقارير الدولية إلى أن الاعتماد العالمي على مضيق هرمز يتجاوز مجرد كونه ممراً للنفط، ليصبح شرياناً للحياة العصرية بمختلف جوانبها. إن أي تصعيد عسكري إضافي في المنطقة سيعني الدخول في نفق مظلم من الركود الاقتصادي الذي قد لا تنجو منه كبرى القوى الاقتصادية.

وفي ظل هذا المشهد القاتم، تبحث القوى الدولية عن مسارات بديلة لتأمين احتياجاتها، إلا أن الطاقة الاستيعابية للمسارات الأخرى لا يمكنها تعويض حجم التدفقات المارة عبر هرمز. ويبقى الاستقرار السياسي في المنطقة هو الضمانة الوحيدة لتجنب كارثة إنسانية واقتصادية شاملة تطال الغذاء والدواء.

إن الارتباط الوثيق بين أمن المضيق واستقرار الأسواق العالمية يفرض ضغوطاً هائلة على صانعي القرار للوصول إلى تهدئة عسكرية فورية. فالعالم اليوم يدرك أكثر من أي وقت مضى أن تعطل الملاحة في هذه النقطة الجغرافية الصغيرة يعني شللاً يصيب المصانع والمزارع والمستشفيات في كافة القارات.

ختاماً، يظهر التقرير أن مضيق هرمز هو القلب النابض للتجارة الدولية، وأن أي خلل في نبضه يتردد صداه في أسعار الخبز في أفريقيا وأسعار الهواتف في أمريكا. وتظل التوقعات مرهونة بمدى قدرة الأطراف الدولية على احتواء الصراع ومنع تحوله إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تدمر ما تبقى من استقرار اقتصادي.

عربي ودولي

الإثنين 30 مارس 2026 12:29 مساءً - بتوقيت القدس

معضلة الحسم الجوي: هل تنزلق واشنطن إلى 'المستنقع' الإيراني؟

رغم الكثافة النيرانية والقوة الجوية الهائلة التي تسخرها الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل في المواجهة الحالية مع إيران، إلا أن الواقع الميداني لا يشير حتى اللحظة إلى تراجع ملموس في قدرات النظام الإيراني. وتتصاعد التساؤلات في الأوساط العسكرية حول جدوى الاعتماد الكلي على الهجمات الجوية، في ظل غياب بوادر حقيقية لحسم المعركة أو إجبار طهران على تغيير سلوكها الاستراتيجي.

وتشير تقارير عبرية إلى أن البيانات الصادرة عن القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) تكتفي برسم صورة عامة للضربات، دون الخوض في تفاصيل تقييم الأضرار الدقيقة أو نوعية الذخائر المستخدمة. هذا الغموض يراه خبراء عسكريون دليلاً على وجود قيود جوهرية تمنع القوة الجوية من تحقيق نتائج حاسمة على الأرض، مما يضعف من فعالية الحملة العسكرية المستمرة.

وفي هذا السياق، لفتت الباحثة كيلي غريكو من مركز ستيمسون إلى أن الأهداف التي تعلنها واشنطن تعكس بوضوح حدود ما يمكن للطائرات تحقيقه. وأوضحت غريكو أن استمرار الحديث عن خيارات برية يعزز القناعة بأن السيطرة الجوية وحدها لا تكفي لتدمير القدرات الإيرانية المتجذرة، وهو ما يفسر التحركات الأمريكية الأخيرة في المنطقة.

وبالتوازي مع المسارات الدبلوماسية المترددة، بدأت واشنطن فعلياً في تعزيز قبضتها العسكرية عبر نشر وحدات إضافية من مشاة البحرية ونحو ألفي جندي مظلي ضمن قوات الرد السريع. هذه التحركات رفعت إجمالي القوات الأمريكية المنخرطة في العمليات إلى قرابة 50 ألف جندي، مما يشير إلى استعدادات لسيناريوهات تتجاوز مجرد القصف الجوي المحدود.

وتسود حالة من القلق داخل الدوائر السياسية في واشنطن من الانزلاق مجدداً في 'مستنقع' إقليمي جديد يعيد للأذهان تجارب العراق وأفغانستان المريرة. ويرى مراقبون أن أي تورط بري سيواجه رفضاً شعبياً واسعاً، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية الداخلية التي تعيشها الولايات المتحدة، مما يجعل قرار التصعيد البري مقامرة كبرى.

من جانبه، حذر الباحث ويليام هارتونغ من معهد كوينسي من أن المواجهة البرية مع إيران ستكون أكثر تعقيداً وباهظة الثمن مقارنة بأي صراع سابق خاضته واشنطن في الشرق الأوسط. وأكد هارتونغ أن الطبيعة الجغرافية والقدرات الدفاعية الإيرانية تجعل من فكرة النصر السريع وهماً قد يكلف الجيش الأمريكي خسائر بشرية ومادية غير مسبوقة.

وتتجه الأنظار نحو أهداف استراتيجية قد تكون محور التصعيد القادم، مثل جزيرة خارك التي تعد الشريان الرئيسي لتصدير النفط الإيراني، أو المنشآت النووية المحصنة. غير أن مصادر مطلعة تؤكد أن إيران استعدت لهذه السيناريوهات عبر شبكة دفاعية هجينة تعتمد على الطائرات المسيّرة والزوارق السريعة، مما يجعل الوصول لهذه الأهداف محفوفاً بالمخاطر.

وتعتمد طهران في مواجهتها الحالية على استراتيجية 'الاستنزاف طويل الأمد'، حيث لا تهدف إلى كسر التفوق الجوي الأمريكي بل إلى جعل كلفة البقاء في الأجواء الإيرانية باهظة جداً. ويبرز هنا مفهوم 'الحرمان الجوي' الذي يستخدم مسيرات رخيصة الثمن لإجبار الخصم على استنزاف صواريخ اعتراضية باهظة التكاليف، مما يخلق خللاً في ميزان الإنفاق العسكري.

وفي نهاية المطاف، يحذر المحللون من أن استمرار العمليات العسكرية دون أفق سياسي واضح قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً. إذ يُخشى أن تخرج إيران من هذه المواجهة أكثر إصراراً على تسريع برنامجها النووي كدرع أخير لحماية نظامها، مما يحول الصراع الحالي إلى فتيل لانفجار إقليمي شامل لا يمكن التنبؤ بنهايته.

اسرائيليات

الإثنين 30 مارس 2026 11:59 صباحًا - بتوقيت القدس

مباحثات لتوسيع الوجود العسكري الأمريكي وإقامة قواعد دائمة في فلسطين المحتلة

كشفت مصادر إعلامية عبرية عن وجود تحركات استراتيجية مكثفة بين سلطات الاحتلال والإدارة الأمريكية تهدف إلى دراسة إمكانية إقامة قواعد عسكرية أمريكية دائمة داخل فلسطين المحتلة. وتأتي هذه الخطوة في ظل التطورات الأمنية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، خاصة مع استمرار المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران وتصاعد وتيرة العمليات الحربية.

وأوضحت التقارير أن المقترح المطروح يتضمن إمكانية نقل عدد من القواعد العسكرية الأمريكية المتواجدة حالياً في دول مختلفة بالشرق الأوسط وإعادة تموضعها داخل الأراضي المحتلة. ويهدف هذا التوجه إلى تعظيم الاستفادة من القوات الأمريكية التي تم دفعها إلى المنطقة مؤخراً، وتعزيز قدرات الردع والعمليات المشتركة بين الجانبين.

وتشمل النقاشات الجارية ليس فقط نقل القواعد القائمة، بل إنشاء منشآت عسكرية ولوجستية جديدة كلياً قادرة على استيعاب التجهيزات المتطورة. ويُنظر إلى هذه الخطوة كجزء من إعادة صياغة الخارطة العسكرية في المنطقة، بما يضمن استجابة أسرع للتحديات الأمنية التي يواجهها الاحتلال في ظل التغيرات الإقليمية الكبرى.

وعلى الرغم من جدية المباحثات، أكدت المصادر أنه لم يتم التوصل إلى قرار نهائي وحاسم بشأن هذه المقترحات حتى اللحظة. وتجري هذه النقاشات ضمن أطر استراتيجية عليا بين القادة العسكريين والسياسيين في تل أبيب وواشنطن، مع التركيز على الجوانب اللوجستية والقانونية لمثل هذا الانتشار غير المسبوق.

ويرتبط هذا الحراك العسكري بشكل وثيق بالحرب الدائرة منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي، حيث يشن الاحتلال بدعم أمريكي هجمات واسعة النطاق ضد أهداف إيرانية. وقد أدت هذه العمليات إلى مقتل شخصيات قيادية رفيعة المستوى، من بينهم المرشد السابق علي خامنئي، مما رفع منسوب التوتر إلى مستويات قياسية.

في المقابل، تواصل طهران ردودها العسكرية عبر إطلاق دفعات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة باتجاه المواقع الحيوية للاحتلال. كما امتدت دائرة الاستهداف الإيرانية لتشمل ما تصفه بالمصالح الأمريكية في عدة دول عربية، مما تسبب في وقوع خسائر بشرية ومادية جسيمة أثارت تنديدات دولية واسعة.

وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان تقارير سابقة صدرت عن مراكز دراسات فلسطينية متخصصة في الشأن الإسرائيلي، والتي أكدت أن الوجود العسكري الأمريكي ليس جديداً تماماً. فقد أشارت تلك التقارير إلى وجود مجمعات ومخازن طوارئ سرية تابعة للجيش الأمريكي موزعة في مناطق استراتيجية داخل القواعد الإسرائيلية القائمة.

ومن أبرز المواقع التي تم تسليط الضوء عليها سابقاً هو موقع '512' الواقع في منطقة النقب جنوبي فلسطين المحتلة، والذي يضم راداراً أمريكياً متطوراً للإنذار المبكر. وتعمل هذه المنشأة بتنسيق كامل مع أنظمة الدفاع الجوي التابعة للاحتلال، مما يعكس عمق الاندماج العسكري بين الطرفين منذ سنوات.

كما تشير المعلومات المتوفرة إلى أن التعاون اللوجستي يمتد ليشمل استخدام المرافق الحيوية مثل ميناء حيفا، الذي يعد نقطة ارتكاز للأنشطة البحرية الأمريكية في شرق المتوسط. ويتم استخدام الميناء لعمليات الإمداد والتموين والصيانة للسفن الحربية الأمريكية، مما يجعله جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الأمنية المشتركة.

ويرى مراقبون أن الإعلان عن دراسة إقامة قواعد رسمية يمثل تحولاً من التعاون السري أو المحدود إلى الوجود العسكري العلني والمباشر. وهذا التحول يعكس رغبة واشنطن في تثبيت حضورها العسكري في قلب المنطقة لضمان حماية مصالحها وحلفائها في مواجهة النفوذ الإيراني المتنامي.

وتتضمن المشاريع العسكرية الجاري بحثها أيضاً بناء منشآت تحت الأرض ومخازن محصنة للأسلحة الاستراتيجية التي قد تحتاجها القوات الأمريكية في حالات الطوارئ القصوى. وتتسم هذه المشاريع بطابع سري للغاية، حيث يتم التكتم على تفاصيلها الفنية ومواقعها الدقيقة لتجنب استهدافها في أي مواجهة قادمة.

إن الاندماج الاستخباراتي واللوجستي بين واشنطن وتل أبيب قد وصل إلى مستويات غير مسبوقة، حيث يتم تبادل المعلومات اللحظية حول التحركات العسكرية في المنطقة. ويساهم الوجود الأمريكي المباشر في تعزيز قدرات الرصد والتتبع والاعتراض للصواريخ والمسيرات التي تنطلق من جبهات متعددة.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبرز تساؤلات حول التداعيات السياسية والقانونية لوجود قواعد أمريكية دائمة على الأراضي المحتلة. فبينما يرى الاحتلال في ذلك ضمانة أمنية مطلقة، تعتبره أطراف إقليمية تصعيداً قد يؤدي إلى توسيع رقعة الصراع وجذب مزيد من القوى الدولية للمواجهة المباشرة.

ختاماً، يبقى ملف القواعد الأمريكية رهناً بنتائج الميدان وتطورات الحرب مع إيران، حيث ستحدد موازين القوى القادمة شكل الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة. ومع استمرار التنسيق العالي، يبدو أن الشراكة العسكرية بين الجانبين تتجه نحو مأسسة دائمة تتجاوز حدود التعاون التقني التقليدي.

عربي ودولي

الإثنين 30 مارس 2026 11:00 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي واسع على لبنان: غارات تطال الضاحية ومقتل جندي من 'اليونيفيل'

كثفت قوات الاحتلال الإسرائيلي عدوانها العسكري على الأراضي اللبنانية صباح اليوم الإثنين، حيث شنت سلسلة غارات جوية عنيفة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت. وجاءت هذه الهجمات عقب تهديدات وإنذارات وجهها جيش الاحتلال لسكان سبعة أحياء في المنطقة، مما أدى إلى تصاعد أعمدة الدخان الكثيفة التي غطت سماء العاصمة اللبنانية وسط حالة من النزوح الواسع للسكان.

وفي إحصائية رسمية تعكس حجم الخسائر البشرية، أقر جيش الاحتلال بإصابة 261 من جنوده منذ اندلاع المواجهة مع إيران، مشيراً إلى أن من بين المصابين 22 جندياً في حالة حرجة. كما أكد البيان العسكري إصابة 6 جنود إضافيين بجروح متفاوتة خلال الساعات الأخيرة جراء اشتباكات وحوادث ميدانية منفصلة وقعت في جنوب لبنان.

وعلى الصعيد الميداني في الجنوب، أفادت مصادر محلية بأن الطيران الحربي والمدفعية الإسرائيلية استهدفت منازل سكنية في بلدة دير عامص. كما أقدمت قوات الاحتلال على إحراق عدد من المنازل في بلدة الناقورة الحدودية، في خطوة تهدف إلى تدمير البنية التحتية والمناطق السكنية القريبة من الخط الأزرق.

في المقابل، أعلن حزب الله عن تنفيذ سلسلة من العمليات العسكرية النوعية ضد مواقع وتجمعات الاحتلال، حيث استهدفت الرشقات الصاروخية تجمعات للجنود والآليات في مناطق عيناتا وحولا ودير سريان. وأكد الحزب أن هذه الضربات تأتي في إطار الرد على الاعتداءات المستمرة وحماية الأراضي اللبنانية من التوغل البري.

وشملت عمليات الحزب أيضاً استهداف قاعدة 'عين زيتيم' العسكرية الواقعة شمال مدينة صفد المحتلة، بالإضافة إلى قصف مواقع في مستوطنة 'كتسرين' بالجولان السوري المحتل. واستخدم المقاتلون في هجماتهم صواريخ دقيقة ومسيرات انقضاضية استهدفت محيط مدرسة دير سريان، مما يعكس تطوراً في التكتيكات العسكرية المتبعة.

وفي تطور خطير، أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) عن مقتل أحد عناصرها وإصابة آخر بجروح بليغة إثر انفجار قذيفة بالقرب من بلدة عدشيت القصير. وأوضحت القوة الدولية أن الحادث وقع أثناء أداء الجنود لمهامهم، مما يرفع منسوب القلق الدولي حيال سلامة الطواقم الأممية في مناطق النزاع.

من جهتها، أكدت وزارة الخارجية الإندونيسية أن الجندي القتيل ينتمي إلى كتيبتها المشاركة في قوات حفظ السلام، معلنة إصابة ثلاثة جنود آخرين من الجنسية ذاتها. وأدانت جاكرتا بشدة هذا الاستهداف، واصفة الاعتداء على القوات الدولية بأنه عمل غير مقبول وينتهك السيادة اللبنانية والقوانين الدولية المعمول بها.

ودعت الحكومة الإندونيسية كافة الأطراف إلى ضبط النفس واحترام حرمة القوات الدولية، مشددة على ضرورة الالتزام بالقرارات الأممية التي تضمن أمن واستقرار المنطقة. وطالبت بفتح تحقيق عاجل في ملابسات الحادثة التي أدت إلى سقوط ضحايا من الكتيبة الإندونيسية العاملة في الجنوب.

وفي ردود الفعل الدولية، وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الهجمات التي تطال 'اليونيفيل' بأنها انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب. وشدد غوتيريش على ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الاعتداءات، مؤكداً أن ضمان سلامة وأمن موظفي الأمم المتحدة هو مسؤولية تقع على عاتق جميع الأطراف المتصارعة.

وتستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية في التصاعد على مختلف الجبهات، وسط تحذيرات من انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة أوسع نطاقاً. وتتزامن هذه التطورات مع استمرار الغارات الجوية التي تستهدف القرى والبلدات اللبنانية، مما يخلف دماراً واسعاً في الممتلكات العامة والخاصة ويزيد من معاناة المدنيين.

فلسطين

الإثنين 30 مارس 2026 10:59 صباحًا - بتوقيت القدس

إغلاق المسجد الأقصى يدخل شهره الثاني: مخططات لفرض سيادة كاملة وتغيير 'الوضع القائم'

يدخل إغلاق سلطات الاحتلال الإسرائيلي للمسجد الأقصى المبارك شهره الثاني على التوالي، في ظل تحذيرات متصاعدة من تداعيات انفراد الاحتلال بالمقدسات لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم. وتأتي هذه الخطوة ضمن محاولات حثيثة لتهويد المكان وسحب الصلاحيات الإدارية من دائرة الأوقاف الإسلامية، مستغلة الظروف الإقليمية الراهنة لفرض وقائع جديدة على الأرض.

وتتذرع سلطات الاحتلال بـ 'حالة الطوارئ' التي أُعلنت منذ بدء الهجوم العسكري على إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي لتبرير استمرار إغلاق المسجد ومنع المصلين من الوصول إليه. ويرى مراقبون أن هذا الإغلاق، الذي يعد الأول من نوعه بهذا الطول منذ احتلال القدس عام 1967، يهدف إلى تكريس معادلة جديدة للتحكم في العبادة واختبار ردود الفعل المحلية والدولية.

من الناحية القانونية، يؤكد خبراء في القانون الدولي أن تطبيق حالة الطوارئ على القدس المحتلة يعد انتهاكاً صارخاً، كون المدينة لا تخضع لسيادة الاحتلال وفقاً للقرارات الدولية. ويشدد المختصون على أن المسجد الأقصى يخضع لإدارة الأوقاف الأردنية، وأن أي مساس بالوضع القائم 'الستاتيكو' يمثل خرقاً للقوانين التي أقرت منذ العهد العثماني وحافظت على هوية المكان.

وتشير التقارير إلى أن الاحتلال يخطط لتمديد الإغلاق حتى منتصف شهر أبريل المقبل، وهو ما يصفه أكاديميون ومقدسيون بالتطور 'بالغ الخطورة'. هذا التوقيت الذي تزامن مع شهر رمضان المبارك، يعكس رغبة الاحتلال في إجراء 'اختبار عملي' لقدرته على السيطرة الكاملة ومنع التجمعات الفلسطينية الكبرى في قلب المدينة المقدسة.

