عربي ودولي

الإثنين 06 يوليو 2026 4:50 مساءً - بتوقيت القدس

من الشوارع إلى الشاشات الرقمية.. كيف أعادت إيران صياغة رقابتها على الحجاب؟

شهدت شوارع العاصمة الإيرانية طهران، ولا سيما شارع 'ولي عصر' الحيوي، تحولاً لافتاً في المشهد اليومي تمثل في غياب دوريات 'شرطة الأخلاق' التي كانت تثير الذعر لسنوات طويلة. هذا الاختفاء لا يعني بالضرورة إلغاء القوانين الملزمة، بل يشير إلى تغيير جوهري في استراتيجية السلطة للتعامل مع ملف الحجاب الذي بات يؤرق المؤسسة الحاكمة.

تتحدث شهادات من داخل إيران عن هامش حرية أوسع باتت تتمتع به النساء في اختيار ملابسهن، حيث أصبح من المألوف رؤية نساء يتجولن بملابس عصرية دون غطاء للرأس. هذا الواقع الجديد فرضته تداعيات الاحتجاجات الواسعة التي أعقبت وفاة الشابة مهسا أميني في سبتمبر 2022، والتي غيرت قواعد الاشتباك بين المجتمع والدولة.

يرى مراقبون أن النظام الإيراني لم يتراجع عن أيديولوجيته، بل اضطر لإعادة تموضع تكتيكي لتجنب الصدامات المباشرة التي قد تشعل الشارع مجدداً. فالدولة التي كانت تعتمد على سيارات 'الإرشاد' الخضراء، باتت اليوم تفضل الرقابة الصامتة التي لا تترك أثراً فورياً يثير حفيظة المارة أو يوثق بعدسات الهواتف.

انتقلت المعركة من المواجهة البدنية في الميادين إلى الفضاء الرقمي، حيث كثفت السلطات من استخدام كاميرات المراقبة المزودة بتقنيات التعرف على الوجوه. هذه المنظومة تتيح للأجهزة الأمنية رصد النساء غير الملتزمات بالحجاب في المترو والمجمعات التجارية، وإرسال تحذيرات عبر الرسائل النصية دون الحاجة للاحتكاك الميداني.

لم تكتفِ السلطات بالرقابة التكنولوجية، بل عمدت إلى إشراك المجتمع والقطاع الخاص في عملية التنفيذ عبر ضغوط اقتصادية ممنهجة. فقد بات أصحاب المقاهي والمطاعم والمراكز التجارية مهددين بالإغلاق أو الغرامات الباهظة في حال تقديمهم خدمات لنساء لا يلتزمن بالمعايير الرسمية للحجاب.

هذا التحول يهدف إلى توزيع كلفة تطبيق القانون على المواطنين أنفسهم، مما يقلل من احتمالات اندلاع مواجهات مباشرة مع الشرطة. وبذلك، تحول صاحب العمل أو مدير الفندق إلى 'رقيب' غير رسمي يخشى العقوبات الإدارية، وهو ما يصفه باحثون بأنه انتقال من القمع المباشر إلى الإدارة البيروقراطية للسلوك.

تؤكد الباحثة الإيرانية منصورة شجاعي أن الحكومة اضطرت للقبول ببعض مطالب النساء تحت وطأة الضغط الشعبي الهائل. وترى أن ظهور نساء غير محجبات في بعض البرامج على التلفزيون الرسمي يعكس محاولة لاحتواء الغضب، شريطة ألا يتحول هذا السلوك إلى تحدٍ سياسي مباشر للنظام.

تلعب الظروف الاقتصادية المتدهورة دوراً حاسماً في صياغة هذا المشهد، حيث تعاني إيران من تضخم مرتفع وتراجع حاد في قيمة العملة الوطنية. وفي ظل تصاعد الاحتجاجات المطلبية من العمال والمعلمين، تدرك دوائر صنع القرار أن فتح جبهة اجتماعية حول الحجاب قد يكون انتحاراً سياسياً في هذا التوقيت.

أضافت التوترات الإقليمية والمواجهة العسكرية مع أطراف دولية طبقة جديدة من التعقيد أمام المؤسسة الأمنية الإيرانية. فمع رفع مستوى التأهب العسكري، أصبح الحفاظ على الاستقرار الداخلي أولوية قصوى، مما دفع السلطات لتجنب أي احتكاك قد يتحول إلى شرارة لانتفاضة جديدة.

تشير مشاريع القوانين الجديدة المتعلقة بـ 'العفاف والحجاب' إلى توجه نحو العقوبات المالية والحرمان من الخدمات العامة بدلاً من السجن. هذا التغيير التشريعي يعكس رغبة في إخضاع المجتمع عبر أدوات 'ناعمة' ولكنها مؤثرة على المدى الطويل، من خلال تجميد الامتيازات الإدارية للمخالفات.

على الرغم من هذه الأدوات الرقابية المتطورة، يواصل المجتمع الإيراني فرض واقع جديد في الشوارع والميادين العامة. فالمقاومة المدنية التي بدأت بحركات فردية تحولت إلى ظاهرة اجتماعية واسعة، حيث تتعامل أعداد متزايدة من النساء مع خلع الحجاب كحق شخصي لا رجعة عنه.

توضح مصادر مطلعة أن الفجوة بين الدولة والمجتمع اتسعت لدرجة يصعب معها العودة إلى نموذج ما قبل عام 2022. فالجيل الشاب الذي رفع شعار 'المرأة، الحياة، الحرية' تجاوز المطالبة بحرية اللباس إلى المطالبة بتغيير جذري في علاقة السلطة بالمواطن.

يبقى السؤال قائماً حول قدرة النظام على استعادة السيطرة الكاملة باستخدام التكنولوجيا والضغوط الاقتصادية في ظل هذا الإصرار الشعبي. فالواقع اليومي في مدن مثل أصفهان وتبريز وشيراز يشي بأن المجتمع قد فرض بالفعل قواعد جديدة للعبة، بعيداً عن نصوص القوانين الجامدة.

في الختام، يمثل اختفاء شرطة الأخلاق تحولاً في الوسيلة لا في الغاية، حيث يسعى النظام للحفاظ على ركائزه الأيديولوجية بأقل كلفة ممكنة. ومع ذلك، فإن المشهد في شوارع طهران يظل الشاهد الأقوى على أن إرادة التغيير الاجتماعي قد تجاوزت قدرة الأدوات الرقابية، مهما بلغت درجة تعقيدها التكنولوجي.

دلالات

شارك برأيك

من الشوارع إلى الشاشات الرقمية.. كيف أعادت إيران صياغة رقابتها على الحجاب؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.