لم يكن الثلاثون من آذار 1976 يوماً عابراً في الذاكرة الفلسطينية، بل لحظة فاصلة استعاد فيها الإنسان الفلسطيني صلته الأولى بالأرض، بوصفها الهوية والمعنى والوجود، ولم تخرج الجماهير احتجاجاً على قرار إداري فحسب، بل دفاعاً عن جوهر الحكاية الفلسطينية، عن الحق الذي يبدأ من التراب ولا ينتهي عند حدود السياسة.
حين قررت سلطات الاحتلال مصادرة آلاف الدونمات في الجليل والمثلث والنقب لتهويد الأرض وتشويه معالمها الديموغرافية، ظنّت أن الفلسطيني قد أنهك أو جرى عزله عن قضيته الكبرى، لكن الرد جاء عميقاً كجذر الزيتون، إذ هبّت جماهير الداخل في انتفاضة شعبية موحّدة الصوت والمصير، لتؤكد أن الأرض الفلسطينية ليست مجرد ملكية قانونية، بل ذاكرة حيّة، وكرامة لا تقايض، وجذر لا يمكن اقتلاعه.
كان يوم الأرض الخالد إعلاناً صريحاً عن وحدة الشعب الفلسطيني وعمق ارتباطه بأرضه، حيث تجلّت فيه معاني الانتماء والنضال في أسمى صورها، فالفلسطيني، أينما وجد، أكد أنه شريك في الرواية الوطنية، وأن الأرض ليست مجرد ملكية أو مساحة، بل قلب نابض للهوية والتاريخ، وفي تلك اللحظات، صارت الأرض رمزاً للثبات والصمود، ومرآة لإرادة شعب يرفض الانكسار، يشدّ على جذوره ويصون حكاية وطنه، وهذا اليوم أرّخ للوعي الجماعي، وجعل من العلاقة بالأرض فعلاً مقدساً يربط الماضي بالحاضر، ويؤكد أن الدفاع عن الأرض هو دفاع عن الوجود والكرامة والحق في الحياة.
لم يكن الحدث مجرد مواجهة ميدانية، بل تأسيس وعي وطني جديد، نقل الفلسطينيين من موقع الدفاع الصامت إلى موقع الفعل السياسي والجماهيري المنظّم، وجعل يوم الأرض رمزاً سنوياً لتجديد العهد مع القضية، وتأكيد أن الصراع مع المشروع الاستعماري هو صراع على الوجود والرواية والمستقبل.
واليوم، بعد عقود، يظل يوم الأرض مرآة للواقع الفلسطيني بكل تحدياته، من الاستيطان المتسارع إلى الاعتداءات المستمرة، مؤكداً أن الشعوب التي تعرف معنى أرضها لا تهزم، وأن التمسك بالأرض فعل يومي من الوفاء للحق وحماية للرواية الوطنية.
في الثلاثين من آذار، لا نحيي ذكرى فحسب، بل نحيي الانتماء، ونجدد الوعد بأن الأرض التي رويت بدماء الشهداء ستظل تنجب فجر الحرية والأمل.
أقلام وأراء
الإثنين 30 مارس 2026 10:08 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
يوم الأرض.. حين نهضت الجغرافيا لتدافع عن اسمها