عربي ودولي

الإثنين 06 يوليو 2026 4:48 مساءً - بتوقيت القدس

مستقبل حركة النهضة في مهب الريح: أحكام المؤبد تفتح صراع الخلافة وتعمق العزلة

تواجه حركة النهضة التونسية، الذراع السياسية لجماعة الإخوان في البلاد، مأزقاً وجودياً هو الأصعب منذ تأسيسها، وذلك عقب صدور أحكام قضائية مشددة بحق قيادات الصف الأول. وقد توجت هذه الأحكام بالسجن مدى الحياة ضد رئيس الحركة راشد الغنوشي، مضافاً إليها 30 عاماً في قضية تتعلق بإنشاء جهاز أمن موازٍ، مما أثار تساؤلات عميقة حول هوية من سيدير التنظيم في المرحلة المقبلة.

تعيش الحركة حالة من التخبط التنظيمي بعد أن طالت الاعتقالات عدداً كبيراً من الرموز التاريخية، بمن في ذلك نواب الغنوشي ورؤساء حكومات سابقين مثل علي العريض ونور الدين البحيري. هذه الملاحقات القضائية لم تقتصر على القيادات السياسية فحسب، بل شملت أيضاً المسؤولين عن تسيير الشؤون اليومية للحزب، مما أدى إلى شلل شبه كامل في مؤسساته القيادية.

منذ تفعيل الرئيس التونسي قيس سعيد للمادة 80 من الدستور في عام 2021، والتي أدت إلى تجميد البرلمان وإقالة الحكومة التي كانت تهيمن عليها النهضة، دخلت الحركة في نفق مظلم من تراجع الشعبية. وباتت اليوم تواجه عزلة داخلية خانقة، حيث ترفض معظم القوى السياسية المعارضة التنسيق أو التحالف معها، محملة إياها مسؤولية الإخفاقات السياسية والاقتصادية خلال العقد الماضي.

أفادت مصادر مطلعة بأن التحدي الأكبر الذي يواجه النهضة حالياً هو محاولة فرض نمط جديد من القيادة يعتمد على الدائرة الضيقة لعائلة الغنوشي. وتتزايد المؤشرات حول مساعٍ لتوريث سلطة القرار داخل الحزب لابنه معاذ الغنوشي وصهره، وهو ما يثير موجة استياء عارمة بين الكوادر التاريخية التي لا تزال خارج السجون.

يرى مراقبون أن لجوء الغنوشي لخيار التوريث قد يكون المسمار الأخير في نعش وحدة الحركة، إذ يكرس انقسامات غير مسبوقة بين جيل المؤسسين والجيل الجديد. هذا التوجه يعكس رغبة في الحفاظ على نفوذ العائلة داخل التنظيم، حتى في ظل غياب الغنوشي خلف القضبان، مما يهدد بانسحابات جماعية للقيادات الوسطى.

على الرغم من هذه الأزمات، لا تزال الحركة تحاول إظهار تماسكها من خلال إصدار بيانات دورية وإحياء مناسبات تنظيمية مثل ذكرى تأسيسها الـ47. وتعتمد النهضة في ذلك على هيكلية الأحزاب العقائدية التي صُممت تاريخياً للعمل في ظروف الملاحقة الأمنية، إلا أن حجم الضغوط الحالية يبدو مختلفاً عما واجهته في عهود سابقة.

تتعرض الحركة لاتهامات خطيرة تتجاوز العمل السياسي التقليدي، حيث تشمل ملفات التحقيق الاشتباه في التورط بتسفير الشباب إلى بؤر التوتر والتآمر على أمن الدولة. هذه القضايا الحساسة جعلت من الصعب على الحركة المناورة سياسياً أو كسب تعاطف الشارع التونسي الذي بات يميل نحو دعم إجراءات المحاسبة القضائية.

في ظل هذا الغموض، يظل عقد المؤتمر الوطني الـ11 للحركة حلماً بعيد المنال، بعد أن تأجل مراراً بسبب الخلافات الحادة حول ترشح الغنوشي لولاية جديدة. غياب القيادات الرئيسة والمؤسسات الشورية التي تدير الحزب يجعل من المستحيل تنظيم مؤتمر شرعي يفرز قيادة بديلة تحظى بإجماع القواعد.

تشير مصادر سياسية إلى أن الاستياء الصامت داخل النهضة بدأ يخرج إلى العلن، خاصة من قبل الشخصيات التي ترى أنها وُضعت على الهامش رغم تضحياتها الطويلة. هؤلاء القياديون يرفضون أن يتحول الحزب إلى ملكية عائلية تدار من الخارج، مما يعزز فرضية حدوث انشقاقات كبرى في القريب العاجل.

من جانب آخر، يعتقد بعض المحللين أن الحركة تمتلك خبرة تاريخية في إعادة التشكل والتهيكل، شريطة ألا يتم حظر نشاطها قانونياً بشكل نهائي. ويرى هؤلاء أن النهضة قد تنجح في إفراز قيادة بديلة تتجاوز إرث الغنوشي، إذا ما توفرت الإرادة السياسية لدى قواعدها للقطيعة مع النهج القديم.

لكن حجم العلاقات الدولية التي بناها الغنوشي على مدار عقود يمثل عقبة أمام أي قيادة بديلة، حيث يصعب تعويض ثقله الخارجي في وقت قصير. هذا الفراغ الدبلوماسي يزيد من ضعف موقف الحركة أمام السلطات التونسية التي تمضي قدماً في إعادة رسم الخارطة السياسية للبلاد بعيداً عن الإسلام السياسي.

يبقى مستقبل حركة النهضة معلقاً بين مطرقة الأحكام القضائية وسندان الانقسامات الداخلية ومخاوف التوريث العائلي. ومع استمرار غياب الغنوشي عن المشهد، يلف الغموض مصير التنظيم الذي هيمن على تونس لسنوات، وسط تساؤلات عما إذا كانت هذه هي النهاية الفعلية لدوره السياسي في البلاد.

دلالات

شارك برأيك

مستقبل حركة النهضة في مهب الريح: أحكام المؤبد تفتح صراع الخلافة وتعمق العزلة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.