وفي ظل الإغلاق المستمر، كشفت مصادر عن إجراء تعديلات جوهرية في كيفية إدارة شؤون المسجد، حيث تم تقليص عدد موظفي الأوقاف المسموح بدخولهم إلى 25 شخصاً فقط. كما فرضت شرطة الاحتلال نظاماً صارماً يتطلب معرفة مسبقة بهوية كل داخل وسبب تواجده، مع إجبار الموظفين على المغادرة فور انتهاء مهامهم المحددة.

وتسعى سلطات الاحتلال من خلال هذه الإجراءات إلى إرسال رسالة مفادها أنها باتت 'صاحب القرار الإداري الوحيد' في المسجد الأقصى، متجاوزة الوجود الإسلامي والوصاية الأردنية. وقد رصدت مصادر تصرفات استفزازية لجنود الاحتلال داخل الساحات، تهدف لإظهار السيطرة المطلقة وتكريس واقع السيادة الإسرائيلية على كامل مساحة الـ 144 دونماً.

وتلزم اتفاقية جنيف الرابعة الدولة القائمة بالاحتلال باحترام المعتقدات الدينية وممارسة الشعائر للسكان الواقعين تحت الاحتلال، وهو ما ينتهكه الإغلاق الحالي بشكل يومي. فمنع الوصول إلى أماكن العبادة وتعطيل الشعائر الدينية يمثل عقوبة جماعية تمس الحقوق الأساسية للفلسطينيين، وتخالف الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في يوليو 2024.

ويرى باحثون في شؤون القدس أن الاحتلال بات يعول على ضعف الردود الرسمية العربية والدولية لتمرير مخططاته التهويدية دون رادع حقيقي. فالصمت المطبق تجاه ما يجري في الأقصى وكنيسة القيامة يشجع المؤسسة الإسرائيلية على المضي قدماً في تفكيك الوضع القائم واستبداله بنظام سيطرة أمني وعسكري مباشر.

وخلصت القراءات الميدانية إلى أن المطلوب حالياً هو تحرك شعبي ورسمي جاد لكسر حالة الحصار المفروضة على المسجد الأقصى، خاصة في ظل الوضع الداخلي الهش الذي يعيشه الاحتلال بسبب الحروب المتعددة. إن استمرار الإغلاق لا يهدد فقط حرية العبادة، بل ينذر بانفجار الأوضاع في المدينة المقدسة مع استمرار استفزاز مشاعر ملايين المسلمين حول العالم.

عربي ودولي

الإثنين 30 مارس 2026 10:59 صباحًا - بتوقيت القدس

صورة داعية مصري على صاروخ إيراني تثير جدلاً واسعاً وردود فعل رسمية

شهدت الأوساط السياسية والإعلامية حالة من الجدل الواسع عقب تداول مقاطع مصورة تظهر وضع صورة داعية مصري معروف على أحد الصواريخ الإيرانية قبيل إطلاقها. وتأتي هذه الواقعة في ظل تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، حيث ربط مراقبون بين هذا التصرف ومواقف سابقة للداعية أثارت نقاشاً محلياً ودولياً.

أفادت مصادر إعلامية، نقلاً عن وكالات أنباء إيرانية، بأن عناصر من الحرس الثوري قاموا بإلصاق صورة الدكتور السيد عبد الباري على جسم صاروخ باليستي. وجاء ذلك ضمن تحضيرات لعملية عسكرية أطلقت عليها طهران اسم 'الوعد الصادق 4'، والتي استهدفت من خلالها مواقع تابعة للاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة.

المقاطع المتداولة أظهرت أحد العناصر العسكرية وهو يثبت الصورة بعناية، في خطوة فسرها متابعون بأنها رسالة شكر للداعية المصري. ويرجع هذا التقدير الإيراني إلى دعاء ألقاه عبد الباري خلال خطبة رسمية، تضمن عبارات اعتبرتها طهران متسقة مع نهجها في المواجهة العسكرية الحالية.

تعود جذور القصة إلى خطبة عيد الفطر التي ألقاها الدكتور عبد الباري في القاهرة، بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وكبار رجال الدولة. وقد تضمنت الخطبة دعاءً أثار انقساماً في الآراء بسبب صيغته التي تشابهت مع أدبيات سياسية ودينية تستخدمها أطراف في ما يعرف بمحور المقاومة.

الدعاء المثير للجدل اشتمل على توسل بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما دفع البعض لربطه بموروثات مذهبية معينة خارج السياق السني التقليدي. وقد انتشرت تلك المقاطع بشكل مكثف عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما خلق حالة من الربط بين الخطبة الرسمية والعمليات العسكرية الإيرانية.

من جانبهم، سارع علماء من الأزهر الشريف لتوضيح اللبس الحاصل حول الصيغة الدينية المستخدمة في الخطبة. وأكد العلماء أن التوسل بآل البيت هو جزء أصيل من التراث الصوفي والسني في مصر، ولا ينبغي تحميله دلالات سياسية أو مذهبية غريبة عن المجتمع المصري.

وشدد علماء الأزهر على أن محبة آل بيت النبي هي ركن حصين في الوجدان المصري العام، ولا تعني بالضرورة التبعية لأي أجندات خارجية. وأوضحوا أن استخدام هذه الصيغ في الدعاء هو أمر متعارف عليه في المساجد المصرية منذ قرون طويلة دون أي نكير شرعي.

في المقابل، دخلت وزارة الأوقاف المصرية على خط الأزمة بإصدار بيان رسمي شديد اللهجة يوضح موقف الدولة من هذه التطورات. وأعربت الوزارة عن رفضها التام لاستخدام الرموز الدينية المصرية في سياقات الصراعات المسلحة التي تشهدها المنطقة حالياً.

وأدانت الوزارة في بيانها ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية التي طالت عدداً من الدول العربية، مؤكدة على ثوابت السياسة المصرية في حماية الأمن القومي العربي. وشددت على أن مصر ترفض المساس بسيادة الدول أو جر المنطقة إلى صراعات مذهبية مدمرة.

وأوضحت الأوقاف أن الدعاء الذي ألقاه الداعية يظل في إطاره الشرعي الصحيح كتوسل بآل البيت، لكنها حذرت من تأويله لخدمة أهداف سياسية. وأكدت على ضرورة النأي بالخطاب الديني عن التجاذبات الدولية التي تسعى لتوظيف العاطفة الدينية في حروب إقليمية.

البيان الرسمي المصري ركز أيضاً على أهمية احترام سيادة الدول العربية ورفض أي تدخلات خارجية تزعزع استقرار المنطقة. واعتبرت الوزارة أن محاولات طهران لربط رموز دينية مصرية بعملياتها العسكرية هي محاولات غير مقبولة وتفتقر للمصداقية.

وعلى الصعيد الشعبي، تباينت ردود الفعل بين من رأى في الواقعة مجرد استغلال دعائي من الجانب الإيراني، وبين من انتقد إقحام الرموز الدينية في هذه الصراعات. وطالب ناشطون بضرورة توخي الحذر في صياغة الخطاب الديني الرسمي لتجنب أي سوء فهم قد يستغل خارجياً.

وتشير التقارير إلى أن عملية 'الوعد الصادق 4' جاءت في توقيت حساس للغاية، مما جعل أي تفصيل صغير، مثل صورة الداعية، يأخذ أبعاداً استراتيجية. ويرى محللون أن إيران تحاول من خلال هذه الرموز كسب تعاطف الشارع العربي السني وتجاوز الحواجز المذهبية.

ختاماً، تظل واقعة الصاروخ وصورة الداعية المصري نموذجاً لكيفية تداخل الدين بالسياسة في الشرق الأوسط. وبينما تحاول المؤسسات الدينية المصرية ضبط الإيقاع، تستمر القوى الإقليمية في محاولات استثمار الرموز الدينية لتعزيز نفوذها السياسي والعسكري في المنطقة.

اسرائيليات

الإثنين 30 مارس 2026 10:29 صباحًا - بتوقيت القدس

غضب في أوساط المستوطنين إثر قفزة حادة في رسوم العبور وأسعار الفنادق بسيناء

أفادت مصادر إعلامية عبرية بتصاعد موجة من الغضب والاستياء في صفوف المستوطنين، نتيجة القرارات الأخيرة التي اتخذتها السلطات المصرية بشأن معبر طابا الحدودي. وشملت هذه الإجراءات رفعاً كبيراً في رسوم العبور، بالإضافة إلى ملاحظة ارتفاع حاد في تكاليف الإقامة بالمنشآت السياحية في مناطق جنوب سيناء.

وذكرت تقارير صحفية أن رسوم عبور الأفراد من الجانب المصري لمعبر طابا تضاعفت لتصل إلى 120 دولاراً، بعد أن كانت تبلغ 60 دولاراً فقط خلال الأسبوع المنصرم. هذا الارتفاع المفاجئ وضع المسافرين أمام أعباء مالية غير متوقعة، مما أدى إلى تراجع ملحوظ في تدفق السياح القادمين من جهة الاحتلال.

ولم تقتصر الزيادات على الأفراد فحسب، بل طالت رسوم عبور المركبات الخاصة التي شهدت قفزة نوعية هي الأخرى. فقد ارتفعت تكلفة عبور السيارة الواحدة إلى 50 دولاراً، مقارنة بنحو 10 دولارات فقط كانت تُجبى قبل اندلاع الحرب، وهو ما يعكس تغيراً جوهرياً في السياسات الحدودية.

وفي سياق متصل، كشفت مراجعات لمنصات الحجز العالمية عن وجود تفاوت واضح في أسعار الغرف الفندقية بشرم الشيخ وغيرها من المنتجعات. وتظهر البيانات أن الفنادق تعتمد تسعيرة خاصة للمستوطنين تفوق بكثير تلك المخصصة للسياح القادمين من أوروبا أو القارة الآسيوية لنفس الخدمات والمميزات.

وعلى سبيل المثال، سجلت تكلفة الإقامة لشخصين في أحد منتجعات شرم الشيخ نحو 721 دولاراً للمستوطنين، في حين لا تتجاوز التكلفة للأجانب الآخرين 672 دولاراً. هذا التمييز السعري أثار تساؤلات واسعة حول السياسات التسويقية التي تتبعها المنشآت السياحية المصرية في الوقت الراهن.

ووصلت الفوارق السعرية في بعض الفنادق الشهيرة مثل 'بيك ألباتروس أكوا بلو' إلى مستويات قياسية وغير مسبوقة. حيث يُطلب من المستوطنين دفع مبلغ يصل إلى 1900 دولار للإقامة، بينما تتوفر نفس الغرفة لمن يحجز من خارج فلسطين المحتلة بسعر لا يتجاوز 490 دولاراً.

من جهتها، علقت منصة 'بوكينغ' العالمية على هذه الظاهرة بالتأكيد على أن تحديد الأسعار يقع ضمن صلاحيات مالكي الفنادق والمنشآت السياحية. وأوضحت المنصة أن الأسعار تتغير بشكل ديناميكي بناءً على مستويات الطلب والموسم السياحي، دون تدخل مباشر من المنصة في فرض قيم محددة.

ونقلت مصادر صحفية عن جهات مصرية مطلعة أن رفع الرسوم الحدودية جاء كخطوة تنظيمية لمواجهة خسائر الإيرادات السياحية. وأشارت المصادر إلى أن العديد من المستوطنين يستخدمون معبر طابا كنقطة عبور فقط للوصول إلى وجهات أخرى دون الإقامة أو الإنفاق الفعلي داخل مصر.

وتشير التحليلات إلى أن هذه الإجراءات قد تساهم في تقليص أعداد السياح الوافدين من الأراضي المحتلة إلى سيناء خلال الفترة المقبلة. ويأتي ذلك في ظل حالة من التوتر الأمني والسياسي التي ألقت بظلالها على حركة التنقل والسياحة في المنطقة بشكل عام منذ بدء العدوان على غزة.

ويرى مراقبون أن الضغوط الاقتصادية التي يواجهها قطاع السياحة المصري دفعت نحو إعادة تقييم الرسوم والخدمات المقدمة على الحدود. وتبقى مسألة الفوارق السعرية في الفنادق محل جدل واسع، حيث يعتبرها المستوطنون إجراءات عقابية، بينما تراها المنشآت حقاً تجارياً لتعويض نقص العوائد.

فلسطين

الإثنين 30 مارس 2026 10:29 صباحًا - بتوقيت القدس

شهيد في الخليل واعتداءات واسعة للمستوطنين تطال الممتلكات بالضفة

ارتقى شاب فلسطيني برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم الاثنين، خلال مواجهات اندلعت في منطقة جنوب غرب مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة. وأكدت مصادر محلية أن جنود الاحتلال استهدفوا الشاب رمزي عبد الحكيم العواودة بشكل مباشر عند مثلث قرية خرسا، مما أدى إلى إصابته بجروح بليغة فارق على إثرها الحياة.

وأوضحت المصادر أن قوات الاحتلال مارست سياسة الإهمال المتعمد بحق المصاب، حيث تركته ينزف لفترة طويلة ومنعت طواقم الإسعاف الفلسطينية من الوصول إليه لتقديم العلاج اللازم. ولم تكتفِ القوات بذلك، بل قامت باحتجاز مفاتيح مركبات الإسعاف التي حاولت الاقتراب من الموقع، قبل أن تقوم باختطاف جثمان الشهيد ونقله إلى جهة مجهولة.

وفي سياق متصل، شنت قوات الاحتلال حملة مداهمات واعتقالات في مناطق متفرقة من الضفة، طالت مخيم الجلزون شمال مدينة رام الله. وأفادت مصادر أمنية بأن القوة العسكرية اعتقلت الشاب حمزة صلاح، البالغ من العمر 22 عاماً، بعد اقتحام منزل عائلته وتفتيشه والعبث بمحتوياته بشكل استفزازي.

كما تعرضت بلدة بيت فجار جنوب مدينة بيت لحم لاقتحام مماثل، حيث انتشرت آليات الاحتلال في عدة أحياء سكنية وداهمت عدداً من المنازل. وتركزت عمليات التفتيش في منزل الأسير المحرر حمزة شمارخة، دون أن يبلغ عن وقوع اعتقالات جديدة في صفوف المواطنين داخل البلدة حتى لحظة انسحاب القوة.

وعلى صعيد اعتداءات المستوطنين، شهدت بلدة سعير شمال شرق الخليل هجوماً عنيفاً استهدف منطقة الرهوة، حيث أقدمت مجموعات من المستوطنين على إضرام النار في مركبتين تعود ملكيتهما لمواطنين فلسطينيين. وترافق الهجوم مع سرقة نحو 25 رأساً من الأغنام، في خطوة تهدف إلى التضييق على المزارعين ومربي المواشي في المناطق الرعوية.

ولم تقتصر الاعتداءات على السرقة والحرق، بل عمد المستوطنون إلى خط شعارات عنصرية باللغة العبرية على جدران المنازل في بلدتي سعير والمنيا المجاورة. وحاول المهاجمون إحراق مركبات إضافية في منطقة المنيا، إلا أن يقظة السكان وتصديهم للمستوطنين أجبرتهم على الفرار من المكان قبل تنفيذ مخططهم التخريبي بالكامل.

وتشير بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى تصاعد خطير في وتيرة هجمات المستوطنين، حيث تم رصد 443 اعتداءً منذ أواخر فبراير الماضي. وتستغل هذه المجموعات المتطرفة حالة الاضطراب الأمني لتكثيف ضغوطها على القرى والتجمعات الفلسطينية، وسط حماية وتواطؤ واضح من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي.

يُذكر أن الضفة الغربية تعيش حالة من الغليان منذ الثامن من أكتوبر 2023، حيث أسفرت العمليات العسكرية واعتداءات المستوطنين عن استشهاد 1137 فلسطينياً وإصابة الآلاف. وتتزامن هذه التطورات الميدانية مع تحذيرات دولية متزايدة من نوايا إسرائيلية لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية وفرض واقع استيطاني جديد.

فلسطين

الإثنين 30 مارس 2026 10:21 صباحًا - بتوقيت القدس

في الذكرى الـ50 ليوم الأرض: الأحمد: شعبنا منزرع في أرضه ومتمسك بهويته الوطنية رغم كل التحديات



أكد أمين سر اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير، عزام الأحمد، في الذكرى الـ50 ليوم الأرض، أن شعبنا منزرع في أرضه ومتمسك بهويته الوطنية رغم كل التحديات، مشددًا على أن هذه الذكرى تشكّل محطة وطنية مفصلية في مسيرة النضال الفلسطيني، وتجسّد أسمى معاني الصمود والتشبث بالأرض والهوية في مواجهة سياسات الاحتلال القائمة على سرقة الأراضي ومحاولة اقتلاعه منها.
وأوضح الأحمد، في تصريح صحفي، اليوم الأحد، أن يوم الأرض لم يكن حدثًا عابرًا، بل تحوّل إلى رمز نضالي متجذر في الوعي الفلسطيني، بعد أن سطّر أبناء شعبنا في أراضي الـ48 ملحمة تاريخية دفاعًا عن أرضهم في وجه مخططات التهويد والاستيلاء، رغم القمع والاعتقالات وارتقاء الشهداء.
وأشار إلى أن السياسات الإسرائيلية التي فجّرت أحداث عام 1976، والمتمثلة بمصادرة آلاف الدونمات من أراضي الفلسطينيين في الجليل، ما زالت مستمرة بأشكال مختلفة حتى اليوم، وفي ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين المتكررة على منازل الفلسطينيين، واستمرار مصادرة الأراضي، وتسريع وتيرة بناء البؤر الاستيطانية غير الشرعية، بما يهدد الوجود الفلسطيني ويستهدف الأرض والإنسان معًا.
وأضاف أن الاحتلال يواصل اعتداءاته بحق أبناء شعبنا، في ظل ارتقاء الشهداء يوميًا في مختلف المناطق وهم يدافعون عن أرضهم وحقوقهم، في مشهد يعكس حجم التضحيات التي يقدمها الشعب الفلسطيني في مواجهة آلة القتل والبطش الإسرائيلية.
وشدد الأحمد على أن إحياء هذه الذكرى سنويًا هو تأكيد متجدد على وحدة الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، وتمسكه بحقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حقه في أرضه ووطنه.
ودعا المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، ووضع حد لسياسات الاستيطان ومصادرة الأراضي، ووقف اعتداءات المستوطنين، التي تشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
وختم الأحمد بالتأكيد على أن يوم الأرض سيبقى شاهدًا حيًا على عدالة القضية الفلسطينية، ورمزًا مستمرًا للنضال حتى إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

أقلام وأراء

الإثنين 30 مارس 2026 10:19 صباحًا - بتوقيت القدس

الإبادة المتقطعة!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

تخلع صرخات الأمهات الثكالى الفاقدات لفلذات أكبادهن وثمرات قلوبهن نياط القلب، وتهز النفس من أقطارها، ذلك أن الموت ما انفك يتربص بالأطفال وهم يتنقلون بين الخيام، طلباً لوجبةٍ ساخنةٍ تجود بها "تكايا" تعاني شحاً شديداً في توفير الغذاء، وسط ارتفاعٍ جنونيّ في الأسعار، وتآكلٍ للعملات، حتى بات الناس في غزة كلهم سواسية؛ غنيهم وفقيرهم، كبيرهم وصغيرهم، القانع منهم والمعتر، المعافى والسقيم، النازح والمقيم.
في غزة يكابد الأطفال أوجاعهم، ويقضون أيامهم في مهماتٍ تتجاوز أعمارهم، وتنوء تحتها أجسادهم الغضة، لقد شابت شعورهم قبل أوانهم، وباتوا أكبر من أعمارهم، يحملون هَمّ إعالة مَن كُتبت لهم الحياة من ذويهم، بعد أن فقدوا آباءهم وأمهاتهم، ليجدوا أنفسهم "آباء وأمهات" يضطلعون بمهمات الغائبين دون أن يكون لهم أيّ معيل.
يموت الناس في غزة صباح مساء، فمَن لم يمت بالسيف مات بأثره، مرضاً، وقهراً، وعجزاً، وكمداً، على أحبابٍ لم تسقط صورهم من الذاكرة، ولا غادرت ضحكاتهم جدران المنازل المهدمة، ولا الخيام  التي باتت هدفاً يومياً لأحزمة النيران، التي تكوي قلوب الأحياء قبل أن تحرق أجساد الأبناء، الذين كانوا يملأون المكان صخباً في حلهم وترحالهم لجلب الحطب، والماء الذي غيض في الأرض بعد تدمير الآبار.
عندما ترتفع ربطة الخبز إلى خمسة دولارات، ويقفز كيس الطحين بنسبة مئتين بالمئة، وسط شح اللحوم والخضار، وإجبار المنظمات الإنسانية على المغادرة، فإن ذلك يعني أن القطاع بات على شفا مسغبةٍ هي الأشد وطأة من سابقاتها، بينما تتواصل فصول الإبادة بصورةٍ متقطعة، وأشكالٍ متنوعة، أمام أنظار عالمٍ يعاني عدالةً عوراء.

