أقلام وأراء

الأربعاء 08 يوليو 2026 10:28 صباحًا - بتوقيت القدس

بواكير المعركة الانتخابية الفلسطينية: من يملك الشارع؟

د. إبراهيم نعيرات

بعد نحو عشرين عامًا من الانقسام وتعطّل المسار الانتخابي الفلسطيني، تعود الانتخابات العامة إلى واجهة المشهد السياسي، لا باعتبارها مجرد استحقاق قانوني مؤجل، بل باعتبارها اختبارًا حقيقيًا للنظام السياسي الفلسطيني بكل مكوناته. فالمعركة المقبلة، إذا وصلت إلى صناديق الاقتراع، لن تكون فقط حول عدد المقاعد التي تحصل عليها هذه القوة أو تلك، وإنما حول سؤال أعمق: من لا يزال يمتلك القدرة على تمثيل الفلسطينيين بعد سنوات طويلة من التحولات والانقسامات؟

فالانتخابات لا تبدأ يوم إعلان موعدها، ولا عند تسجيل القوائم، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ عندما تدرك القوى السياسية أن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن الجمهور الذي خاطبته قبل عقدين ليس بالضرورة هو الجمهور نفسه اليوم. ومن هنا يمكن قراءة الحراك الحالي بوصفه بواكير سباق انتخابي بدأ قبل انطلاق الحملات الرسمية؛ سباقًا لإعادة ترتيب المواقع، وبناء التحالفات، وقياس حجم التأييد الحقيقي في الشارع.

الفصائل الفلسطينية تتحرك اليوم في أكثر من اتجاه. فهي تعيد حساباتها، وتبحث عن مرشحيها، وتختبر قدرتها على خوض المنافسة، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن التحدي الأكبر لن يكون فقط في مواجهة الخصوم السياسيين، بل في مواجهة سؤال داخلي يتعلق بعلاقتها مع قواعدها وجمهورها بعد سنوات طويلة من الغياب عن الاستحقاقات الانتخابية.

فحركة فتح، بحكم موقعها التاريخي وتجربتها في قيادة السلطة الفلسطينية، تدخل أي انتخابات مقبلة وهي تحمل رصيدًا سياسيًا وتنظيميًا كبيرًا، لكنها تواجه في المقابل أسئلة صعبة حول الأداء، والتجديد، وقدرتها على استعادة ثقة قطاعات من جمهورها. فالمعركة بالنسبة لها لن تكون فقط مع القوى المنافسة، بل أيضًا مع التباينات داخل صفوفها، ومع أصوات ترى أن الحركة بحاجة إلى مراجعة وتجديد في خطابها وآليات عملها.

أما حركة حماس، فإنها تواجه بدورها اختبارًا معقدًا. فهي تمتلك حضورًا تنظيميًا وقاعدة مؤيدة، لكنها تدخل أي استحقاق انتخابي وسط ظروف سياسية وأمنية شديدة التعقيد، إضافة إلى ضرورة الدفاع عن تجربتها في إدارة قطاع غزة خلال السنوات الماضية. وكما هو الحال مع فتح، فإن حجم التنظيم وحده قد لا يكون كافيًا لحسم المعركة، فالناخب الفلسطيني سيقيّم أيضًا التجربة والأداء والقدرة على تقديم إجابات للمرحلة المقبلة.

لكن اختزال المشهد في صراع الفصائل وحدها سيكون قراءة ناقصة. فهناك لاعب آخر حاضر بقوة، وربما يكون الأكثر تأثيرًا في تحديد نتائج الانتخابات: الشارع الفلسطيني.

غير أن الحديث عن الشارع لا يعني أنه كتلة منفصلة عن التنظيمات السياسية. فالشارع يضم في داخله أبناء الفصائل أنفسهم؛ أعضاء وكوادر ومناصرين نشأوا داخل هذه الحركات، لكن كثيرًا منهم أصبح يحمل أسئلة وانتقادات تجاه أداء القيادات. فهؤلاء لم يفقدوا بالضرورة انتماءهم السياسي، لكنهم أصبحوا أكثر تشككًا في قدرة الأطر التقليدية على إنتاج تغيير حقيقي.

وهنا تظهر إحدى أهم نتائج سنوات الانقسام الطويلة؛ فقد اتسعت المسافة بين كثير من الفصائل وقواعدها الشعبية. فغياب الانتخابات لم يعطل فقط تداول السلطة، بل أضعف أيضًا العلاقة اليومية بين الأحزاب ومؤيديها. فالانتخابات الدورية كانت تشكل فرصة للقاء القواعد، والاستماع إلى مطالبها، وتجديد الخطاب السياسي، وتقديم حساب عن الأداء.

لكن مع غياب هذا الاستحقاق لنحو عقدين، تراجعت في بعض الحالات حيوية العلاقة بين القيادة والجمهور. فبدل أن تبقى الفصائل في حالة تواصل دائم مع قواعدها، انشغلت أجزاء منها بإدارة السلطة ومؤسسات الحكم والنفوذ السياسي، وأصبح التركيز على المواقع والمسؤوليات أكبر من التركيز على إعادة بناء التنظيم والاستماع إلى المجتمع.

وهذا التحول ترك أثره على صورة بعض القوى في الشارع. فالفصيل الذي كان يعتمد تاريخيًا على رصيد نضالي أو قاعدة تنظيمية واسعة قد يكتشف عند لحظة الاختبار الانتخابي أن جزءًا من جمهوره لم يعد حاضرًا بالطريقة نفسها. ليس بالضرورة لأنه انتقل إلى معسكر سياسي آخر، بل لأن الزمن تغير، والأولويات تغيرت، وأجيالًا جديدة نشأت دون علاقة مباشرة بالهياكل التنظيمية القديمة.

وهنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: ما الوزن الحقيقي للفصائل الفلسطينية اليوم؟

هل يعكس حجم التنظيمات على الأرض حجم التأييد الشعبي؟ أم أن هناك فجوة متزايدة بين القوة التنظيمية والقوة الانتخابية؟ فالفصيل قد يمتلك شبكة واسعة من الأعضاء والأنصار، لكنه قد يواجه ناخبًا يريد تقييم الأداء لا استعادة الذاكرة فقط.

فالانتماء التنظيمي لم يعد بالضرورة يعني تصويتًا مضمونًا، والولاء التاريخي لم يعد كافيًا لضمان التأييد. فالناخب الفلسطيني اليوم ينظر إلى قضايا تتجاوز الهوية الحزبية؛ ينظر إلى مستوى الخدمات، والوضع الاقتصادي، والحريات، وإدارة الانقسام، ومدى قدرة القوى السياسية على تقديم حلول واقعية.

ومن هنا فإن الانتخابات المقبلة، إذا جرت، قد تكون أول اختبار حقيقي يكشف الفرق بين ما تعتقده الفصائل عن حجمها، وبين حجمها الفعلي في الشارع. فقد تدخل بعض القوى المعركة وهي تراهن على تاريخها وتنظيمها، لكنها تجد نفسها أمام مجتمع تغير خلال عشرين عامًا، وأمام جمهور يريد أن يرى أفعالًا لا شعارات.

ويبقى السؤال الأوسع الذي ستطرحه هذه الانتخابات: هل ستكون نتائجها مدخلًا لإعادة زمام المبادرة إلى الشارع الفلسطيني، أم أنها ستعيد إنتاج المشهد السياسي التقليدي بأدوات جديدة؟

فخلال السنوات الطويلة الماضية، نشأ في أوساط واسعة من الفلسطينيين شعور بأن الفعل الشعبي يمتلك هامشًا من القوة والتأثير قد لا يتوفر بالقدر نفسه داخل الأطر الرسمية، خصوصًا في ظل القيود التي تحكم عمل السلطة الفلسطينية نتيجة ارتباطها باتفاقات وترتيبات سياسية وأمنية مع إسرائيل. ويرى كثيرون أن هذه القيود حدّت من قدرة القيادة الرسمية على التحرك بحرية، بينما يبقى الشارع، بما يمتلكه من طاقة جماهيرية وقدرة على التعبير والحركة، عنصرًا يصعب تجاهله أو احتواؤه بالكامل.

ومن هنا، فإن الانتخابات المقبلة لا يُنظر إليها فقط باعتبارها وسيلة لاختيار ممثلين ومؤسسات، بل باعتبارها اختبارًا لمسألة أكبر: هل تستطيع المؤسسات السياسية استعادة ثقة المجتمع واحتواء تطلعاته، أم أن الفجوة بين القيادة والشارع ستدفع باتجاه صعود دور شعبي أكثر استقلالية عن الأطر القائمة؟

فالمزاج الشعبي الذي تشكل خلال السنوات الماضية لا يبحث فقط عن تغيير في الأسماء، بل عن استعادة الشعور بأن صوته قادر على التأثير، وأن المؤسسات السياسية تعبر عن إرادته لا عن ترتيبات منفصلة عنه. ولذلك قد تكون الانتخابات لحظة فاصلة؛ إما أن تعيد بناء الجسر بين المجتمع وقياداته، أو تكشف بصورة أوضح حجم المسافة التي نشأت بين الطرفين.

وفي هذا السياق، فإن انخفاض نسبة الحسم وفتح المجال أمام قوائم وشخصيات مستقلة قد يمنح فرصة لقوى جديدة، ولشخصيات اجتماعية وشبابية ترى أن النظام السياسي بحاجة إلى تجديد. وقد تصبح هذه القوى عاملًا مؤثرًا إذا استطاعت تحويل حالة التذمر الشعبي إلى حضور سياسي منظم.

لكن الطريق إلى الانتخابات لا يزال محفوفًا بتحديات كبيرة؛ فالانقسام الفلسطيني، وملف القدس، والظروف السياسية والأمنية، وتجربة تأجيل انتخابات عام 2021، كلها عوامل تجعل الوصول إلى يوم الاقتراع أمرًا غير مضمون. كما أن نجاح الانتخابات لا يقاس فقط بإجرائها، بل بقدرتها على إنتاج شرعية تحظى بقبول واسع.

في النهاية، فإن الانتخابات الفلسطينية المقبلة لن تكون مجرد منافسة بين قوائم ومرشحين، بل ستكون اختبارًا لعلاقة الفصائل بمجتمعها. فهي ستكشف ما إذا كانت القوى السياسية قادرة على استعادة ثقة جمهورها، وما إذا كانت لا تزال تمثل المجتمع كما كانت في السابق، أم أن هناك واقعًا جديدًا تشكل بعيدًا عن الأطر التقليدية.

فالسباق الحقيقي لا يبدأ بين الفصائل فقط، بل داخل كل فصيل أيضًا؛ بين القيادة والقاعدة، وبين التنظيم والشارع، وبين الصورة التي تحملها القوى السياسية عن نفسها والصورة التي يحملها المواطن عنها.

ولهذا فإن أهمية الانتخابات المقبلة لا تكمن فقط في معرفة من سيفوز بالمقاعد، بل في معرفة من بقي حاضرًا في وجدان الناس بعد عقدين من الانقسام والانتظار.


دلالات

شارك برأيك

بواكير المعركة الانتخابية الفلسطينية: من يملك الشارع؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.