عربي ودولي

الإثنين 06 يوليو 2026 4:55 مساءً - بتوقيت القدس

جسد المرأة في مواجهة الخطاب الشعبي: التحرش في مصر بين 'الواجب الوطني' والوصاية الدينية

تعيش المرأة المصرية في الآونة الأخيرة حالة من التناقض الصارخ بين الأرقام الرسمية التي تتحدث عن تمكينها في المناصب القيادية، وبين الواقع المرير الذي تواجهه في الشوارع ووسائل المواصلات العامة. فرغم وجود الوزيرات والنائبات، إلا أن الخطاب الديني الشعبوي لا يزال يفرض وصاية خانقة على جسد المرأة، محولاً إياه إلى ساحة صراع فكري واجتماعي.

أعادت واقعة 'فتاة الأتوبيس' الأخيرة تسليط الضوء على هذه الأزمة، بعدما وثقت شابة مصرية تعرضها للتحرش أمام ركاب لم يحركوا ساكناً للدفاع عنها. بل إن المشهد كشف عن نمط صادم من اللامبالاة، حيث اكتفى البعض بالابتسام أو محاولة تهدئة المتحرش بدلاً من زجره، مما يعكس خللاً عميقاً في المنظومة الأخلاقية المجتمعية.

ولم يتوقف الأمر عند الصمت، بل تعداه إلى لوم الضحية وتوبيخها من قبل بعض الركاب بسبب ملابسها، حيث اعتبر البعض أن صراخها دفاعاً عن حقها 'تطاولاً'. هذا الربط المزمن بين مظهر الأنثى وحقها في الأمان يغذي ظاهرة التحرش ويمنح الجناة غطاءً أخلاقياً زائفاً يبرر جرائمهم تحت مسميات دينية.

المتحرش نفسه، في محاولة للدفاع عن نفسه، لجأ إلى استخدام الرموز الدينية في مقطع فيديو لاحق، حيث ظهر وخلفه سجادة صلاة مخاطباً الجمهور بعبارة 'إخوتي في الله'. هذا التوظيف للتدين الشكلي يهدف إلى استمالة العاطفة الشعبية وتصوير الضحية على أنها هي المخطئة لعدم التزامها بـ 'الكود' السائد للملابس.

ويرى مراقبون أن هذا السلوك ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج عقود من الخطاب الذي يروج لدونية الأنثى ويربط احترامها بمدى احتشامها وفق معايير متشددة. هذا الخطاب الذي بدأ ينمو منذ أواخر السبعينيات، بات اليوم يستخدم منصات التواصل الاجتماعي لإعادة إنتاج مفاهيم رجعية تضع المرأة دائماً في موضع المتهم.

الباحث في الشريعة الإسلامية ياسر محمود سلمي أكد أن التحرش يتجاوز الفعل الجسدي ليشمل النظرات والملاحقة والتلميحات الجنسية. وأوضح أن حصر التحرش في اللمس فقط هو تقزيم للجريمة، مشدداً على ضرورة تغيير النظرة المجتمعية التي تتسامح مع هذه الانتهاكات اليومية التي تتعرض لها ملايين النساء.

وفي سياق متصل، تبرز حملات إلكترونية مخيفة مثل 'كلوها بنظراتكم'، والتي تحرض الرجال على إمعان النظر في أجساد النساء غير المحجبات كنوع من التأديب. هذه الدعوات تعكس رغبة جامحة في إقصاء المرأة من الفضاء العام أو إجبارها على الانصياع لنمط معين من العيش تحت تهديد الانتهاك البصري واللفظي.

التاريخ القريب يسجل تصريحات صادمة لشخصيات عامة، مثل المحامي الذي اعتبر التحرش بمرتديات الملابس الممزقة 'واجباً وطنياً'. مثل هذه الفتاوى والآراء الشاذة تجد صدى لدى قطاعات واسعة، وتتحول في عقول البعض إلى تعليمات مقدسة تبيح الاعتداء على الحريات الشخصية والكرامة الإنسانية.

واقعة 'فتاة المترو' التي حدثت قبل أشهر ليست بعيدة عن هذا المشهد، حيث تعرضت شابة للهجوم لمجرد وضعها ساقاً على ساق في عربة المترو. هذا التدخل السافر في خصوصيات النساء يعكس حالة من 'الهوس' بمراقبة سلوك المرأة، وتعيين أفراد المجتمع لأنفسهم كحراس للفضيلة على حساب القانون.

الباحث سامح عسكر حذر من خطورة هذا 'الانقلاب الثقافي'، مطالباً بمحاسبة المحرضين من الشيوخ الذين حولوا الدين إلى مبرر لانتهاك المحرمات. وأشار إلى أن المتحرشين غالباً ما يتسلحون بمبررات سلفية تبيح لهم الاعتداء على من لا تلتزم بالزي المنصوص عليه في عرفهم المتشدد.

ورغم قتامة المشهد، تبرز أصوات 'الناجين من الصحوة' كبارقة أمل، وهم المثقفون والكتاب الذين يرفضون هذا التدين الشعبي الزائف. هؤلاء يحاولون جاهدين كشف 'السموم' التي يدسها بعض الدعاة الشباب في عسل الخطاب الديني الجذاب، محذرين من تغلغل هذه الأفكار في أوساط الطبقات المختلفة.

إن تحليل ظاهرة التحرش لم يعد يقتصر على العوامل الاقتصادية أو تأخر سن الزواج كما كان يشاع سابقاً، بل أصبح مرتبطاً بوضوح بخلل في الوعي الديني والاجتماعي. فالجاني في كثير من الأحيان يكون متزوجاً ويدعي التدين، مما ينفي حجة 'الحرمان' ويؤكد أنها قضية سلطة ووصاية.

تظل الصور المتداولة لنساء محجبات يتعرضن للتحرش بالنظر في وسائل المواصلات دليلاً دامغاً على كذب ادعاءات ربط التحرش بالملابس. فالأزمة تكمن في 'العين' التي ترى المرأة كشيء مستباح، وفي المجتمع الذي يختار الصمت أو الابتسام بدلاً من المواجهة القانونية والأخلاقية الصارمة.

ختاماً، فإن معركة المرأة المصرية اليوم ليست فقط مع المتحرش في الشارع، بل مع منظومة فكرية كاملة تحاول شرعنة العنف ضدها. إن تجفيف مستنقعات التحريض يتطلب إرادة سياسية وثقافية تعيد الاعتبار لسيادة القانون وتحمي حق كل مواطنة في السير بأمان دون خوف من نظرة أو كلمة أو اعتداء.

دلالات

شارك برأيك

جسد المرأة في مواجهة الخطاب الشعبي: التحرش في مصر بين 'الواجب الوطني' والوصاية الدينية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.