فلسطين

الإثنين 30 مارس 2026 10:18 صباحًا - بتوقيت القدس

يوم الأرض : خمسون عاماً.. والاستيطان يتعمق

عبد الله أبو رحمة: جوهر الصراع  منذ 1948 على الأرض وبقي محور السياسة الإسرائيلية وأساس مشاريعها الاستعمارية
د. أحمد رفيق عوض: المشروع الصهيوني توسّع بصورة هائلة ما جعل ذكرى يوم الأرض تبدو هامشية قياساً بحجم الكوارث المستمرة
د. خليل تفكجي: ما يجري في الأراضي الفلسطينية من توسع استيطاني وعمليات تطهير عرقي امتداد لمسار إسرائيل منذ "يوم الأرض"
د. حسن بريجية: الصراع لا يزال يتمحور حول الأرض باعتبارها الدولة والحلم والمستقبل للفلسطينيين الذين لم يعد أمامهم سوى الصمود
د. تمارا حداد: المشروع الاستيطاني تحول إلى شبكة جغرافية مترابطة عبر ربط الكتل الاستيطانية بالمستوطنات لإعادة هندسة الضفة
نزار نزال: الاستيطان محاولة لحسم الصراع.. ومواجهته تكمن في الجمع بين الصمود الميداني والضغط الدولي وإعادة بناء النظام السياسي

رام الله - خاص بـ "القدس"-


 تأتي الذكرى الخمسين ليوم الأرض التي تحل ذكراها اليوم، في ظل عمق التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية، في وقت يبقى جوهر الصراع ثابتاً: الأرض والهوية، وتصاعد الاستيطان.
منذ عام 1976 وحتى اليوم، تتواصل السياسات الهادفة إلى السيطرة على الجغرافيا الفلسطينية، عبر توسع استيطاني متسارع، وتشريعات تُعيد إنتاج ذات النهج الذي بدأ بالمصادرة المباشرة لينتقل إلى منظومة أشمل من الأدوات القانونية والأمنية والاقتصادية. وبعد نصف قرن على يوم الأرض تغيّرت السياقات السياسية والإقليمية، لكن الشعب الفلسطيني ظل يواجه ذات المعادلة التي تقوم على محاولات انتزاع الأرض من أصحابها الأصليين.
وخلال العقود الماضية، اتخذ الاستيطان أشكالاً متعددة، بدءاً من إنشاء المستوطنات الكبرى والبؤر الاستيطانية العشوائية، وصولاً إلى إنشاء الجدار، والطرق الالتفافية، وتقييد التوسع العمراني الفلسطيني إلى أدوات هندسة ديمغرافية وجغرافية شاملة.
وتزامن ذلك مع اتساع دائرة العنف المنظّم الذي تمارسه مجموعات المستوطنين، وفرض واقع ميداني جديد في مناطق مختلفة بالضفة الغربية، خاصة الأغوار والمناطق الرعوية والقرى المهددة.
ويرى مختصة ومسؤولون وكتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث لـ"ے"، أنه في ظل انشغال العالم بأزمات إقليمية ودولية، وجدت إسرائيل فرصة لتعزيز مشروع طويل الأمد يقوم على إعادة تشكيل الضفة الغربية وقطع تواصلها الجغرافي، عبر تعميق الاستيطان والسيطرة لتمتد الأطماع ليس إلى كامل فلسطين بل إلى دول الجوار، مشيرين إلى أنه رغم تعقّد المشهد وتراجع مركزية القضية الفلسطينية دولياً في فترات عدة، بقي الصمود الشعبي ركناً أساسياً في مواجهة هذه السياسات، سواء عبر البقاء في الأرض، أو تفعيل أشكال المقاومة الشعبية، أو اللجوء إلى المسار القانوني والدبلوماسي، مؤكدين ضرورة بناء رؤية وطنية جامعة تعيد صياغة آليات المواجهة وتوحيد الجهود الفلسطينية.



الصراع على الأرض

يؤكد مدير عام دائرة العمل الشعبي في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عبد الله أبو رحمة أن جوهر الصراع منذ عام 1948 وحتى اليوم لم يتغير، إذ بقي الصراع على الأرض محور السياسة الإسرائيلية وأساس مشاريعها الاستعمارية.
ويوضح أبو رحمة أن كل المخططات الاستيطانية الإسرائيلية، منذ "ألون" و"دروبلس" و"شارون" وصولاً إلى سياسات نتنياهو وطموحات سموتريتش، تشترك في هدف واحد: الاستيلاء على الأرض الفلسطينية وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليها.
ويؤكد أبو رحمة أن هذه الخطط لا تُنفّذ دفعة واحدة، بل تُمرَّر في توقيتات مدروسة تتناسب مع الظرف السياسي والإقليمي، مشيراً إلى أن الاحتلال بدأ بإنشاء الدولة عام 1948، ثم توسّع باحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 ثم احتلال سيناء والجولان، لينتقل لاحقاً إلى بناء المستوطنات، ثم جدار الفصل العنصري، ثم البؤر الاستيطانية التي تشكل أدوات عملية للسيطرة على الجغرافيا الفلسطينية وضم الضفة الغربية تدريجياً.

مشروع استيطاني لم يتوقف

ويشير أبو رحمة إلى أن التحولات الجارية اليوم، سواء في سوريا عبر تمدد السيطرة الإسرائيلية جنوباً، أو في لبنان عبر توغلات عسكرية وتصريحات رسمية تتبنى رؤية "إسرائيل من النهر إلى البحر"، تؤكد أن المشروع التوسعي لم يتوقف، بل يتسارع مستفيداً من ظروف الحروب الإقليمية ومن حالة الانشغال الدولي بالصراعات الكبرى.
ويرى أبو رحمة أن ما جرى في يوم الأرض عام 1976 كان جزءاً من هذه المخططات، لكن الاختلاف يكمن في تغير الظروف؛ فبينما شكّلت هبّة سخنين وعرابة والمثلث رداً شعبياً قوياً، بات الواقع اليوم أكثر تعقيداً مع اشتداد الحروب منذ 7 أكتوبر 2023، وما تلاها من تصعيد إقليمي، ما أتاح لإسرائيل تمرير سياساتها بوتيرة أعلى.

الصمود الشعبي هو الأساس

وفي ما يتعلق بسبل مواجهة التوسع الاستيطاني، يشدد أبو رحمة على أن الصمود الشعبي هو الأساس الذي لا يمكن تجاوزه، رغم ما يواجهه الفلسطينيون من مخاطر مباشرة على حياتهم وحياة أسرهم.
ويعتبر أبو رحمة أن بقاء الفلسطينيين في أرضهم ورفض الهجرة هو "العمود الفقري وحجر الزاوية" في الحفاظ على الحق الفلسطيني.
ويلفت أبو رحمة إلى أن هذا الصمود يحتاج إلى دعم من الفصائل الفلسطينية التي يقع على عاتقها دور مركزي في تفعيل المقاومة الشعبية، سواء عبر فعاليات منظمة أو مبادرات ميدانية، وليس فقط من خلال ردود الفعل.

لجان الحماية في التجمعات المهددة

ويشدد أبو رحمة على ضرورة إنشاء وتعزيز لجان الحماية في التجمعات المهددة، نظراً لعمل ميليشيات المستوطنين بشكل منظم ومباغت، وبفضل التسليح والدعم الحكومي الذي يجعلها قادرة على إيقاع خسائر كبيرة بالفلسطينيين.
ويشير أبو رحمة إلى أن تنظيم هذه اللجان، وتنسيق الجهود، وتسهيل التواصل بين الأهالي، واليقظة الدائمة، هي عوامل حاسمة في التصدي لاعتداءات المستوطنين، بحيث تكون المبادرة بيد الفلسطينيين في مواجهة أي محاولة اقتحام أو اعتداء.

أهمية الملاحقة القانونية

ويشدد أبو رحمة على أهمية الملاحقة القانونية، عبر توثيق الاعتداءات ورفع الشكاوى في الشرطة الفلسطينية ثم عبر الارتباط العسكري، إلى جانب توثيق محاولات منع الوصول للأراضي لحمايتها من المصادرة.
ويؤكد أبو رحمة ضرورة نقل هذه الملفات إلى المستوى الدولي، لملاحقة المستوطنين المجرمين والمسؤولين السياسيين الذين يوفرون لهم الغطاء والدعم.
ويدعو أبو رحمة المجتمع الدولي إلى وضع أسماء المستوطنين وقياداتهم على قوائم سوداء لمنع سفرهم واعتقالهم في أي دولة تتبنى القوانين الدولية، مشيراً إلى أن الحكومة الإسرائيلية شريك مباشر في الجرائم عبر التسليح، والدعم اللوجستي، وشرعنة البؤر الاستيطانية.
ويؤكد أبو رحمة أن الحراك الدبلوماسي جزء لا يقل أهمية عن الأدوات الأخرى، من خلال الضغط الدولي، والمقاطعة، وفرض العقوبات، وسحب الاستثمارات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية شديدة الصعوبة، لكن الصمود والمقاومة هما الأساس الذي يُبقي الفلسطيني على أرضه رغم كل الانتهاكات.

نصف قرن على يوم الأرض

يشدد الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض على أن نصف قرن من الزمن كان كافياً ليشهد المشهد السياسي والاجتماعي في إسرائيل وفلسطين تحولات جوهرية وعميقة، جعلت ذكرى يوم الأرض تتراجع من حدث وطني مقاوم إلى رمز ثقافي وإنساني في ظل انفجار تحديات أكبر وأكثر خطورة.
ويوضح عوض أن المجتمع الإسرائيلي خلال العقود الخمسة الماضية انتقل إلى حالة أكثر عدوانية ووحشية وفاشية، ولم يعد يتأثر بالمظاهرات أو أشكال الاحتجاج الفلسطينية، بل على العكس، تعاظمت قدرته على فرض القيود وتشديد السياسات القمعية تجاه الفلسطينيين عبر قوانين تستهدف الأرض، وضرائب مُرهقة، ومنع التوسع العمراني في القرى والمدن العربية داخل الخط الأخضر.

حدث رمزي

ويشير عوض إلى أن الجمهور الفلسطيني في الداخل طور هو الآخر أدواته وتكتيكاته، محولًا ذكرى يوم الأرض إلى حدث رمزي للتأكيد على وجود شعب ما يزال يطالب بحقوقه رغم ما يعانيه من تهميش وإهمال واستلاب.
ويلفت عوض إلى أن الاهتمام الشعبي والعربي والدولي بالذكرى تراجع بشكل كبير بسبب تعدد الأزمات الكبرى والحروب والمجازر التي باتت تطغى على المشهد الفلسطيني والعالمي.

توسع هائل في المشروع الصهيوني

ويبيّن عوض أن المشروع الصهيوني توسّع بصورة هائلة خلال الخمسين عاماً الأخيرة، فاحتل أراضٍ واسعة، وطارَد الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم، سواء داخل فلسطين أو في دول الجوار، مما جعل ذكرى يوم الأرض تبدو هامشية قياساً بحجم الكوارث المستمرة.
ويشير عوض إلى أن التحولات الإقليمية والدولية، وتغير المزاج العالمي، كلها عوامل دفعت هذه الذكرى إلى موقع أقل أهمية رغم رمزيتها المتجذّرة.
ويؤكد عوض أن مواجهة الواقع الاستيطاني تشكل معضلة مركّبة تتطلب عملاً على مستويات دبلوماسية وقانونية وشعبية ودولية، مشيراً إلى أن سياسة الاستيطان "مجرمة ومعقدة وطويلة ومكلفة".

مشروع استيطاني يتمدد

ويرى عوض أن كبح هذا المشروع لا يعتمد على الفلسطينيين وحدهم، بل على مجمل الوضع في الإقليم والعالم، لأن إسرائيل لا تصعّد الاستيطان إلا عندما يكون الفلسطينيون والدول المحيطة والمجتمع الدولي في أضعف حالاتهم.
وبحسب عوض، فإن الاستيطان جزء جوهري من العقلية الاحتلالية التي تقوم على "الحصول على أرض أكثر وسكان أقل"، وهو مشروع ممتد منذ أكثر من سبعين عاماً، ولا يمكن وقفه دون إيقاف الاحتلال نفسه.
ويؤكد عوض أن الفلسطينيين لا يملكون إجابة كاملة حول كيفية إنهاء هذا الوضع، لأن وقف الاستيطان يتطلب رداً واسعاً ومنسقاً يشارك فيه أطراف عديدة، في وقت يعاني فيه الفلسطينيون من أضعف ظروفهم التاريخية.

السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض

يؤكد الخبير في شؤون الاستيطان د. خليل تفكجي أن ما يجري اليوم في الأراضي الفلسطينية من توسع استيطاني وعمليات تطهير عرقي هو امتداد مباشر للمسار الذي بدأته إسرائيل منذ يوم الأرض عام 1976، حين شرعت بخطط واضحة لتهويد الجليل والنقب والسيطرة الممنهجة على الأرض بهدف منع قيام دولة فلسطينية مستقبلًا.
ويوضح تفكجي أن القوى الوطنية في الداخل وفي الضفة الغربية وقطاع غزة أدركت مبكرًا أن جوهر السياسة الإسرائيلية يتمثل في السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض، معتبرًا أن ذلك النهج تعمّق واتسع خلال العقود اللاحقة دون توقف.

قضم الأرض وسياسات متواصلة

ويلفت تفكجي إلى أن إسرائيل واصلت، منذ 50 عاماً وحتى اليوم، "قضم الأرض" عبر إنشاء مستوطنات كبرى في الجليل—أبرزها مستوطنة "كرمائيل"—وتكثيف عمليات التطهير العرقي في النقب ضد التجمعات البدوية.
ويشير تفكجي إلى أن المشهد الحالي في الضفة الغربية يؤكد استمرار هذا البرنامج، من خلال تسارع عمليات التهويد، ومصادرة الأراضي، وتفريغ المناطق الفلسطينية من سكانها، خصوصاً في الأغوار والمناطق الرعوية التي أصبحت هدفًا مباشرًا للمستوطنين وللمزارع الاستيطانية الجديدة، التي تُستخدم كأداة توسع فعلي على الأرض.
ويؤكد تفكجي أن إسرائيل تعمل كذلك على إعادة تفعيل مستوطنات أُخليت سابقًا، وفرض وقائع ميدانية في مناطق مصنفة (أ) مثل مستوطنة "إيبال" على جبل عيبال شمال نابلس، بالإضافة إلى التحركات الاستيطانية في منطقة النبي يونس بالخليل.

عملية السلام وُضعت في الثلاجة

ويبيّن تفكجي أن عملية السلام وُضعت في الثلاجة منذ سنوات، بينما استمرت الحكومات الإسرائيلية—خصوصًا اليمينية منها—ببناء وتوسيع المستوطنات وفرض السيطرة الكاملة على الضفة الغربية، حتى باتت المساحات الخاصة بالفلسطينيين تتقلص يومًا بعد يوم.
ويؤكد تفكجي أن الخطاب الإسرائيلي اليميني بات أكثر وضوحًا، ويعلن صراحة أن "ما بين النهر والبحر دولة واحدة"، أي نفي إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.

برنامج فلسطيني غائب

وينتقد تفكجي غياب أي برنامج فلسطيني مواجه لهذا الواقع، مؤكدًا أن التعامل الرسمي والشعبي اقتصر على "إحياء ذكرى يوم الأرض" من دون وجود رؤية واضحة أو خطوات عملية لحماية الأرض أو دعم التجمعات الفلسطينية المهدَّدة.
ويشير تفكجي إلى أن الاعتداءات المتصاعدة للمستوطنين—من هجمات على حوارة إلى المغير وترمسعيا—تعكس سياسة منظمة تهدف إلى التطهير العرقي وإجبار الفلسطينيين على الرحيل القسري.

مناسبة رمزية "لا تحمل سوى الذكرى"

ويؤكد تفكجي أن استمرار الوضع القائم سيحوّل يوم الأرض إلى مجرد مناسبة رمزية "لا تحمل سوى الذكرى"، في ظل تسارع الاستيطان، وتزايد المصادرات، وتصاعد العنف المنظم الذي يمارسه المستوطنون باعتبارهم "الأداة التنفيذية للحكومة الإسرائيلية".

تحولات أكثر خطورة

ويحذّر تفكجي من أن السنوات المقبلة قد تشهد تحولات أكثر خطورة إذا لم يُبنَ برنامج فلسطيني عملي يحمي ما تبقى من الأرض، مؤكدًا أن المعادلة الحالية تُظهر مشروعًا إسرائيليًا طويل النفس، مقابل غياب رؤية فلسطينية مستقبلية.

الصراع على الأرض جوهر الصراع

يوضح الباحث في شؤون الاستيطان د. حسن بريجية أن الذكرى الخمسين ليوم الأرض تعيد التأكيد على جوهر الصراع القائم منذ عقود، وهو الصراع على الأرض باعتبارها أساس الهوية والمستقبل الفلسطيني.
وبحسب بريجية، فإن الأدوات الإسرائيلية تطورت وتغيّرت، فبينما ارتكب الجيش والحكومة الجرائم بشكل مباشر عام 1976، باتت إسرائيل اليوم تعمل عبر منظومة أوسع تشمل المستوطنين والجهاز القضائي والشرطة والجيش، لتوفير غطاء رسمي للتمدد الاستيطاني المتسارع.
ويوضح بريجية أن إسرائيل باتت تستخدم المستوطنين كواجهة لتنفيذ السياسات نفسها التي كانت تنفذها الحكومة بشكل مباشر سابقاً، ما يجعل المواجهة أكثر تعقيداً.
ويشير بريجية إلى أن الصراع بعد كل هذه العقود لا يزال يتمحور حول الأرض باعتبارها الدولة والحلم والمستقبل والحق الطبيعي للفلسطينيين.

