أعلنت الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام تعليق العمل بالمرسوم رقم 3214، الذي كان يهدف إلى فرض رسوم ضريبية جديدة على مئات السلع المستوردة والمصنعة محلياً. وجاء هذا القرار بعد ضغوط مكثفة مارستها الهيئات الاقتصادية وقطاعات المستوردين، الذين اعتبروا الخطوة محاولة للتسلل إلى جيوب المواطنين تحت ذريعة حماية البيئة.
وتضمن المرسوم المثير للجدل زيادة في الرسوم تتراوح بين واحد وثلاثة في المئة على قائمة طويلة من المواد الأساسية، بما في ذلك الألبان والأجبان والخضروات والزيوت والحبوب. وحذرت مصادر اقتصادية من أن هذه الضرائب كانت ستؤدي إلى 'فقاعة تضخم' جديدة تضاف إلى الأعباء التي خلفتها الحرب والانهيارات المالية المتتالية.
وأوضح وزير الإعلام بول مرقص أن تعليق المرسوم جاء استجابة لطلب الهيئات الاقتصادية، ولإتاحة الفرصة لمزيد من التشاور والتنسيق. ويهدف هذا التراجع المؤقت إلى تجنب الصدام مع الشارع والقطاعات الإنتاجية التي تعاني أصلاً من تداعيات الحرب المدمرة التي طالت أجزاء واسعة من البلاد في عام 2026.
من جانبه، أشار الدكتور جورج براكس، نقيب أصحاب المحطات، إلى أن المرسوم تضمن رسماً إضافياً على الوقود بنسبة 2%، وهو ما يعادل زيادة كبيرة على صفيحتي البنزين والمازوت. وأكد براكس أن هذه الزيادات تسببت بالفعل في تراجع استهلاك المحروقات بنسبة 30% مقارنة بالعام الماضي، حيث انخفض الاستهلاك اليومي من 8 ملايين إلى 6 ملايين ليتر.
ويرى خبراء اقتصاديون أن الحكومة تسعى لتأمين إيرادات سريعة للخزينة لتغطية العجز المتفاقم ونفقات الاستشفاء للنازحين. وأوضح الخبير بلال علامة أن الصيغة المقترحة كانت ستؤدي لرفع الأسعار بنسبة لا تقل عن 10%، مما يشجع على عمليات التهريب والتهرب الضريبي في ظل الانكماش الاقتصادي الحالي.
وشكك علامة في الأهداف البيئية للمرسوم، معتبراً أن الغاية الحقيقية هي تأمين اعتمادات للرواتب والمساعدات الاجتماعية في ظل غياب استراتيجية وطنية واضحة لمعالجة النفايات. وأضاف أن الدولة لم تقدم أي خطة فعلية للفرز أو المعالجة، بينما تقع هذه الأعباء على عاتق البلديات والشركات الخاصة.
وفي سياق متصل، يعيش موظفو القطاع العام حالة من الترقب والقلق من أن تطيح الضرائب الجديدة بما تبقى من قدرتهم الشرائية. وصرح وليد جعجع، نائب رئيس رابطة موظفي الإدارة العامة، بأن تصرفات الحكومة غير مفهومة، خاصة مع 'دولرة' الضرائب ومضاعفتها عشرات المرات بينما بقيت الأجور في مستويات متدنية.
الزيادات الضريبية غير المدروسة تؤدي إلى ركود اقتصادي وتضرب القدرة الاستهلاكية للمواطن الذي يبحث عن تأمين لقمة عيشه.
أما قطاع التعليم، فقد لوح بالعودة إلى الشارع، حيث أكد جمال عمر، رئيس رابطة الأساتذة في التعليم الثانوي أن التحرك بات ضرورياً بعد توقف الحرب نسبياً. وأشار إلى أن الغلاء الفاحش في الأسعار جعل من المطالبة بالحقوق والزيادات الموعودة أمراً لا مفر منه بجميع الوسائل المشروعة.
ولم يكن المتقاعدون العسكريون بعيدين عن المشهد، إذ كشف العميد المتقاعد جورج نادر عن وجود 'ربط نزاع' مع الحكومة بانتظار جلسات مجلس النواب المقبلة. وأوضح نادر أن المتقاعدين يطالبون بإدراج بند الأجور كأولوية، محذراً من تكرار تجربة ضريبة البنزين التي ذهبت عائداتها لملفات أخرى دون إنصاف الموظفين.
وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن لبنان سجل نمواً سلبياً بنسبة 10% نتيجة الدمار الواسع وتوقف الموسم السياحي الصيفي. وأدت هذه الظروف إلى إغلاق العديد من المؤسسات الموسمية وتراجع الحوالات المالية، مما زاد من الضغوط على الاحتياطات النقدية المتبقية لدى المصرف المركزي.
وتواجه الحكومة تحدياً كبيراً في موازنة حاجاتها المالية مع القدرة المحدودة للمواطنين على التحمل، خاصة مع وجود 1.4 مليون نازح يحتاجون لرعاية عاجلة. ويرى مراقبون أن اللجوء للضرائب المباشرة يعكس استسهالاً في مد اليد إلى جيوب الفقراء بدلاً من معالجة ملفات كبرى مثل الأملاك البحرية المنهوبة.
إن التراجع عن المرسوم 3214 يمثل هدنة مؤقتة بين السلطة والهيئات الاقتصادية، لكنه لا ينهي المواجهة المؤجلة حول كيفية تمويل الدولة. فالمواطن اللبناني بات يخشى من أي حزمة ضرائبية جديدة قد تباغته تحت مسميات مختلفة، في وقت تنعدم فيه الخدمات الأساسية التي تقدمها الدولة.
ويشدد أصحاب المؤسسات على ضرورة تحفيز الاستهلاك بدلاً من عرقلته بالضرائب، مؤكدين أن الأسعار المنخفضة هي التي تعزز الأرباح وتدفع عجلة التعافي. وحذروا من أن الاستمرار في سياسة الجباية العشوائية سيؤدي إلى انهيار ما تبقى من الطبقة الوسطى وتوسيع دائرة الفقر في البلاد.
ختاماً، يبقى ملف الأجور والضرائب في لبنان قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة إذا لم يتم التوصل إلى خطة تعافٍ مالي شاملة وعادلة. وتنتظر الأوساط الشعبية والنقابية الخطوات المقبلة للحكومة، وسط دعوات لتعزيز الشفافية في أوجه الإنفاق وتحديد مستويات العجز الحقيقية الناجمة عن الأزمات المتلاحقة.





شارك برأيك
تراجع حكومي في لبنان عن ضرائب 'الرسوم البيئية' بعد ضغوط اقتصادية