الصمود على الأرض

وحول الخيارات المتاحة بعد خمسة عقود من التوسع الاستيطاني، يشدد بريجية على أن الفلسطينيين لا يملكون إلا خياراً واحداً واضحاً: الصمود على الأرض، والحفاظ على الوحدة واللحمة المجتمعية، والبقاء المتجذر في المكان.
ويؤكد بريجية أن هذا الصمود هو الطريق الوحيد لصدّ "غول الاستيطان" وحماية ما تبقى من الجغرافيا الفلسطينية لأجيال قادمة.

إعادة قراءة التحولات العميقة

تؤكد الكاتبة والباحثة السياسية د. تمارا حداد أن الذكرى الخمسين ليوم الأرض تمثل محطة مركزية لإعادة قراءة التحولات العميقة التي شهدتها القضية الفلسطينية، معتبرة أن مجرد صمود الفلسطيني على أرضه يشكّل بحد ذاته فعل مقاومة متجذّر.
وتشير حداد إلى أن يوم الأرض لم يكن حدثاً عابراً، بل أصبح جزءاً من الوعي الوطني الفلسطيني، كونه يرتبط مباشرة بهوية الشعب ووجوده وجغرافيته وديمغرافيته، ويعكس عمق الصراع على الأرض في ظل التسارع الاستيطاني غير المسبوق.
وتوضح حداد أن ما جرى عام 1976 من مصادرة للأراضي كان بداية لتحول استراتيجي في أدوات السيطرة الإسرائيلية، ففي حين كان الاحتلال يعتمد سابقاً على المصادرة العلنية والقرارات المباشرة لإفراغ الأرض من سكانها الأصليين، انتقلت إسرائيل خلال العقود الخمسة الماضية إلى منظومة قانونية وإدارية أكثر تعقيداً، تشمل تصنيف الأراضي وفرض قيود تخطيطية صارمة.

استغلال تصنيفات الأرض

وتشير حداد إلى أن الاحتلال يستغل تصنيفات مناطق (أ) و(ب) و(ج) لفرض سيطرته على أوسع مساحة ممكنة، عبر منع التوسع العمراني الفلسطيني، وإصدار أوامر الهدم بحجة عدم الترخيص، وإعلان مناطق واسعة كمحميات طبيعية أو مناطق عسكرية.
وتبيّن حداد أن الهدف الاستراتيجي لهذه السياسات هو حشر الفلسطينيين في مراكز المدن، وتحويلها إلى كانتونات معزولة جغرافياً وديمغرافياً، بما يعيق إمكانية قيام دولة فلسطينية مترابطة.

المشروع الاستيطاني شبكة جغرافية مترابطة

وتؤكد حداد أن المشروع الاستيطاني لم يعد مجرد مستوطنات متفرقة، بل تحول إلى شبكة جغرافية مترابطة عبر ربط الكتل الاستيطانية الكبرى بالمستوطنات والبؤر العشوائية، في محاولة لإعادة هندسة الضفة الغربية بالكامل.
وتوضح حداد أن الاحتلال يسعى أيضاً إلى إضعاف أدوات صمود الفلسطينيين عبر نشر ما يزيد عن ألف حاجز في الضفة الغربية، والضغط الأمني والميداني لخنق أي حراك شعبي أو احتجاجات مستقبلية، وصولاً إلى إحباط الروح المجتمعية الفلسطينية.

الانشغال بالأزمات العالمية والإقليمية

وتشير حداد إلى أن الانشغال الدولي بالأزمات العالمية والإقليمية، ومنها المواجهة الأمريكية–الإيرانية، سمح لإسرائيل بفرض مزيد من الوقائع على الأرض في ظل تراجع نسبي في مركزية القضية الفلسطينية دولياً.
وتؤكد حداد أن التحولات الإقليمية وإعادة ترتيب أولويات الشرق الأوسط انعكست سلباً على مستوى الضغط السياسي لوقف المصادرة، بينما تواصل إسرائيل تنفيذ خطة طويلة المدى عنوانها "إسرائيل الكبرى" عبر تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وقطع التواصل الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي بين التجمعات السكانية.

أهمية تعزيز صمود المواطنين

وحول الخيارات الفلسطينية، تشدد حداد على أن تعزيز صمود المواطنين يبقى أهم أدوات مواجهة الاستيطان، عبر دعم الزراعة والمشاريع الاقتصادية المحلية وحماية التجمعات المهددة. وتدعو حداد إلى استمرار المسار الدبلوماسي والقانوني واللجوء للمحاكم الدولية، وتفعيل الاتصالات مع الدول المؤثرة لإعادة وضع القضية الفلسطينية في مقدمة الأولويات الدولية.
وترى حداد أن غياب استراتيجية سياسية فلسطينية موحّدة يضعف القدرة على مواجهة مشروع استيطاني طويل الأمد، مؤكدة ضرورة بناء رؤية وطنية جامعة لتحويل الجهود المتفرقة إلى تأثير فعلي.
وتشدد حداد على أهمية تشكيل لجان الحماية الشعبية في المناطق المهددة، وتعزيز الضغط الإعلامي الدولي عبر سردية حقوقية وقانونية تقوم على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
وتؤكد حداد أن الصراع لم يعد على قطعة أرض بقدر ما أصبح على إعادة تشكيل الجغرافيا والسياسة الفلسطينية بالكامل، وأن مستقبل القضية يعتمد على الجمع بين الصمود الميداني والنضال السياسي والقانوني في آن واحد، باعتبارهما الركيزة الأساسية لحماية الأرض والهوية.

جوهر الصراع: الأرض والهوية

يؤكد الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي وقضايا الصراع نزار نزال أن التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية منذ عام 1976 – تاريخ انطلاق يوم الأرض – ضخمة وعميقة، لكن جوهر الصراع ظل ثابتاً: الأرض والهوية. ويوضح نزال أن ما بدأ حينها بمصادرة آلاف الدونمات في الجليل، اتسع اليوم ليصبح منظومة استعمارية كاملة تلتهم الجغرافيا الفلسطينية بأكملها، وتحوّل المشروع الاستيطاني إلى مشروع سياسي شامل لا يقتصر على المساحات بل يستهدف مصير الشعب الفلسطيني ووجوده.
ويشير نزال إلى أن الانتقال من الاستيطان داخل أراضي 1948 إلى التهام الضفة الغربية بالكامل، رافقته عمليات توسع ممنهجة عبر البؤر الاستيطانية، وشق الطرق الالتفافية، وتوسيع جدران الفصل العنصري، والسيطرة على مناطق (ج) التي تشكل أكثر من 60% من الضفة.

يوم الأرض رمز وطني جامع

ويرى نزال أن يوم الأرض الذي بدأ داخل الداخل أصبح اليوم رمزاً وطنياً جامعاً للفلسطينيين في الضفة وغزة والداخل والشتات.
ويبيّن نزال أن أدوات السيطرة الإسرائيلية شهدت تطوراً كبيراً، أبرزها التشريعات والقوانين الاستعمارية التي أقرّها الكنيست، وإنشاء الإدارة المدنية العسكرية، واستخدام أدوات اقتصادية لخنق التنمية الفلسطينية وخلق بيئة طاردة للحياة في غزة والضفة.
ويشير نزال إلى أن التكنولوجيا والمراقبة أصبحت جزءاً أساسياً من منظومة السيطرة عبر رصد السكان وتتبع حركتهم والتحكم في تفاصيل حياتهم اليومية.

تراجع مركزية القضية الفلسطينية

ويشير نزال إلى أن القضية الفلسطينية شهدت تراجعاً في مركزيتها  الدولية خلال فترات متعددة بسبب صعود ملفات إقليمية كبرى مثل إيران وأوكرانيا، إلا أنه بالمقابل عاد الزخم الشعبي العالمي ليتجدد من خلال حركات المقاطعة BDS ونشاط الجامعات العالمية.
ويوضح نزال أن هذا الصمود الشعبي الفلسطيني يقابله تآكل جغرافي واضح بفعل التمدد الاستيطاني المتواصل، ما جعل الصراع بعد نصف قرن صراعاً على ما تبقى من إمكانية قيام كيان فلسطيني متصل وليس على أرض محددة فقط.

خيارات صعبة لكنها ممكنة

ويقدّم نزال رؤية من أربعة مسارات لمواجهة الاستيطان، مؤكداً أنها خيارات صعبة لكنها ممكنة: أولها المسار القانوني الدولي عبر تفعيل قرارات محكمة العدل الدولية، وملاحقة الاستيطان بوصفه انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، والاستفادة من تقارير مجلس حقوق الإنسان.
والمسار الثاني وفق نزال، المقاومة الشعبية والميدانية، عبر تبني المقاومة الشعبية السلمية كما في تجربة الانتفاضة الأولى، وحماية الأرض عبر البقاء والزراعة والوجود الدائم، ومواجهة التوسع الاستيطاني خاصة في المناطق المهددة مثل مسافر يطا.
ويشير نزال إلى المسار الثالث وهو الوحدة السياسية الفلسطينية عبر إنهاء الانقسام وبناء استراتيجية موحدة لفضح السياسات الإسرائيلية عالمياً، والتأكيد أن أي أدوات أخرى تصبح محدودة دون وحدة داخلية.
ويلفت نزال إلى المسار الرابع وهو المسار الدولي الدبلوماسي والاقتصادي من خلال تعزيز المقاطعة والعقوبات على المستوطنات والمستوطنين، وإعادة تدويل القضية الفلسطينية وتفعيل الحضور الفلسطيني في المؤسسات الدولية، وإعادة تعريف الصراع ضمن حل الدولتين أو طرح خيار الدولة الواحدة القائمة على المساواة.

محاولة لحسم الصراع على الأرض

ويؤكد نزال أن الاستيطان ليس مجرد توسع جغرافي، بل محاولة لحسم الصراع على الأرض قبل أي حسم سياسي، مؤكداً أن المواجهة الأكثر واقعية للاستيطان تكمن في الجمع بين الصمود الميداني، والضغط الدولي، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.

أقلام وأراء

الإثنين 30 مارس 2026 10:17 صباحًا - بتوقيت القدس

عن الهوية الوطنية وعن الأردن الشقيق

الهوية الوطنية كما هي الهوية الشخصية، لا تشبه قطرة مطر تسقط من السماء، طاهرة وصافية، الهوية الوطنية تتخلق في جغرافيا تضيق وتتسع، وضمن تحديات وتجارب، وتحرسها رموز عالية من الشخصيات الكاريزماتية التي تمنح المعنى والمضمون، ولأن الهوية الوطنية كما الهوية الشخصية، تتعاطى مع الآخرين وتتأثر بهم وتضع حدودها بالعلاقة معهم، لذلك فإن الهوية الوطنية لا تخص عائلة أو قبيلة أو طائفة أو عرق أو دين، فهي التعريف الذي يعطي كل هؤلاء موقعاً وحصة ودور، هذه هي الدولة الحديثة التي تقوم على المواطنة الكاملة والمتساوية والقانون الذي يحقق العدالة وتكافؤ الفرص.
والهوية الوطنية تفترض ذاكرة مشتركة، والأهم تكوين صورة عن الذات تحدد مقولاتها ومرجعياتها وتحدد أيضاً أهدافها، لا توجد هوية وطنية بدون مستقبل وبدون مهمات وأدوار روحية وإنسانية، ولأن الهوية الوطنية ليست ثابتة، بل هي متحركة ومرنة تتغير بتغير الزمن والنخبة والتحديات، فإن هذه الهوية قادرة على الاستيعاب والاحتواء والهضم والفرز والمرونة الكافية للبقاء والاستمرار، بكلمات أخرى، الهوية الوطنية رؤية للذات الجمعية، متغيرة ومرنة، ولكنها صلبة بما يكفي للبقاء أيضاً.
وبهذا المفهوم، فإن الهوية الوطنية ليست صنماً للعبادة ولا جوهراً ثابتاً ولا مفهوماً مطلقاً، بل هي منتج جمعي لحماية الجماعة أو الشعب، وقد تكتسب، لظروف خاصة، قدسية ما أو تابو يمنع المساس بها، ولكنها في نهاية الأمر سلاح حقيقي للضبط وعدم الذوبان والشعور بالتميز، وقد يبدو مفهوم الهوية الوطنية مفهوماً أقرب إلى مفاهيم تخص عصوراً مضت، ذلك أن الدول الحديثة – الغربية على الخصوص – تحاول أن تجعل من هذا المفهوم أكثر عصرية بادعاء الحقوق المتساوية والمواطنة الكاملة وإسقاط الانتماءات الفردية أمام الحقوق الدستورية، ولكن ذلك لا يمنع أنّ هذه الدول تنحاز لتاريخها ولرؤيتها لذاتها، وفي ذلك خيانة للدولة العلمانية الحداثية أو سقوط لها، وهذا كلام يطول الكلام فيه.
أقول ذلك كفلسطيني يعاني شعبي التمزق والتفكك والإنكار والتغييب والتهميش والتشرد والفقر والحصار، يعيش في حالة من غياب الأرض والسيادة وكذلك الشعب الذي يعيش معظمه خارج أرضه التاريخية، لنتصوّر إذن كمية العذاب النفسي والروحي والفعلي لتجسيد هوية وطنية جامعة، يضطر الفلسطيني إلى اختراع هوية متخيّلة يصوغها الألم والعذاب وغياب المكان، هوية يخلقها التوجّس والريبة أو سوء الاستخدام أو الاستغلال أو التوظيف، فالشعب الذي يُطرد من وطنه مضطر إلى خلق ما يعوض به عن غياب هويته الوطنية أو ما يعتقد أنه يجسّدها من خلال خيارات صائبة أو خاطئة، الهوية الوطنية المتخيّلة لا تكفي حقاً، لابد من أرض لتجسيد الهوية، لابد من مرجعيات وأُطر وقوانين وخلق مزاج عام وثقافة مشتركة، وقد نجحت الثورة الفلسطينية في ذلك جزئياً، ولكن الأمور لم تصل إلى مالاتها رغم النوايا الحسنة.
ولأننا شعب عربي ومسلم، فإن الهوية الوطنية لا تكتمل إلا بهذه الهوية الجامعة، بحيث لا يكون هناك تعارض أو تناقض بين الأمرين، وهو ما يعني أننا لا نجد حرجاً في التكامل والتعاون وحتى الوحدة مع الشعوب العربية الأخرى، القريبة والبعيدة، وعلى رأس ذلك كله وفي مقدمته العلاقة مع الأردن الشقيق الذي نريده قوياً وحراً وسيداً ومستقراً وآمناً، فنحن شعبان متداخلان لا يمكن لأي منا أن يسرد قصته الوطنية دون إشراك الآخر، فما كان بيننا من محطات مشتركة سيكون مثلها في المستقبل، ليس بسبب الجغرافيا فقط، وإنما بسبب الدم والنسب والقدر والمصلحة، فنحن أقوياء بالأردن الشقيق والأردن قوي بنا، لا يمكننا استبعاد هذا الشعب الحر ولا عزله أو تجاهله، فقد شارك في صنع تاريخنا، كما لا يمكنه عزل أو استبعاد الشعب الفلسطيني الذي أصبح جزءاً من الأردن الحديث، العلاقة ليست علاقة مصلحة، وإن بدت كذلك، وليست علاقة جبرية أو اضطرارية بقدر ما هي علاقة مصير واحد، فالمرجعيات واحدة والذاكرة واحدة، والأهم من كل ذلك، الضرر والتحدي والألم واحد، الهوية الوطنية الأردنية هي هوية جامعة شاملة غير إقصائية ولا انتقائية كما هي الهوية الوطنية الفلسطينية، هوية إنسانية عربية صاعدة ومتصاعدة، تتكامل بالوحدة والعمل المشترك، وما عدا ذلك مجرد زَبَد يذهب جفاء.


أقلام وأراء

الإثنين 30 مارس 2026 10:17 صباحًا - بتوقيت القدس

العلاقات الأردنية الأمريكية

 
- الحلقة الثانية

ورداً على إقرار الرئيس الأمريكي ترمب يوم 6 كانون أول ديسمبر 2017، الاعتراف بالقدس عاصمة للمستعمرة، وقراره نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، شكل الأردن رأس حربة سياسية في رفض القرار الأمريكي، وفي دعم الموقف الفلسطيني، والعمل من أجل حماية القدس من إجراءات التغيير والتهويد، ودعا إلى عقد سلسلة لقاءات عربية ودولية لمواجهة القرار الأمريكي وتبعاته.
وبدءاً من اجتماع وزراء الخارجية العرب، حيث عمل وزير خارجيتنا أيمن الصفدي على عقده، تمت الاستجابة العربية للمبادرة الأردنية، وتم عقد الاجتماع الوزاري يوم 10 كانون أول ديسمبر 2017، أي بعد أربعة أيام من قرار ترمب بشأن القدس.
وصدر بيان وزراء الخارجية العرب، رداً على قرار ترمب، ونص على ما يلي:
" عقد مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية دورة غير عادية يوم الأحد الموافق 10 ديسمبر 2017 بمقر الأمانة العامة بالقاهرة، لبحث تداعيات القرار الخطير الذي اتخذه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها.
 وأكد المجلس أن هذا القرار يُعد خرقًا خطيرًا للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ولا سيما قرارات مجلس الأمن، ويشكل اعتداء سافرًا على حقوق الشعب الفلسطيني ويقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام، ويؤجج التوتر ويدفع المنطقة نحو مزيد من العنف وعدم الاستقرار.
 وشدد المجلس على أن القدس الشرقية هي عاصمة دولة فلسطين، وأن القرار الأمريكي باطل ولاغ من الناحية القانونية، ولا يترتب عليه أي أثر.
وطالب المجلس الولايات المتحدة بالتراجع عن هذا القرار، والالتزام بقرارات الشرعية الدولية، وبالمرجعيات الأساسية لعملية السلام، وعلى رأسها مبدأ حل الدولتين.
كما دعا المجتمع الدولي إلى الاعتراف بدولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية، واتخاذ خطوات فاعلة لحماية الحقوق الفلسطينية.
 وأكد المجلس أنه سيعمل على اتخاذ خطوات سياسية وقانونية ودبلوماسية للتصدي لهذا القرار، بما في ذلك التوجه إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة" .
وواصل الأردن سياسته في رفض القرار الأمريكي، وتوجه الملك عبدالله إلى أنقرة وتم الاتفاق مع الرئيس التركي اردوغان على عقد قمة طارئة لمنظمة المؤتمر الإسلامي في اسنطبول يوم 13 كانون الأول ديسمبر 2017، أي بعد أسبوع من قرار ترمب.
وعلى أثره صدر البيان عن القمة الإسلامية جاء فيه:
" نحن قادة دول وحكومات منظمة التعاون الإسلامي، المجتمعين في إسطنبول بالجمهورية التركية يوم 13 ديسمبر / كانون الأول 2017 الموافق 25 ربيع الأول 1439هـ، في الدورة الاستثنائية السادسة لمؤتمر القمة الإسلامي، بدعوة كريمة من فخامة رئيس الجمهورية التركية، السيد رجب طيب أردوغان، لاستعراض التطورات التي نتجت عن قرار رئيس الولايات المتحدة الأمريكية تجاه اعترافه غير القانوني بمدينة القدس الشريف عاصمة لدولة إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، وآثار هذا القرار على الأمة الإسلامية بعد استعراض الوضع المثير للقلق والتوترات المتزايدة داخل أرض دولة فلسطين المحتلة وفي معظم الدول الأعضاء وغيرها، وإذ نعرب عن تقديرنا العميق لفخامة الرئيس رجب طيب أردوغان لاضطلاعه بدور ريادي في هذه المسألة التي تكتسب أهمية بالغة بالنسبة للأمة الإسلامية ولاستضافته هذه القمة، وإذ نثمن انعقاد الدورة الاستثنائية لمجلس وزراء الخارجية يوم 13 ديسمبر 2017 في إسطنبول، بدعوة من الأردن، ونشيد بالقرار الذي اعتمده المجلس، وانطلاقاً من المسؤولية الملقاة على عاتق الأمة الإسلامية بالتضامن التام مع فلسطين، نعلن ما يلي:
   نرفض وندين بأشد العبارات القرار الأحادي غير القانوني وغير المسؤول الرئيس الولايات المتحدة الأمريكية القاضي بالاعتراف بالقدس عاصمة مزعومة لإسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، ونعتبره لاغياً وباطلاً، واعتداء على الحقوق التاريخية والقانونية والطبيعية والوطنية للشعب الفلسطيني وتقويضاً متعمداً لجميع الجهود المبذولة لتحقيق السلام، ويصب في مصلحة التطرف والإرهاب ويهدد السلم والأمن الدوليين، وندعو كافة الدول الأعضاء إلى إيلاء الأولوية القصوى للقضية الفلسطينية في خطابها اليومي وفي سياستها الخارجية، ولاسيما في إطار معاملاتها مع نظيراتها في كافة أرجاء العالم" .



أقلام وأراء

الإثنين 30 مارس 2026 10:16 صباحًا - بتوقيت القدس

تراجيديا الأفول: عندما ترتطم "الترمبية" بجدار التاريخ

لم يكن التاريخ يوماً مجرد سردٍ تتابعي للأحداث، بل هو محكمة عليا تصدر أحكامها ببطء، وبحتمية لا تقبل الاستئناف. وفي سياق القراءة المعمقة للظواهر السياسية المعاصرة، نجد أنفسنا اليوم أمام مشهد درامي يتجاوز العوارض المؤقتة، ليشتبك مع "الفكر الترمبي" بوصفه نموذجاً جلياً للسقوط الحتمي للمشاريع القائمة على الزيف الممنهج وتزييف الوعي الجمعي.
إن هذا الفكر لم يمثل يوماً استجابة لضرورة تاريخية تمليها مصالح الشعوب، بل كان استثماراً انتهازياً محضاً في لحظات القلق الإنساني العابرة؛ حيث تم اختطاف هواجس المجتمعات وتطويعها لخدمة نرجسية فردية تحاول بعبثية مفرطة، وقف عجلة الزمن أو لي عنق الحقائق بقوة الضجيج، والصدام المستمر مع السنن الوجودية التي لا ترحم المتجاوزين.
وتتجلى التراجيديا الحقيقية في الترمبية عبر ذلك الانفصال السريالي عن الواقع، والذي كشفته أنماط من التناقض البنيوي والهذيان السياسي الذي وسم خطابها بوضوح؛ وهي اللحظة ذاتها التي بدأ فيها هذا الفكر بفقدان بوصلة "الممكن"، ليدخل في تيه "المستحيل" الذي يسبق الانهيار الوجودي الكبير. إن جوهر هذا الفكر يقوم في أساسه على كسر القواعد لا من أجل البناء، بل لغرض إثبات الذات فحسب، مما جعله يصطدم حتماً بصخرة النواميس التاريخية الراسخة، ويرتطم بالثوابت التي تحكم موازين القوى وصيرورة الأمم.
هذا الانفصال، واكبه ارتهان مطلق لأجندات وقوى تتجاوز الحدود والمبادئ، مما عرّى الهوة السحيقة بين شعارات السيادة الرنانة وبين الممارسات التي اختزلت الإرادة السيادية في أدوارٍ وظيفية، مسخرةً إياها لخدمة توازناتٍ نفعية صِيغت لصالح "كيانٍ اصطناعي" يفتقر لعمق التاريخ ويستقوي باللحظة العابرة. إن الترمبية، بهذا التوصيف، لم تكن يوماً تحالفاً استراتيجياً متزناً، بل كانت "ارتهاناً للموقف" في سوق المقايضات، حيث قُدّمت الثوابت كقرابين لتثبيت نفوذ هذا الغريب الطارئ على حساب الحقوق التاريخية الراسخة والاستقرار بعيد المدى؛ ما جعل من هذا الفكر عبئاً أخلاقياً وسياسياً ثقيلاً، ليس فقط على بلده، بل على النظام العالمي بأسره، الذي وجد نفسه مضطراً لمواجهة نموذج يحاول استبدال العقلانية الرصينة بنزوات الانفعال الفردي المسكونة بهواجس خدمة الآخر على حساب الذات.
بالنظر إلى الأفق الاستشرافي، نجد أن الترمبية كمنهج ستتحلل ذاتياً؛ ليس بفعل الخصوم والمنافسين فحسب، بل لأنها استنفذت صلاحيتها التاريخية وقدرتها على الخداع، لتتحول إلى "ندبة" في الوعي البشري الذي بدأ يطور مضادات فكرية صلبة ضد هذه الحالات الانفعالية والصادمة. إن التاريخ يخبرنا بوضوح أن "الظواهر الصوتية" التي تقتات على الانقسام والارتهان هي ظواهر قصيرة العمر بامتياز، لافتقارها إلى الجوهر القيمي الذي يمنح الاستدامة. إن سقوط الصنم الفكري هنا ليس احتمالاً، بل هو الحقيقة الثابتة؛ فالفكرة التي تقتات على أزمات الإنسان وتتلاعب بمصير الشعوب، هي فكرة محكوم عليها بالاندثار التاريخي مهما طال الأمد.
وسيذكر التاريخ أن محاولات تحويل العالم إلى ساحة للمصالح الشخصية الضيقة تنتهي دائماً بوقوف أصحابها وجهاً لوجه أمام الحقيقة المجردة. هناك، حيث تنطفئ نيران الصخب وتخمد أصوات الضجيج، ستبقى القوانين التاريخية الثابتة هي الحكم الوحيد والنهائي؛ مؤكدة أن الزيف مهما بلغت سطوته، يظل أوهن من بيت العنكبوت أمام حتمية الزمن وجلال التاريخ.

أقلام وأراء

الإثنين 30 مارس 2026 10:15 صباحًا - بتوقيت القدس

الحفرة

اسم السجن بالعبرية راكيفت، ويعني الصندوق، يقع في حفرة عميقة تحت سجن الرملة الاسرائيلي، هناك تحت الارض يحتجز المعتقلون الفلسطينيون، خزائن حجرية باردة وصامتة تغطيها طبقات كثيفة من الاسمنت المسلح والحديد، زنازين ضيقة خالية من النوافذ والإنارة، قبور مظلمة متراصة تمارس فيها كل أشكال الانتقام والسادية.
 ليس وصف "الحفرة" في سجن الرملة مجرد تفصيل مكاني عابر، بل هو إعلان عن محطة للاعدام كما صرح المتطرف ابن غفير،  وعنوان للفاشية الصهيونية ووحشيتها الأخلاقية التي حولت التعذيب والعنف الجنسي إلى سياسة رسمية وممنهجة دون مساءلة أو عقاب.
الحفرة في كل مكان، في معتقل سدي تيمان الدموي، في سجن شطة ومجدو، في عوفر والنقب، في غزة والضفة والقدس، يريدون أن يكون الشعب الفلسطيني مخفيا من الوجود، في المقابر أو في السجون.
 الحفرة عنوان سياسي وحربي،  تحويل الفلسطيني إلى جسدٍ محبوس في صندوق حجري تحت الأرض بلا اسم أو هوية،  حيث تُلغى السماء ويُستبعد الضوء، ويجفف الهواء، ويُختزل العالم في أربعة جدران تليها جدران أربعة من الصمت والرعب، الوطن صار عبارة عن حفر وحواجز وزنازين كثيرة، اخفاء قسري للمعتقلين، اعدامات ميدانية، هذه الزنازين التي تحدثت عنها تقارير حقوقية،  تشكل مختبرًا لدراسة كيف يمكن للاحتلال أن تعيد تشكيل الإنسان عبر تفكيكه نفسيًا وجسديًا، تحت غطاء "الاعتقال الإداري" أو "قانون الإعدام" أو "العزل الانفرادي"، أو المقاتل غير الشرعي، تجريده من إنسانيته وكرامته اذلالا وتجويعا واغتصابا وتعذيبا على مدار الساعات المقفلات، هناك حيث يسود الصمت المريع وتتعفن قيمة الإنسان.
 في الحفرة تدفن الفكرة والهوية والحقوق، لا شرعية لكل من قاوم الاحتلال، تدفن اتفاقيات جنيف الأربع وقانون حقوق الانسان، تدفن العدالة الدولية، وفي الحفرة يعاد صياغة نظام دولي جديد يستند فقط للقوة، وإضفاء شرعية اخلاقية على جرائم ضد الإنسانية.
 في الحفرة ضرب وتكسير، اكتظاظ واختناق، ديدان ورطوبة،  قيود مشددة، ومعاملة مميتة، كلاب مفترسة، تعرية واهانات وامراض، مسرح جهنمي لطحن البشر، زار الحفرة المجرم نتنياهو واطمان أن كل اسير يصعد من الحفرة يكون معلقا بحبل مشنقة، هكذا تنتصر دولة اسرائيل عندما تتحول الى دولة وباء في المنطقة.
 سجن الرملة ليس مجرد منشأة احتجاز عادية، إنه واحد من أقدم السجون التي استخدمتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتخزين الأجساد الفلسطينية، وتحويل المقاومة إلى أرقام في ملفات أمنية، في هذا السياق، تتجاوز "الحفرة" وظيفتها كزنزانة إلى أن تصبح أداة سياسية بامتياز:
١. سياسة العزل: العزل الانفرادي الذي يُمارس في هذه الزنازين هو شكل من أشكال "الموت البطيء" المتعمد، حيث يُحرم الأسير من أبسط حقوقه الإنسانية، ويُفقد صلاته بالعالم الخارجي، هذا ليس عقابًا على فعل ارتكبه الأسير بقدر ما هو استراتيجية لتفكيك إرادته قبل محاكمته أو حتى دون محاكمة.
٢.  الاعتقالات الواسعة: عندما تصبح الاعتقالات جماعية وواسعة النطاق، فإنها تفقد أي مبرر أمني آني، وتتحول إلى سياسة عقاب جماعي، الاعتقال الإداري – الذي يسمح باحتجاز الفلسطينيين دون تهمة أو محاكمة – هو تجسيد لهذه السياسة، حيث يصبح القانون مجرد غطاء لإرادة الجلاد المطلقة، وتشريع للابادة الصامتة.
٣. قانون الإعدام: إقرار ما يُعرف بـ "قانون الإعدام" للاسرى الفلسطينيين،   تعكس تحولًا في طبيعة الصراع: من صراع سياسي إلى صراع وجودي، حيث يُعتبر كل من يقاوم الاحتلال ارهابيا و خارج الإنسانية،  ويُعاد تعريفه كهدف يُستباح جسده وروحه، احكام تعسفية همجية وعنصرية صادرة عن محاكم لا تتوفر فيها معايير المحاكمة العادلة.
٤. الاغتصاب في السجون العسكرية ليس مجرد عنف جنسي فردي، بل هو استراتيجية لتدمير كرامة الاسير، وإعادة إنتاج منطق الهيمنة الاستعمارية عبر اختراق أعمق حدود الخصوصية الجسدية، واعتبار هذه الأفعال الشنيعة افعالا مقدسة، والفاعلون أبطالا قوميون حظوا بكل الدعم الرسمي والتصفيق والأوسمة.
 تقرير الأمم المتحدة الأخير 19.3.2026 الذي تحدث عن "الاغتصاب والتعذيب" في مراكز الاحتلال الإسرائيلية، واعطاء حصانة للمجرمين والدفاع عنهم، هو إدانة قانونية موثقة لواحدة من أبشع الانتهاكات التي يمكن أن ترتكبها سلطة احتلال في القرن الحادي والعشرين، وقد يكون تقرير عن العار والسياسة التدميرية الذي لطخ وجه البشرية.
 الحفرة في سجن الرملة انحدار عميق  لكل المفاهيم والمنظومات الإنسانية نحو الهاوية، العدالة نفسها صارت في صندوق، اختزال الإنسان إلى شيئ، بلا صوت وبلا تاريخ وبلا معنى.
الاسرى الذين خرجوا من تلك الحفر السجنية ونجوا من الموت، لم تخرج الحفر من نفوسهم واصواتهم وملامحهم، هناك من حفر في داخلهم رعبا وصفوه بالجحيم، حفر في عظامهم وعقولهم تنغرز الما كالسكين،  و مع كل خطوة يروا السجان أمامهم يلاحقهم في حجرات الزنازين.
 الحفرة هي إمتداد لما صنعته الامبراطوريات الاستعمارية: البريطانية والفرنسية والألمانية والبرتغالية والأمريكية في افريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية، معسكرات وأماكن احتجاز سرية، وتجريد المعتقلين من هوياتهم القانونية، الزنزانات كانت مليئة بآثار الدماء والعظام والأنسجة البشرية، واطلق عليها الأقبية المظلمة، كانت جزء من نظام القمع والإبادة الجماعية للمقاومة، وتمثل ذروة التناقض بين القيم الأوروبية المزعومة ووحشية الممارسات الاستعمارية.
 لم يتعلم المستعمرون أن من يحفر حفرة يقع فيها، القوة المستبدة لا تصنع نصرا ولا حقا، الحفرة مهما ابعدت في أعماق الارض قد تحتجز اجسادا، لكنها لن تستطيع احتجاز الوعي بالظلم، الوعي نور لا يعدم.
 يقول الشاعر سميح القاسم:
انا اؤمن بالحق الذي مجده يؤخذ قسرا واغتصابا
وأنا أؤمن اني باعث في غدي
الشمس التي صارت ترابا
فاصبري يا لطخة العار التي
خطها الامس على وجهي كتابا
وانتظري النار التي في اضلعي
تهزم الليل وتجتاح الضبابا

أقلام وأراء

الإثنين 30 مارس 2026 10:15 صباحًا - بتوقيت القدس

حرية الرأي واستقلال القرار .. من إرث التأسيس إلى تحديات الواقع

بين إرث التأسيس الوطني وتحديات الواقع السياسي الراهن، تبرز مسألتا حرية الرأي واستقلال القرار الوطني بوصفهما معياراً حقيقياً لقياس متانة نظامنا السياسي وقدرته على الصمود.
إن صون حرية الرأي والتعددية السياسية لا يُعد مسألة هامشية في إطار النظام الديمقراطي، بل يشكّل ركناً أصيلاً من أركان مشروع التحرر الوطني، إذ لا يمكن لشعب يناضل من أجل إنهاء الاحتلال وصولاً الى حريته واستقلاله أن يقبل بتقييد صوته أو مصادرة إرادته الداخلية.
فالديمقراطية ليست مجرد آلية إجرائية تُختزل في الانتخابات، بل هي تعبير عن حيوية المجتمع وقدرته على إنتاج الوعي والموقف والتفاعل السياسي والاجتماعي الذي يقود الى التطور والتقدم بفعل المشاركة السياسية الواسعة في قضايا الوطن والمجتمع، من خلال تكامل أدوار القوى السياسية والمجتمعية والأهلية والمؤسسة الرسمية دون ضرورات التوافق وتبعية الرأي، حيث للمؤسسة الرسمية التزاماتها التي لا تلزم المجتمع المدني والأفراد بها، في ظل أحترام الرأي والرأي الآخر تحت سقف تشريعاتنا الوطنية.
وقد تجسّدَ هذا الفهم بوضوح في "وثيقة إعلان الاستقلال" عام ١٩٨٨،
"أن دولة فلسطين تقوم على أساس حرية الرأي وحرية تكوين الأحزاب وصون الكرامة الإنسانية والمساواة الكاملة بين المواطنين، في ظل نظام ديمقراطي يحترم التعددية ويكفل حقوق الجميع". ومن هنا، فإن التمسك بهذه المبادئ اليوم يشكل ضرورة وطنية لتعزيز صمودنا الداخلي، وحماية وحدتنا، وتحصين جبهتنا في مواجهة الاحتلال ومشاريعه وما يجري من حرب عدوانية أمريكية إسرائيلية لمحاولة تشكيل وهندسة المنطقة بما يخدم استمرار الهيمنة الإستعمارية وتقويض أسس قضيتنا التحررية والمصالح الحقيقية لشعوبنا العربية التي تشكل لنا عمقا قوميا الى جانب قوى التحرر والتقدم بالعالم التي تنتصر لقضيتنا وفي معاداة سياسات الولايات المتحدة وجرائمها بالشراكة الإستراتيجية مع اسرأئيل.
 هذا الفهم، إلى جانب التجربة الوطنية الطويلة لحركتنا الوطنية في مناهضة الاحتلال، يفترض انه شكل قاعدة صلبة لبناء نظام سياسي يعكس طموحات الشعب الفلسطيني في الديمقراطية والحرية والاستقلال الوطني وفي ادراك دورنا ومكانتنا الى جانب قوى التحرر العالمية منذ ان حملت رايتها ثورتنا المعاصرة.
غير أن هذه القيم لم تكن منفصلة عن السياق السياسي الأوسع الذي تأسست فيه، بل ارتبطت عضوياً بمبدأ استقلالية القرار الوطني الفلسطيني، الذي شكّل أحد أهم مرتكزات الرؤية السياسية التي تبنّتها حركة "فتح" كما وقوى منظمة التحرير منذ سبعينات القرن الماضي، وسعت إلى تكريسها عبر مسيرتها، إدراكاً منها أن الحفاظ على التعددية والحرية لا يمكن أن يتحقق دون إرادة سياسية مستقلة، قادرة على اتخاذ القرار الوطني بعيداً عن الضغوط والارتهانات والأشتراطات الخارجية.
وقد شَكل هذا التلازم بين الحرية والاستقلال أحد أبرز معالم التجربة التي قادها المؤسس الراحل ياسر عرفات، الذي عمل على تحقيق توازن دقيق بين الأنفتاح على العمق العربي والدولي، وبين الحفاظ على خصوصية القرار الوطني واستقلاله، بما يضمن بقاء القضية الفلسطينية إطاراً للتحرر، لا أداة ضمن حسابات الآخرين.
إلا أن هذا التوازن تعرّض خلال السنوات الماضية لتحديات عميقة، بفعل التحولات الإقليمية والدولية، وبفعل عوامل داخلية مختلفة، في مقدمتها الأنقسام، وتراجع دور المؤسسات الجامعة لمنظمة التحرير ومكانة الفصائل والقوى، وتزايد تأثير المحددات الخارجية على القرار الوطني. وهو ما انعكس بدوره على الحالة الداخلية، حيث أصبحت بعض أشكال الإختلاف بالرأي الوطني موضع توتر وخلاف، بدلاً من أن تكون مصدر غنى وقوة للقرار المستقل المستند الى وطنية الوحدة.
إن العلاقة بين استقلال القرار وحرية الرأي والتعبير هي علاقة بنيوية جدلية لا يمكن الفصل بينها، فكلما تراجع الأول، تضررت الثانية، وكلما تعززت الحرية والتعددية في داخل البيت الوطني، شكّلت رافعة حقيقية لاستعادة القرار الوطني المستقل.
ومن هنا، فإن الدفاع عن حرية التعبير لا ينبغي أن يُنظر إليه كمطلب حقوقي فحسب، بل كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية واسعة، تستند إلى الشراكة والتعددية واحترام الإرادة الشعبية باعتبار ان الشعب هو مصدر السلطات، كما ونصوص بنود القانون الأساسي والعهد الدولي لحقوق الانسان الذي تلتزم به دولة فلسطين، وحتى بنود القانون الأساسي المؤقت لدولة. فلسطين المعروض لآليات النقاش بقرار من الاخ الرئيس أبو مازن.
إن ما نواجهه اليوم من تحديات، في ظل ما تتعرض له القضية الفلسطينية من ضغوط ومحاولات تفويض دور السلطة الوطنية كرافعة للمشروع التحرري من جهة، ولإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مشاريع الهيمنة الأمريكية الأسرائيلية التي تجري بأشكال الحروب بالمنطقة والتوسع الاستيطاني والتطهير العرقي من جهة اخرى، يستدعي منا العودة إلى جوهر مشروعنا الوطني التحرري، وإلى المبادئ التي شكلت أساس انطلاقته، وفي مقدمتها استقلالية القرار الوطني وصيانة الحريات العامة، بوصفها الضمانة الحقيقية لصون وحدتنا الداخلية وتعزيز صمودنا.
وفي هذا السياق، فإن أي إجراءات تمس بحرية الفكر والتعبير، بما في ذلك حالات الأعتقال على خلفية الرأي، تثير القلق وتستدعي مراجعة مسؤولة، حفاظاً على الثقة الوطنية بين شعبنا وقيادتنا السياسية ووحدة الصف في أطار منظمة التحرير الفلسطينية وتراث حركتنا الوطنية.
فالحفاظ على حرية الرأي، واحترام التعددية، ليست خياراً سياسياً هامشياً، بل شرطاً ضرورياً لبناء جبهة داخلية متماسكة وضرورة للأرتقاء بدور منظمة التحرير كجبهة وطنية واسعة وفاعلة ممثلاً وحيداً وشرعياً، قادرة على مواجهة التحديات والدفاع عن حقوق شعبنا واستعادة زمام المبادرة في معركة الحرية والاستقلال الوطني.

أقلام وأراء

الإثنين 30 مارس 2026 10:14 صباحًا - بتوقيت القدس

الذكرى الـ(50) ليوم الأرض… الأرض بوصفها هوية وصراعاً مفتوحاً

لم يكن يوم الثلاثين من آذار/مارس 1976 حدثاً عابراً في تاريخ الشعب الفلسطيني، بل شكّل لحظة مفصلية أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان الفلسطيني وأرضه، بوصفها جوهر الهوية وميدان الصراع.
ففي ذلك اليوم، واجه الفلسطينيون في أراضي 1948 سياسات المصادرة والتهويد بإضراب شامل وانتفاضة شعبية واسعة، سقط فيها ستة شهداء وعشرات الجرحى، لتتحول إلى علامة فارقة في مسار النضال الوطني.
جاءت انتفاضة يوم الأرض تتويجاً لتراكم طويل من السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى مصادرة الأرض وتفريغها من أصحابها، خاصة في الجليل، تحت عناوين مثل “تطوير الجليل”، والتي أخفت في جوهرها مشروعاً استيطانياً إحلالياً يسعى إلى تغيير التركيبة الديمغرافية.
وقد فجّرت قرارات مصادرة آلاف الدونمات، وإعلان مناطق عسكرية مغلقة، حالة احتقان شعبي قادت إلى وحدة وطنية نادرة داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل، تجلت في تشكيل أطر جماهيرية موحدة ومواجهة جماعية لسياسات الاحتلال.
أهمية يوم الأرض لا تكمن فقط في حدثه التاريخي، بل في دلالاته المستمرة؛ فقد أثبت أن الأرض ليست مجرد ملكية، بل عنوان للوجود، وأن الدفاع عنها هو دفاع عن الهوية والحقوق.
كما رسّخ وحدة الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، وربط نضالهم بالسياق الوطني العام.
اليوم، وفي الذكرى الخمسين ليوم الأرض، تتجدد هذه الدلالات في سياق أكثر تعقيداً وخطورة.
فسياسات المصادرة والاستيطان لم تتوقف، بل تصاعدت بوتيرة غير مسبوقة، خصوصاً في القدس والضفة الغربية، حيث يتسارع التوسع الاستيطاني، وتتعمق مشاريع الضم، في ظل محاولات حثيثة لفرض وقائع نهائية على الأرض.
أما في قطاع غزة، فقد دخل الصراع مرحلة غير مسبوقة من العنف، مع استمرار الحرب منذ السابع من أكتوبر 2023، وما رافقها من دمار شامل وخسائر بشرية هائلة، تكشف عن نزعة واضحة لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والجغرافي للقطاع، في سياق أوسع يستهدف تصفية القضية الفلسطينية أو إعادة تعريفها قسرياً.
في المقابل، تبدو العملية السياسية في حالة شلل شبه كامل، بعد أكثر من ثلاثة عقود على انطلاقها منذ مؤتمر مدريد 1991، حيث استُبدلت مفاهيم التسوية بفرض الوقائع، وتراجع الالتزام الدولي بقواعد القانون الدولي، ما أفضى إلى أزمة مركبة على المستويات الفلسطينية والإقليمية والدولية.
في هذا السياق، تعود ذكرى يوم الأرض لتطرح سؤالها المركزي: كيف يمكن تحويل هذه الرمزية التاريخية إلى فعل سياسي مستدام؟
إن الإجابة تبدأ أولاً بإعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية، باعتبارها شرطاً أساسياً لاستعادة الفعل الجماعي وتفعيل أدوات المقاومة الشعبية والسياسية، تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني.
وثانياً، بتفعيل دور الشتات العربي والفلسطيني، وتحويله إلى رافعة دعم حقيقية لصمود الفلسطينيين، سياسياً واقتصادياً وإعلامياً، بما يعيد للقضية بعدها القومي.
وثالثاً، بكسر احتكار إدارة الصراع دولياً، والدفع نحو إطار دولي متعدد الأطراف يعيد الاعتبار للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ويضع حداً لسياسات الاحتلال.
ورابعاً، بالبناء على الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، وتكريس هذا الاعتراف عبر تعزيز مؤسسات الدولة، والسعي لتوفير حماية دولية للشعب الفلسطيني.
إن يوم الأرض، بعد خمسين عاماً، لم يعد مجرد ذكرى، بل أصبح معياراً لقياس القدرة على الصمود، واستحضاراً دائماً لحقيقة أن الصراع في جوهره هو صراع على الأرض والهوية.
وما أشبه اليوم بالأمس، بل ربما أكثر قسوة وتعقيداً، الأمر الذي يجعل من استلهام دروس يوم الأرض ضرورة سياسية ووطنية، لا مجرد استذكار تاريخي.
في النهاية، يبقى الثابت أن الأرض التي دافع عنها الفلسطينيون في 1976، لا تزال اليوم في قلب المعركة، وأن إرادة البقاء المتجذرة فيها، قادرة—رغم كل التحولات—على إعادة إنتاج أدواتها، وصياغة مستقبلها.

أقلام وأراء

الإثنين 30 مارس 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس

في معاني يوم الأرض


 عصام بكر
عضو المجلس الوطني الفلسطيني

تحل الذكرى الخمسين ليوم الأرض، تلك المأثرة الخالدة التي سطرها أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل العام 1976 مؤكدين فيها ان اجراءات "الأسرلة" وفرض الأمر الواقع والترحيل التي مارستها الحركة الصهيونية منذ بداية القرن الماضي وتوجت بإعلان (الاستقلال) العام 1948 ، ما هي الا أساطير وأضغاث أحلام تراود قيادة تلك الحركة القائمة على سلب الحق والمذابح الدموية والتي بنت معتقداتها على أساس تفريغ الأرض قسرا من اصحابها الشرعيين. فأي (دولة) تلك التي بنيت بالخداع والترحيل على أنقاض شعب آخر! ثم فرض الحكم العسكري وما تلاها من مجزرة كفر قاسم العام 1956 ثم استلاب الأرض والبيوت من قبل الوكالة اليهودية ومصادرة كل شيء يمت للعرب بصلة باعتبارها املاك (غائبين)، اي أبناء الوطن وأصحابه الذين رحلوا من ديارهم بقوة الإرهاب والتقتيل الذي مارسته العصابات الصهيونية بحق القرى والبلدات ومحوها لاجبار أهلها على الرحيلأ.  
في المعاني المستقاة من يوم الأرض كما اعلن القائد الوطني التقدمي الخالد توفيق زياد عشية اعلان مصادرة اراضي الأرض ضمن مخطط تهويد الجليل ومقولته الشهيرة "الشعب قرر الإضراب" فكانت هبة اذار المجيدة وسقوط شهداء مثلث يوم الأرض سخنين عرابة دير حنا شاهدا اضافيا ان هناك شعبا اصيلا ملتصقا بأرضه بخلاف مزاعم المحتل ان الأرض فارغة ليس فيها احد، وكذلك وحدة الشعب قواه الحية المنظمة والجماهير الشعبية العريضة صاحبة الانتماء العالي التي فجرت غضبها الدافق لتعلن ان للأرض من يحميها فصنعت الفرق والحدث الذي بقي وسيبقىأ.
اليوم في خضم ما تتعرض له الأرض على امتداد الجرح والدم النازف في خاصرة الوطن ما احوجنا الى استلهام الدروس فعلا قولا وعملا لان الأرض اليوم مثلما كانت هي عنوان الصراع المفتوح مع عصابات المستوطنين امتدادا لذات المخطط الشرير لتطهيرها ومن خلفهم حكومة متطرفة تمدهم بكل الامكانات المالية والعسكرية والغطاء السياسي والايديلوجي كيف لا وهم بمثابة الذراع الضارب لها في الضفة الغربية بما فيها القدس بعد الاعتقاد ان الابادة الجماعية في غزة قد نجحت في كي الوعي وسلخ القطاع عن الضفة والقدس وتمزيق ما تبقى منها ببناء وتشيد المستوطنات عليها مثلا مساحة المنطقة المصفة “ج” تبلغ نحو 60% من الضفة الغربية ويزيد هي تقضم قطعة قطعة ما تبقى منها القليل! الاستيطان الرعوي في الاغوار ومسافر يطا ومهاجمة القرى والبلدات، استباحة عشرات القرى خلال فترة العيد في الايام القليلة الماضية اكثر من 45 قرية وبلدة وتجمعا، إحراق ممتلكات ومركبات والاعتداءات الوحشية المتواصلة وفقا لخطة الضم، لا فرق بين مناطق “ج” او أي منطقة اخرى. العنوان هو إخضاع كامل بالقوة العسكرية والتهجير مع تضاعف قرارات الهدم مصادرة الاراضي التي تصفها المؤسسات الحقوقية بانها الاوسع منذ عقود، هدفها انهاء الوجود الفلسطيني الذي اصبح مهددا فعليا باستعراض الحقائق وكشف الارقام والمعطيات على الأرض واقع الحال الذي توثقه جهات الاختصاص يشير الى مؤشرات مرعبة وخطيرة لاول مرة، منها مثلا في محافظة سلفيت يزيد عدد المستوطنين عن عدد السكان فيما عدد المستوطنات ايضا هو اكبر من عدد القرى العربية فيها ليبقى السؤال الصعب المطروح امام الجميع، ما العمل؟
وهنا تبدو الاجابة التي لا لبس فيها، ان الطريق الوحيد ضمن الخيارات المتاحة فلسطينيا هي بالعمل على برنامج وطني كفاحي وتغيير الادوات التي لم تعد تصلح بالشكل التقليدي المعتاد، حتى وسائل العمل الشعبي السابقة اصبحت بحاجة الى مراجعة جدية على ضوء تسليح المستوطنين وأوامر الجيش بإطلاق النار للقتل المباشر. وبالتالي الحلول محدودة في هذا الاطار، لذا من الأهمية استعادة العمل وأساليب جديدة عبر لجان الحماية والحراسة والعمل على تكاتف الجميع، مجالس محلية ولجانا ومؤسسات قاعدية واهالي، ودعمها بتوفير كل مقومات العمل والمبادرات المحلية وتشجيع المشاريع التي من شأنها تقوية عناصر الصمود إضافة الى تخصيص الموازنات رغم شح الإمكانيات المتاحة بسبب الحصار المالي، الى جانب العمل على المستوى السياسي من أجل استمرار السعي لدى أروقة الأمم المتحدة والهيئات الدولية من أجل تفعيل المحاسبة القانونية وحملات المقاطعة وفرض العقوبات على دولة الاحتلال وإنفاذ القانون الدولي.
العبرة الراسخة ليوم الأرض هي بالابقاء على صمود وطني وشعبي في ظل متغيرات وتحويلات في الاقليم والعالم والتمسك بالحق وحالة الوجود والبقاء في ملحمة باقية وخالدة تصونها الأجيال وتحفظها جيلا بعد جيل، تأكيدا على حقها وعمق الانتماء والوجود والدفاع المشروع عن الحقوق والهوية.

أقلام وأراء

الإثنين 30 مارس 2026 10:12 صباحًا - بتوقيت القدس

في يوم الأرض .. البلاد تفتتح النشيد

الأرضُ دماءُ موسيقى النّارِ، وينبوعُ النزيف تحتَ القصفِ والخَسف. والأرضُ، في بلادنا، منذ عقود، نشيدٌ فوق الرَّدْمِ، الذي ستتنادى حجارتُه لتصطفّ ثانيةً في جدارٍ متين، وطفلٌ يهتف بفي الآفاقِ. والأرضُ لهيبٌ من أطيارِ البَرقِ، خيامٌ تمشي نحو الصُّبْحِ، وتشربُ من نَّصْلِ السكّين، وأُمٌّ تهتف فوق الجَمْر. الأرض القاموسُ الأجمل، بكلّ مفرداته ومواسمه. ولا مِن شَعبٍ تغنّى بأرضه كما فعلنا! شهادةً واحتضانا وغرْسَا وحراسة، إذ تنام بين الجَفنين، وتغفو على نبض الوجيب، وتكوّن أحلام النائمين، وناي المغنّين، ونداء اللاجئين، وهتاف الأسرى، وأصوات المذبوحين.
وكلّ يوم في فلسطين هو يومٌ لها، تضحيةً وندوبا وسَهرا وحِبْرا وزفّات، تمتدّ من السامر، مرورا بالحِجَج، وصولا إلى ساحات الاشتباك الناعفة بالنجيع والدخان والصليات والهدير الرّاعد.
  وهذا هو شهر الأرض الفلسطينيّ الدافئ المفاجئ، المندفع الماحق الحالق، النابت الفوّار الموّار، الذي أعاد توحيد المدائن والعباد، ووضعهم على خطٍّ واحدٍ مبهجٍ ومضيء، أمام الغول.
ويأتي يومُ الأرض، الآن، تحت أقواس النيازك، وهي تدفُّ  بسحائب اللهب العلويّ، رجراجاً كأفواه الغرقى بالصراخ، أو كقلب جرفته الزغاريد.
 شهرٌ  يبدو كباقي شهورنا، منذ النكبة إلى المذبحة المكرورة، وينوء بالدم والياسمين والركام والأغاني المذبوحة، لكنه يمتدّ فينا كمِزَق الزعتر والدحنون والحنّون، ويفجّرنا مثل حبّ الزيتونِ تحت بَدّ الأيام، ويصعد فينا كورق الطيّون في الجبل!
شهرٌ لن تنساه الشواطئ والأُمّهات والبيوت، ولن يغفر لصفحاتٍ مزورّة استهانت بالتلاميذ والصنوبر، وسرقت زهر الشباب، حين كان العُرْسُ على شفة النَهر المقدّس.
شهر يبتدئ بالبراعم لتتشح النساءُ بالشقائق، وتستعيد رمالُ الساحل شهوتها الواضحة، ويتّحد حليب الوالدات بالأحزمة، ويتتوّج بشهداء اللوز، وحنّاء الميجانا، وبياض الحجارة الداكنة.
شهرٌ نسيّه العالَمُ لكنه طازج في ذاكرة نشيدنا، كالطفولة والأرض والقمح البلدي.. يضمّخ أزقتنا بعسل الصهيل، وجمر المصاطب، وحنين غابات الأرز إلى ربّة المطر .
ويتسع حُلم الميلاد لأننا منتصرون منذ أول مذبحة، وقبل غبش المغرب على عتبات دير ياسين، أو غموض الجماجم في الدوايمة، حتى استعار الخناجر في صبرا الثانية، وصولا إلى المجزرة المدوّية في غزّة، من تاريخ الدم المحروق..
فيا أيّها القتلة! نحن لا نخسر بل أنتم الخاسرون. أوَ لّمْ تروا تعلّق الحجارة في الأكفّ الصغيرة، أوَ لَمْ تدركوا، بعد، أن شرياناً واحداً خلف ليالي القضبان يتّسع لكلّ كواكب السماء ونجومها، وبحار الأرض ومحيطاتها، أوَلم تدركوا أن الرجال خلف أكوام الهَدْمِ، المتربّصين بالقتلة المرعوبين، قد أسّسوا لتقويمٍ علّم الخلائقَ كيف تنتصر لكرامتها!
ومنذ أن حطّوا ثيابهم الحديدية على أرضنا، وهم يستَنْطِقونَ حجارةَ الشّيطانِ لعلّها تقدّم لهم وثيقة أرخيولوجيا تمدّهم بشرعيّة، لن يجدوها، لأنهم لم يكونوا يوما هنا.
فكلّ ما في الأمرِ؛ أن البيضَ الوحوشِ، المسلّحين بالمسدس اللامع السريع، الملغومين بالعنصرية المقيتة، وبالأوهام التلمودية، وبالفوبيا من الأغيار..حاولوا، دون جدوى، أن  يجلوا التصاويرَ والنّقوش الصخرية، فلم يجدوا إلا راقات زمنِ أهل البلاد، الموثَّق الطاهر الظاهر! ومع هذا اخترعوا بديلا..وجعلوا للخرافة قواماً لتأخُذَ الأرضَ البريئةَ، استنادا على ديماغوجيا مُلفّقة، لتبرير رجوعهم إلى الوطنِ المُقدَّس وأرض الرّبّ! وألحفوا، عبر الإعلام والصورة والخَبَر، على تهويد المعرفة في العالَم..ومع هذا؛ خسروا المرافعة، وخرجوا من إطارٍ احتكر صورةَ الضحية عقودا ثقيلة.
سيَخرجونَ من البئرِ المظلمة، بفعل النار المطهّرة، وستبقى أرواحُهم في عتمة الرّطوبةِ الدموية اللزجة..ولن يجدوا غير التّيه سبيلاً للنجاة، فربّما استيقظت جِيناتُهم الأولى، وسيكفرون، ثانيةً، بالنبيّ، وسيعبدون العِجل، وينكرون المَنّ والسلوى..وربما لن يلقوا غير حطب بعيد، لن يُغني ولن يُسمن من جوع.
أما أصحاب التراب، الذين تخلَّقوا من طينه، فليس لهم غير أنْ يَشربُوا النّاي في ضوءِ أعراسِهم القادمة، لأنهم أهلُ الماءِ والنّارِ والريح، وهم، وحدهم، مَن أيقظ العشب في شهقات الربيع، وطرّزوا السهول بأثوابها الباذخة.
وربّما يبقى الجرْحُ على دَمِهِ، ولن يتخثّر قريباً، لكننا نأخذ نعمانه، لنرسمَ به خارطةَ الغدِ، ليتوهّج، ويدلّ السائرين، ليعودوا إلى أرضهم الأولى، غير منقوصين.  
ويسالني صديقي: ما هي أسماء الأخوة والرفاق الذين كنت معهم في الغرفه المغلقه بالقضبان الغليظه؟
انا أعرف أن لهم اسماً واحداً هو المذبحة، والآخرون يسمّونهم الشهداء مع وقف التنفيذ! أما أنا فأعتقد أن الأرض لها مائة اسم هي أسماؤهم.
وسأل: هل ستبقى البلاد، والطرقات موحشة، وخطوات الغرباء ثقيلة، والحصار على أشدّه، والزمن اثنان؛ زمننا البطيء المقيّد..وزمنهم المفتوح الحداثيّ كالمقصلة؟ نعم. الطرقات موحشة، ويسيطرون عليها بالسواطير والحرائق والرصاص والجنون! لكنّ أشجارنا وفيّة وتعرف كيف تبقى على عَرْشِها الأبديّ أمام البيوت، لتحميَ الربيع، وحتى لا يأخذه الجنود معهم إلى الموت.
قال: وثمة عويل طويل يقطّع الليل ويذبح الأوردة؟
نعم .إنه رذاذ التراجيديا المصوّحة، ودموع المظلمة الباهظة ودماء صغارها، وثمّة فتى يكتب بفرشاة الألوان على الحيطان، ما يشقّق الوحشة، ويشقّ الباب، ليدخل النور، ويبدأ النداء.
وقد يبدو أنّ درس العودة، اليوم، في الطين الموحل، والصنوبر الجاف يضخّ هواءً قديماً، وأُمّ الشهيد لا تجد رغيفا أو يدا على كتفها، لكنّها تعي جيّدا أن لحم التفاحة يغري الكسالى، الذين ينامون حتى القلق، والبندق المشعّ في عينيّ الذئبة لا يجد أرضاً ينبت عليها، وأنّ السبحة الحجرية تصطك مثل أسنان المذعور في يد الخائن، الذي لايدري كيف يخطب..أمام الناس.
لعل هذه السنة للظمأ والجحيم، الذي يخنق الكوخ ويشويه، لكنّ مياها كثيرة ستدفق في الحقول، حتى تستعيد الحياة، من جديد.
بيومِ الأرض؛ سنَتلوَ فاتحةَ الأحياء.
بيوم الأرضِ؛ تعودُ الأرضُ لتعلنَ خاتمةَ الأشياء.

أقلام وأراء

الإثنين 30 مارس 2026 10:12 صباحًا - بتوقيت القدس

خمسون عامًا على يوم الأرض… حين تتحول الذاكرة إلى مستقبل

في كل عام، يعود يوم الأرض ليطرح سؤالًا يتجاوز حدود الذكرى: هل ما زالت الأرض قضية، أم أصبحت قدرًا يوميًا نعيشه دون أن نتوقف عنده؟ في الذكرى الخمسين، لا يبدو الحدث مجرد محطة تاريخية، بل مرآة تعكس مسار شعب، وتحولات جيل، وصراعًا لم يفقد جوهره رغم تغيّر أدواته.
في الثلاثين من آذار عام 1976، لم يكن المشهد مجرد احتجاج عابر. كان إعلانًا صريحًا عن وعيٍ جماعي جديد، يرفض المصادرة، ويتمسك بالحق، ويعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وأرضه. سقط شهداء، لكن ما بقي كان أكبر من الخسارة: وُلدت معادلة جديدة، قوامها أن الأرض ليست فقط مساحة جغرافية، بل هوية لا تقبل التفاوض.
خمسون عامًا مرّت، تغيّرت خلالها خرائط السياسة، وتبدّلت موازين القوى، لكن الأرض بقيت ثابتة في مركز الحكاية. من القرى التي قاومت المصادرة، إلى المدن التي اتسعت تحت ضغط الواقع، ظل السؤال ذاته: كيف يمكن حماية الأرض في زمن تتعدد فيه أشكال السيطرة؟
اليوم، وفي ظل الظروف التي يعيشها الفلسطينيون، تتعرض الأرض لواحدة من أعقد وأقسى مراحلها. لم تعد القضية محصورة في المصادرة المباشرة، بل باتت تتجلى في سياسات متعددة الأوجه: توسع استيطاني متسارع، شق طرق التفافية، تضييق على المزارعين، واقتلاع للأشجار، خاصة أشجار الزيتون التي تمثل رمزًا متجذرًا في الوجدان الفلسطيني. هذه الممارسات لا تستهدف الأرض فقط، بل تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي، بما يفرض وقائع جديدة على الأرض.
في الضفة الغربية، تتكرر مشاهد اقتحام الأراضي الزراعية ومنع أصحابها من الوصول إليها، فيما تتزايد البؤر الاستيطانية التي تتحول تدريجيًا إلى مستوطنات قائمة. أما في القدس، فالصراع يأخذ بعدًا أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل السياسات العمرانية مع محاولات تغيير الهوية الثقافية والتاريخية للمدينة. وفي الأغوار، تتجسد معركة البقاء بشكل يومي، حيث يواجه السكان ضغوطًا مستمرة تدفعهم نحو الرحيل القسري.
هذه الوقائع تضع الأجيال الجديدة أمام مسؤولية مضاعفة. فالتحدي لم يعد فقط في الحفاظ على الذاكرة، بل في فهم طبيعة المرحلة وأدواتها. لم تعد المواجهة تقليدية، بل أصبحت مركبة، تتطلب وعيًا سياسيًا، وإدراكًا قانونيًا، وقدرة على مخاطبة العالم بلغة يفهمها.
لقد أصبحت المعرفة سلاحًا لا يقل أهمية عن أي وسيلة أخرى. فحين يُعاد سرد التاريخ، تتشكل الهوية. وحين تُفهم القضية بعمق، يصبح الدفاع عنها أكثر وعيًا وأثرًا. لذلك، فإن الاستثمار في التعليم، والتمسك بالرواية، وبناء خطاب قادر على الوصول إلى العالم، كلها عناصر أساسية في معركة الحاضر.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل التحديات. فالإحباط، والتشتت، وضغوط الحياة اليومية، كلها عوامل قد تُضعف الارتباط بالقضية. وهنا تحديدًا يظهر الفارق بين الذكرى كطقس، والذكرى كفعل. فإحياء يوم الأرض لا يكون فقط بإحياء الماضي، بل بطرح أسئلة صعبة حول الحاضر: أين نقف اليوم؟ ماذا حققنا؟ وإلى أين نتجه؟
ربما تكمن أهمية الذكرى الخمسين في أنها لحظة مراجعة بقدر ما هي لحظة احتفاء. مراجعة للخطاب، للأدوات، وللقدرة على الاستمرار. فالأرض التي دُفع ثمنها دمًا، لا يمكن أن تُترك فريسة للنسيان أو الاختزال.
خمسون عامًا على يوم الأرض، وما زالت الأرض تُنادى بأسمائها الأولى، وتبحث عمّن يحفظ معناها.
في زمن تتسارع فيه محاولات فرض الواقع، يبقى السؤال الأعمق: هل نكتفي برواية ما حدث، أم نصنع ما سيحدث؟
الأرض ليست مجرد ماضٍ نرويه… بل مستقبلٌ يُنتظر من يكتبه.

فلسطين

الإثنين 30 مارس 2026 10:11 صباحًا - بتوقيت القدس

مناقشة أطروحة دكتوراه للأسير المحرر د. عدنان الأفندي حول دور التعليم في المعتقلات في تنمية مهارات القيادة

 نوقشت أطروحة دكتوراه للأسير المحرر د.عدنان الأفندي في برنامج دكتوراه القيادة والإدارة التربوية المشترك بين جامعتي الخليل والقدس، بعنوان: "دور التعليم في المعتقلات الإسرائيلية في تنمية مهارات القيادة لدى الأسرى المحررين"، وذلك بإشراف أكاديمي متخصص وبحضور لجنة علمية.
وتناولت الدراسة دور التعليم داخل المعتقلات الإسرائيلية كأداة فاعلة في بناء الوعي وتعزيز مهارات القيادة لدى الأسرى، رغم الظروف القاسية، مسلطة الضوء على البعد الإنساني والنضالي للتجربة التعليمية في الأسر، وما تتركه من أثر في تشكيل الشخصية وصقل القدرات القيادية.
وأكد المشرف على الرسالة أن هذه الأطروحة تكتسب أهمية خاصة لما تقدمه من معالجة علمية لقضية ترتبط بالواقع الفلسطيني، وتبرز قدرة التعليم على إحداث تغيير حقيقي في حياة الأفراد حتى في أكثر البيئات تعقيداً.
وتشكلت لجنة المناقشة من: د.أشرف أبو خيران مشرفاً ورئيساً للجنة، وأ.د.محمد شاهين ممتحناً خارجياً، ود.صلاح الزرو ممتحناً داخلياً، ود.إبراهيم أبو عقيل ممتحناً داخلياً.
وفي ختام المناقشة، أشادت اللجنة بالمستوى العلمي للأطروحة وأهميتها البحثية، مهنئة الباحث د.عدنان الأفندي على هذا الإنجاز الأكاديمي، ومتمنية له مزيداً من التقدم في مسيرته العلمية وخدمة المجتمع.
كما عبّر المشرف عن فخره بهذا الإنجاز، متوجهاً بالشكر لكل من ساهم في دعم المسيرة الأكاديمية، سائلاً الله التوفيق، ومتمنياً الحرية العاجلة للأسرى والأسيرات.

أقلام وأراء

الإثنين 30 مارس 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

خمسون عاماً على يوم الأرض الخالد.. استحضار الذاكرة لمواجهة اللحظة الراهنة

قبل خمسة أعوام، استعاد الرفيق محمد بركة، الرئيس السابق للجنة المتابعة العليا، واحدة من أكثر اللحظات حسمًا في تاريخ شعبنا، حين نشر على صفحته في “فيسبوك” روايةً حيّة عن اجتماع رؤساء السلطات المحلية العربية في شفاعمرو عشية الثلاثين من آذار 1976، تحت ضغط السلطة الإسرائيلية لإلغاء الإضراب. يومها، دوّى صوت توفيق زياد معلنًا: “لا حق لكم بإلغاء الإضراب… الشعب قرر الإضراب”. لم يكن ذلك مجرد موقف عابر، بل لحظة فاصلة انتقل فيها القرار من الغرف المغلقة إلى إرادة الناس في الشارع.
ويروي بركة كيف تحوّل الانتظار خارج قاعة الاجتماع إلى فعلٍ مباشر، حين اقتحم المحتشدون المكان دفاعًا عن القرار الوطني، لتندلع المواجهات مع الشرطة، وتُكتب الصفحة الأولى من انتفاضة يوم الأرض.
وفي السياق ذاته، أشار الرفيق برهوم جرايسة إلى أن القرار التاريخي بالإضراب لم يكن عفويًا، بل جاء ثمرة تنظيم سياسي واعٍ، حين عقد الحزب الشيوعي اجتماعًا سريًا في بيت الفنان عبد عابدي في حيفا، وأُقرّ من خلاله إعلان الإضراب عبر لجنة الدفاع عن الأراضي. وكان الثمن دمًا، حين ارتقى الشهيد خير ياسين عشية الثلاثين من آذار، ليكون أول شهداء تلك الملحمة.
هكذا انفجرت انتفاضة يوم الأرض، بمبادرة الشيوعيين الفلسطينيين وبمشاركة شعبية واسعة، لتؤكد أن الفعل الوطني المنظم، حين يلتقي مع الإرادة الجماهيرية، قادر على تغيير المعادلات. وهؤلاء، امتدادًا عبر الأجيال، ما زالوا يشكّلون رافعة العمل الوطني داخل أراضي الـ48، ويسعون إلى بناء أطر سياسية جامعة، وفي مقدمتها القائمة المشتركة، لمواجهة تصاعد الجريمة في المجتمع العربي والتصدي  للعنصرية والفاشية الصهيونية المتنامية.  
إن استحضار تلك التجربة اليوم لا يأتي للتباهي بالماضي، بل لاستخلاص دروسه في الحاضر. ففي الثلاثين من آذار 1976، خرج شعبنا في الجليل والمثلث والنقب استجابةً لنداء وطني موحّد، رفضًا لمصادرة آلاف الدونمات من أراضيه. وسرعان ما تحولت تلك الهبة إلى انتفاضة شعبية شاملة، امتدت إلى مختلف أماكن وجود شعبنا، حيث تلاحمت الأيادي وتوحدت الصفوف في مواجهة مشروع الاقتلاع والتهويد
وقد دفع شعبنا ثمنًا باهظًا، حين ارتقى الشهداء: خضر خلايلة، رجا أبو ريا، خديجة شواهنة، أسعد طه، خير ياسين، ورأفت زهري، إلى جانب مئات الجرحى والمعتقلين. لكن تلك التضحيات لم تذهب سدى؛ إذ سقط مشروع المصادرة تحت أقدام الصمود الشعبي، وتكرّس يوم الأرض بوصفه محطة مفصلية أعادت الاعتبار لوحدة الشعب والأرض والهوية.
اليوم… ما الذي تغيّر؟ وما الذي ينبغي أن يتغيّر؟
نحيي الذكرى الخمسين ليوم الأرض الخالد في ظل واقع أشد قسوة وتعقيدًا: حرب إبادة مفتوحة على شعبنا، وتسارع محموم لفرض الوقائع على الأرض، وتصاعد غير مسبوق في سياسات الضم والاستيطان، وترسيخ نظام فصل عنصري، إلى جانب محاولات مستمرة للاقتلاع والتهجير، واستهداف مباشر للوجود الفلسطيني في كل أماكن تواجده، من غزة إلى الضفة، ومن الداخل إلى الشتات.
وإذا كان الماضي قد علّمنا شيئًا، فهو أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في سياسات الاحتلال، بل أيضًا في ضعف وتشتت الموقف الوطني، وعجزه عن الارتقاء إلى مستوى التحدي. فكما انتصر شعبنا في يوم الأرض بوحدة قراره وتنظيم فعله، فإن استعادة هذه الوحدة اليوم—على أساس وطني مستقل، بعيدًا عن الرهانات والارتباطات الخارجية—لم تعد خيارًا، بل شرطًا للبقاء.إن دروس يوم الأرض تقول بوضوح: إن الإرادة الشعبية، حين تُنظَّم، تصبح قوة لا يمكن كسرها. وإن الأطر الوطنية الجامعة، رغم كل نواقصها، تبقى صمام أمان في مواجهة مشاريع التفتيت. وإن حماية الأرض تبدأ بحماية الموقف الوطني من الانقسام والتآكل.
خمسون عاماً تفصلنا عن يوم الأرض… لكنها في الحقيقة مسافة بين حالين:
بين شعبٍ موحّد فرض إرادته عام 1976، وشعبٍ يواجه اليوم تحديات الوجود ذاته.
وبين قيادةٍ التحمت مع نبض الشارع، وواقعٍ يحتاج إلى إعادة بناء هذه العلاقة على أسس ديمقراطية وكفاحية.
إن إحياء يوم الأرض هذا العام يجب ألا يقتصر على الفعاليات الرمزية، بل أن يتحول إلى لحظة مراجعة وطنية شاملة، تعيد الاعتبار لوحدة الشعب—كل الشعب—وتطلق مسارًا فعليًا لاستعادة المبادرة السياسية والكفاحية.
فالأرض التي رُويت بالدم، لا تحتاج فقط إلى من يتغنى بها، بل إلى من يدافع عنها بوحدة الصف وصلابة الموقف.
خمسون عاماً… نصف قرن،
وما زال السؤال مفتوحًا:
هل نكون على مستوى دروس يوم الأرض… أم نكتفي باستعادتها؟
 * عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني

أقلام وأراء

الإثنين 30 مارس 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

التعلّم القائم على المشاريع: رؤية تربوية لتعزيز اندماج الطلاب ومراعاة تنوعهم اللغوي والثقافي

يتناول هذا المقال أهمية جعل التعلّم أكثر ارتباطًا بحياة الطلاب من خلال ربط المحتوى الأكاديمي بخبراتهم الشخصية، بوصفه مدخلًا أساسيًا لتعزيز اندماجهم في العملية التعليمية. إذ تشير الأبحاث التربوية وتجارب المعلمين إلى أن هذا النوع من الارتباط يسهم في تحقيق تعلّم أعمق و ذو معنى، كما يساعد على ترسيخ المعرفة بشكل أفضل مقارنة بالتعلّم الذي يفتقر إلى هذا البعد.
وفي هذا الصدد، يمكن فهم "الصلة" أو "الملاءمة" التعليمية من زوايا متعددة؛ فقد تكون صلة شخصية ترتبط باهتمامات الطلاب وخلفياتهم وتطلعاتهم المستقبلية، كما قد تكون صلة سياقية تنبع من واقع مجتمعاتهم والقضايا المعاصرة التي تحيط بهم. كما أن هناك بعدًا آخر يتمثل في الصلة الثقافية، حيث تنعكس الخصائص الاجتماعية والثقافية والسياسية للطلاب في أنشطة التعلّم، بما يعزز شعورهم بالانتماء ويجعل التعلم أكثر إنسانية وواقعية.
إن الفلسفة التي ينطلق منها هذا التوجه تقوم على أن التعلم لا ينبغي أن يكون مجرد عملية ذهنية مجردة، بل تجربة متكاملة تُشرك الطالب فكريًا واجتماعيًا وعاطفيًا. وبالتالي، يصبح الهدف هو بناء بيئة تعليمية حيوية تُحفّز الفضول وتدعم التفاعل.
وفي نفس السياق، يبرز التعلّم القائم على المشاريع كأحد أبرز الأساليب التي تُجسّد هذه الفلسفة؛ إذ يعتمد على طرح مشكلات واقعية بحاجة الى اجابة عليها، تدفع الطلاب إلى البحث والاستقصاء والعمل الجماعي من أجل التوصل إلى حلول مبتكرة. كما أن هذه المشكلات قد تكون مستمدة من واقع المجتمع أو المدرسة، أو حتى محاكاةسيناريوهات تعكس قضايا حقيقية.
كما أن هذا النهج يتيح للطلاب العمل ضمن الفريق الواحد، حيث يتشاركون في البحث والتخطيط وايجاد وتنفيذ الحلول، التي قد تأخذ أشكالًا متعددة مثل النماذج أو العروض التقديمية. وعلى صعيد آخر، يتميز التعلّم القائم على المشاريع بقدرته على دمج مجالات معرفية متعددة، ما يعزز التكامل بين المواد الدراسية ويمنح التعلم طابعًا تطبيقيًا.
وفي هذا الإطار، يمكن الطلاب، على سبيل المثال من معالجة قضية بيئية محلية من خلال توظيف معارف علمية، وفهم البُنى المجتمعية، وتحليل النصوص، وإعداد الميزانيات، واستخدام التكنولوجيا لعرض نتائجهم. كما أن ربط التعلّم بالمجتمع المحلي، وتنظيم الرحلات الميدانية، واستضافة متحدثين من الواقع المهني، كلها استراتيجيات تعزز من واقعية التعلم وتزيد من دافعية الطلاب.
كما أن منح الطلاب حرية اختيار طرق التعبير التي تساعدهم في التعلم، مثل إنتاج أعمال فنية أو قصص إبداعية أو بودكاست معين، يسهم في تعزيز شعورهم واندفاعهم بقوة نحو التعلم ويزيد من ارتباطهم به. وبالتالي، يصبح الطالب عنصرًا فاعلًا في بناء المعرفة، وليس مجرد متلقٍ لها.
وعلى صعيد آخر، يكتسب هذا النهج أهمية خاصة عند التعامل مع المتعلمين متعددي اللغات، الذين يواجهون تحديات تتعلق باكتساب اللغة والتكيف الثقافي. إذ يوفر التعلّم القائم على المشاريع بيئة تعليمية مرنة وشاملة تساعد هؤلاء الطلاب على التعبير عن فهمهم بطرق متنوعة، بعيدًا عن القيود التقليدية للاختبارات.
وفي هذا السياق، يتيح هذا النموذج دمج مهارات اللغة المتعارف عليها بشكل عام بمهارة (الاستماع، التحدث، القراءة، والكتابة) ضمن مواقف تعليمية واقعية، كما يشجع على التعلم التعاوني الذي يدعم التفاعل اللغوي ويعزز الثقة بالنفس. كما أن توزيع الأدوار داخل المجموعات يراعي الفروق الفردية بين الطلاب، ويمنح كل طالب فرصة للمساهمة وفق قدراته.
كما أن مرونة التقييم في هذا النهج تُمكّن الطلاب من عرض معارفهم بطرق متعددة، مثل العروض أو النماذج أو الوسائط الرقمية، مما يعطي فكرة و صورة شاملة عن مستوى تعلمهم. وفي هذا الصدد، تُعد الاستراتيجيات المساندة، مثل الوسائل البصرية وقوالب الجمل والموارد ثنائية اللغة، أدوات فعّالة تُسهم في تسهيل الفهم والحدّ من العوائق اللغوية.
وخلاصة القول، فإن التعلّم القائم على المشاريع يمثل مدخلًا تربويًا متكاملًا يجمع بين المعنى والمرونة والشمولية، بحيث يعزز ارتباط الطلاب في عملية التعلم، ويدعم تنمية مهاراتهم المختلفة، ويُقدّر تنوعهم اللغوي والثقافي. وبالتالي، فإنه يُسهم في بناء تجربة تعليمية أكثر إنصافًا وفاعلية واستدامة.

أقلام وأراء

الإثنين 30 مارس 2026 10:08 صباحًا - بتوقيت القدس

يوم الأرض.. حين نهضت الجغرافيا لتدافع عن اسمها

لم يكن الثلاثون من آذار 1976 يوماً عابراً في الذاكرة الفلسطينية، بل لحظة فاصلة استعاد فيها الإنسان الفلسطيني صلته الأولى بالأرض، بوصفها الهوية والمعنى والوجود، ولم تخرج الجماهير احتجاجاً على قرار إداري فحسب، بل دفاعاً عن جوهر الحكاية الفلسطينية، عن الحق الذي يبدأ من التراب ولا ينتهي عند حدود السياسة.
حين قررت سلطات الاحتلال مصادرة آلاف الدونمات في الجليل والمثلث والنقب لتهويد الأرض وتشويه معالمها الديموغرافية، ظنّت أن الفلسطيني قد أنهك أو جرى عزله عن قضيته الكبرى، لكن الرد جاء عميقاً كجذر الزيتون، إذ هبّت جماهير الداخل في انتفاضة شعبية موحّدة الصوت والمصير، لتؤكد أن الأرض الفلسطينية ليست مجرد ملكية قانونية، بل ذاكرة حيّة، وكرامة لا تقايض، وجذر لا يمكن اقتلاعه.
كان يوم الأرض الخالد إعلاناً صريحاً عن وحدة الشعب الفلسطيني وعمق ارتباطه بأرضه، حيث تجلّت فيه معاني الانتماء والنضال في أسمى صورها، فالفلسطيني، أينما وجد، أكد أنه شريك في الرواية الوطنية، وأن الأرض ليست مجرد ملكية أو مساحة، بل قلب نابض للهوية والتاريخ، وفي تلك اللحظات، صارت الأرض رمزاً للثبات والصمود، ومرآة لإرادة شعب يرفض الانكسار، يشدّ على جذوره ويصون حكاية وطنه، وهذا اليوم أرّخ للوعي الجماعي، وجعل من العلاقة بالأرض فعلاً مقدساً يربط الماضي بالحاضر، ويؤكد أن الدفاع عن الأرض هو دفاع عن الوجود والكرامة والحق في الحياة.
لم يكن الحدث مجرد مواجهة ميدانية، بل تأسيس وعي وطني جديد، نقل الفلسطينيين من موقع الدفاع الصامت إلى موقع الفعل السياسي والجماهيري المنظّم، وجعل يوم الأرض رمزاً سنوياً لتجديد العهد مع القضية، وتأكيد أن الصراع مع المشروع الاستعماري هو صراع على الوجود والرواية والمستقبل.
واليوم، بعد عقود، يظل يوم الأرض مرآة للواقع الفلسطيني بكل تحدياته، من الاستيطان المتسارع إلى الاعتداءات المستمرة، مؤكداً أن الشعوب التي تعرف معنى أرضها لا تهزم، وأن التمسك بالأرض فعل يومي من الوفاء للحق وحماية للرواية الوطنية.
في الثلاثين من آذار، لا نحيي ذكرى فحسب، بل نحيي الانتماء، ونجدد الوعد بأن الأرض التي رويت بدماء الشهداء ستظل تنجب فجر الحرية والأمل.


أقلام وأراء

الإثنين 30 مارس 2026 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس

التعليم عن بُعد وبناء المستقبل التعليمي الفلسطيني

في فلسطين، حيث يتشكل المجتمع تحت وطأة الاحتلال والأزمات المستمرة وما يرافقها من تحديات بنيوية تعيد تشكيل معالم الحياة اليومية، يبدأ التعليم من العلاقات التفاعلية بين عناصر عملية التعلم: الطالب، والمعلم، والمنهاج، والبيئة التعليمية، والتقنيات والوسائل، والزملاء، والمجتمع المحيط، والدعم الأسري والثقافي، والسياسات التعليمية، وغيرها من العوامل التي تشكل تفاصيل الحياة المدرسية المتكاملة ذات المعنى، لتتيح للطلبة تجربة تربوية تمثل العيش الحقيقي للوجود والانتماء إلى مجتمع متفاعل.
ومع قرار مجلس الوزراء الفلسطيني بتوجيه وزارة التربية والتعليم العالي نحو تطوير منظومة التعليم عن بُعد ودمجها بالتعليم الأساسي بشكل مستدام، يتحول هذا التحول من مجرد استجابة ظرفية إلى خيار سياساتي يعيد تعريف شكل الحضور التربوي ذاته، ويصبح التعليم عن بُعد في هذا السياق بنية قيد التشكّل، ويطرح السؤال المركزي بشكل جلي: كيف نعيد بناء العلاقة التربوية في فضاء رقمي يحافظ على معناها الإنساني، دون أن يتحول إلى امتداد تقني لواقع مأزوم؟

أولاً: الحق في التعليم: بنية متكاملة
يتشكل الحق في التعليم في فلسطين عبر مستويات متداخلة، تتجاوز مجرد وجود الخدمة لتشمل القدرة الفعلية على الوصول، وجودة التصميم التربوي، واحترام البعد الإنساني لكل من الطالب والمعلم. على النحو الآتي:
1.    الإتاحة في التعليم: تعني توفير بيئة تعليمية يمكن لجميع الأفراد الوصول إليها والمشاركة فيها دون قيود أو حواجز، بما يضمن تكافؤ الفرص في التعليم. وتشمل إزالة الحواجز الثقافية والاجتماعية، والتشريعية والقانونية، والمادية والتكنولوجية، مع ضمان استمرار تجربة التعليم بشكل متكامل، وإتاحة الموارد والخدمات لجميع المتعلمين على قدم المساواة.
2.    الوصول: يشير إلى القدرة الفعلية للمتعلمين على الاستفادة من الخدمات التعليمية المتاحة، بما يشمل الوصول المادي والتقني إلى الفضاءات التعليمية والمنصات الرقمية، والدعم اللازم لضمان المشاركة الفعلية، مع مراعاة الفروق الفردية واحتياجات الطلاب الخاصة، بما يعكس احترام حقوقهم وكرامتهم.
3.    الملاءمة: تمثل الملاءمة جودة تصميم العملية التعليمية، بحيث تتوافق المناهج والأنشطة والأساليب التعليمية مع الاحتياجات الفعلية للمتعلمين والسياق الفلسطيني، مع ضمان فاعلية التعلم، وربط المعرفة بالواقع، وتطوير المهارات بطريقة متكاملة، وفق المعايير الحقوقية والتربوية المعتمدة.
4.    القبول: يتعلق بالبعد الإنساني والتفاعلي للعملية التعليمية، ويعني أن تكون بيئة التعلم محترمة لكافة حقوق الطلاب والمعلمين، وتتيح التفاعل والمشاركة الحية، وتحافظ على كرامة جميع الأطراف، بحيث تتحول تجربة التعليم من مجرد تلقي معلومات إلى ممارسة تربوية متكاملة، تعكس قيم العدالة والشمول والاحترام المتبادل.
تصبح هذه المستويات في الفضاء الرقمي مقيدة بالبنية التحتية وكفاءة التصميم التربوي وعدالة التوزيع بين المتعلمين، ما يجعل استدامة التعليم عن بُعد مرهونة بتحقيق العدالة التربوية وضمان شمول الجميع، دون أن يقتصر التعلم على مجرد القدرة على الاتصال بالإنترنت.

ثانياً: الفاقد التعليمي… من التراكم إلى إعادة بناء المنظومة
يؤكد قرار مجلس الوزراء الفلسطيني بتوجيه وزارة التربية والتعليم العالي لتطوير منظومة التعليم عن بُعد ودمجها بالتعليم الأساسي بشكل مستدام، مع التأكيد على أن سلامة الطلبة فوق أية اعتبارات أخرى أن معالجة الفاقد التعليمي لم تعد مسألة تعويض محتوى مفقود، بل مدخلاً لإعادة النظر في بنية التعليم ذاتها. فما شهدته فلسطين منذ جائحة كورونا يتجاوز الفاقد التقليدي إلى تآكل زمني ممتد في سيرورة التعلم، أضعف الاستمرارية، وأثر في عمق الفهم، وأعاد تشكيل علاقة الطالب بالمدرسة ومجتمعها التعليمي.
هذا الواقع يكشف محدودية المقاربات التي تنشغل بسد الفجوات عبر خطط علاجية متكررة، كما يوضح أن التعلم عن بُعد، رغم ضرورته، لا يمكن أن يحمل وحده عبء المعالجة؛ إذ يبقى أداة ضمن التعليم المدمج، تسهم في الاستمرارية، دون أن تكون بديلاً عن الحضور المدرسي أو التفاعل الإنساني الذي يشكل جوهر العملية التربوية، ودون أن ينتقص من زمن وجود الطالب في المدرسة أو ارتباطه بمجتمعها.
من هنا، يتجه التحدي نحو إعادة بناء منظومة التعليم عبر الانتقال من نموذج مغلق إلى نظام مفتوح ومرن وديناميكي، قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد تماسكه أو معناه. وفي قلب هذا التحول، يتغير موقع المنهاج جذرياً؛ إذ لا يُنظر إليه بوصفه كتاباً مدرسياً جامداً، بل خطوطاً عريضة مرنة تتشكل في الممارسة التربوية، ويُعاد إنتاجها داخل الصف ومن خلال التفاعل، بما يجعل التعلم تجربة حية متجددة.
وفي هذا الإطار، يبرز المعلم بوصفه الفاعل المركزي في إعادة بناء التعلم، ومهندساً للتجربة التعليمية، يعيد تشكيل المنهاج وفق السياق، ويصمم مواقف تعلمية تُعلي من عمق الفهم بدل كثافة المحتوى، وتدمج مهارات التفكير والبحث والتعلم الذاتي، وتستجيب لاحتياجات الطلبة المتباينة. وبذلك، يصبح المنهاج ممارسة ديناميكية، ويغدو التعلم عملية مستمرة لإنتاج المعنى.
ويتكامل هذا الدور مع إعادة تعريف التقويم، حيث ينتقل من قياس التحصيل إلى فهم التعلم ذاته؛ من السؤال عمّا حفظه الطالب، إلى الكيفية التي يفكر بها، ويحلل، ويفسر، ويطبق. وهنا، تتنوع أدوات التقويم، وتتسع لتشمل الأداء والتفاعل والتعلم المستمر، مع مراعاة العدالة في بيئة رقمية غير متكافئة، بحيث يصبح التقويم أداة لحماية الحق في التعلم، لا مجرد إجراء لقياسه.
غير أن هذا التحول لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن شروطه البنيوية؛ إذ تظل قضايا التمويل الوطني، وتمكين المعلم مهنياً، وضمان حقوقه الوظيفية وصون كرامته عناصر حاسمة في نجاح أي تحول. فالمعلم، بوصفه صانعاً للمعنى، يحتاج إلى دعم يتجاوز المهارات التقنية، ليشمل كفايات التصميم التربوي، والدعم النفسي والمهني، والاعتراف بجهده ضمن أطر العمل الرسمية، وحماية وقته وحدوده المهنية.
وفي هذا كله، تبقى سلامة الطلبة أولوية حاكمة توجه تصميم التعليم في الفضاءين الواقعي والرقمي معاً، بحيث يصبح التعليم عن بُعد أداة لضمان الاستمرارية، ومساحة آمنة للتعلم، ونموذجاً مرناً في مواجهة الأزمات، دون أن يفقد التعلم طابعه الإنساني أو عمقه التربوي.
بهذا المعنى، لا يُنظر إلى الفاقد التعليمي بوصفه فجوة ينبغي سدها، بل بوصفه لحظة كاشفة تفتح المجال لإعادة تشكيل التعليم على أسس أكثر عدالة ومرونة وعمقاً. تعليم يوازن بين الحضور الواقعي والفضاء الرقمي، يحفظ للطالب حقه في تجربة تعلم متكاملة، ويعيد للمعلم مكانته بوصفه محور التحول، ويؤسس لمنظومة تعليمية قادرة على إنتاج وعي نقدي ومعنى إنساني مستدام.
إن التعامل مع الفاقد التعليمي كفرصة، وليس كخسارة، يفتح الأفق أمام إعادة بناء التعليم الفلسطيني على أسس أكثر مرونة وعدالة وعمقاً، حيث تتحول التجربة التعليمية إلى مشروع وطني يربط بين الإنسان، والمعرفة، والمجتمع، ويمهد الطريق لإطلاق نهضة تعليمية شاملة مستدامة.

ثالثاً: النهضة التعليمية: التعليم ملكية مجتمعية وهندسة جديدة للمعرفة
ينطلق هذا المسار من اعتبار التعليم ملكية مجتمعية، تتقاسمها الدولة والمجتمع والأسرة ضمن شبكة مترابطة من المسؤوليات والحقوق، حيث يصبح المجتمع شريكاً فاعلاً في تصميم التجربة التعليمية، ودعمها، وضمان عدالتها.
يُصار إلى عقد ورشة وطنية دائمة للنهوض بالتعليم تجمع مختلف الأطراف الرسمية والمجتمعية والتربوية والاقتصادية والسياسية، بوصفها إطاراً جامعاً لإعادة بناء منظومة التعليم، وتطوير المناهج، وتمكين المعلم، ومواكبة التجربة التعليمية في حركتها اليومية، بما يقود إلى منظومة مرنة وديناميكية ومتجددة، قادرة على مواجهة الأزمات، ومتصلة بعمقها التربوي وهويتها الوطنية. وفي هذا المسار، تتبلور تجربة تعليمية متكاملة تصون حقوق الطالب والمعلم، وتعيد للمدرسة دورها كمجتمع حي للتعلم، وتسهم في تنشئة جيل واعٍ وناقد ومبدع، مع ترسيخ العدالة التعليمية عبر ضمان الوصول للجميع، ودعم المعلم، وبناء بيئة تدمج بين التعلم الواقعي والرقمي، وتحافظ على البعد الإنساني، ضمن نهضة تعليمية ترتكز على أسس من أبرزها:
1.    سيادة القرار الوطني: تنطلق جهود تطوير التعليم من إرادة وإدارة فلسطينية حرة، تعكس احتياجات وأولويات المجتمع الفلسطيني في التحرير والتنمية، بعيدًا عن أي ضغوط سياسية أو تمويل مشروط يفرض أجندات خارجية.
2.    المجتمع كشريك فاعل: مشاركة في صنع القرار، تصميم المناهج، دعم المعلمين، وضمان تطبيق العدالة التعليمية على الأرض.
3.    المعلم كمحور للتحول: يمارس دوره في تحويل الخطوط العريضة للمناهج إلى تجارب تعليمية حية، تعزز الفهم، التفكير النقدي، والإبداع، مع مراعاة اختلاف قدرات واحتياجات الطلاب.
4.    منهاج ديناميكي ومرن: إطار وطني مرن ومتجدد، يتيح التكيف مع التغيرات المستمرة، ويستند إلى خصوصية الهوية الوطنية والسردية الفلسطينية.
5.    بعد إنساني جوهري: الحفاظ على التفاعل، الانتماء، والشعور بالمجتمع ضمن كل تجربة تعليمية، بحيث لا تصبح الرقمنة أداة تقنية فحسب، بل مساحة لإعادة إنتاج المعاني الإنسانية.
6.    عدالة شاملة في التعلم: ضمان حق كل طالب في التعليم، مع حماية حقوق المعلمين وصون كرامتهم المهنية، وتمكينهم من إدارة التجربة التعليمية الرقمية والمتكاملة.
7.    استلهام التجارب العالمية الناجحة: تكييف الممارسات بما يتوافق مع خصوصية المجتمع الفلسطيني، لتعزيز الإبداع والقدرة على التفكير النقدي، دون استنساخ مباشر.
8.     إعادة هندسة التقويم التربوي: أدوات متكاملة تركز على الفهم والتطبيق والتفكير النقدي، لضمان جودة التعلم واستمراريته.
ختاماً، يصبح التعليم في فلسطين مجالاً لبناء مجتمع حي للتعلم، حيث يتحول المعلم إلى مهندس للتجربة التعليمية، والطالب إلى فاعل مشارك يتأثر ويؤثر، ويسهم في تشكّل بيئته التعليمية. من هذا التفاعل تنبثق النهضة التعليمية، لتعيد بناء المجتمع من الداخل، وتخرج جيلاً واعياً، ناقداً، مبدعاً، ومسؤولاً عن مستقبله ومستقبل وطنه.