أقلام وأراء

السّبت 25 يوليو 2026 1:10 مساءً - بتوقيت القدس

الرواية... السلاح الآخر للاستعمار

أمير داود 

في عام 1964، وقف نيلسون مانديلا أمام المحكمة في بريتوريا متهماً بالإرهاب والتخريب والسعي إلى قلب نظام الحكم، بينما كانت حكومة الفصل العنصري تقدم نفسها للعالم بوصفها حامية للقانون والاستقرار. وبعد ثلاثة عقود، خرج مانديلا من السجن ليصبح أول رئيس منتخب ديمقراطياً لجنوب أفريقيا، وتحول من "إرهابي" في الرواية الرسمية إلى رمز عالمي للحرية. لم تتغير الوقائع، بل تغيرت الرواية، وانكشف أن الخطاب الرسمي لم يكن سوى أداة من أدوات النظام العنصري لتجريم مقاومة الضحايا وتبرير عنف الدولة.

ومنذ اندلاع الثورة الجزائرية عام 1954، أصرت الإدارة الاستعمارية الفرنسية على وصف رجال جبهة التحرير الوطني بالإرهابيين وقطاع الطرق، بينما كانت تصف حملاتها العسكرية الواسعة بأنها عمليات لحفظ النظام واستعادة الأمن. لم يكن الصراع مقتصراً على السيطرة على الأرض، بل امتد إلى السيطرة على اللغة نفسها، حيث سعت السلطة الاستعمارية إلى تجريد المقاومة من مشروعيتها، وتحويل المستعمِر إلى حامٍ، وصاحب الأرض إلى مصدر للخطر. وبعد استقلال الجزائر، سقطت الرواية الرسمية وبقيت الوقائع شاهدة على أن معركة التحرر كانت أيضاً معركة على الحقيقة.

لم تكن تلك التجارب استثناءً في التاريخ، بل تكشف قاعدة رافقت معظم المشاريع الاستعمارية، إذ لم يكن الصراع يدور على الأرض وحدها، وإنما على الرواية التي تفسر ما يجري فوقها. 

ولعل ما حدث في "تل" لم يكن محض هجوم دموي أودى بحياة أربعة مواطنين فلسطينيين، بل كشفت مرة أخرى عن الوجه الآخر للصراع، الصراع على الرواية. ففي الوقت الذي كانت فيه الدماء الفلسطينية ما تزال على الأرض، تعاملت غالبية وسائل الإعلام الرسمية الإسرائيلية مع الحدث كما لو أن الضحايا الفلسطينيين غير موجودين. غابت أسماء الشهداء، وغابت صور الجرحى، وغاب ذكر اقتحام القرية الفلسطينية وما سبقه من اعتداءات وأعمال عنف، ولم يبق في المشهد سوى عبارة واحدة تكررت على نحو لافت: عملية مسلحة فلسطينية.

هذا الاختزال لم يكن مجرد اختيار تحريري أو مهني، بل هو بناء متعمد لسردية تبدأ من اللحظة التي يرد فيها الفلسطيني أو يحاول الدفاع عن نفسه، بينما يمحى كل ما سبقها من إرهاب مارسه المستعمرون بحق السكان الفلسطينيين. وعندما يحذف السياق، وتغيب الضحية، وتطمس الأسباب، فإن ما يبقى ليس الحقيقة، بل رواية منقوصة تقدم للرأي العام باعتبارها الحقيقة الكاملة.

إن أخطر ما في المشروع الاستعماري أنه لا يسعى إلى السيطرة على الأرض فحسب، بل إلى احتكار تعريف الواقع ذاته. فالسيطرة لا تكتمل بالبنادق والجرافات وحدها، وإنما بامتلاك القدرة على تحديد من هو الضحية، ومن هو المعتدي، ومن يملك حق الكلام، ومن يدفع إلى الصمت. وهكذا تتحول وسائل الإعلام إلى جبهة موازية للصراع، تستخدم فيها اللغة والمصطلحات بقدر ما تستخدم القوة في الميدان.

وليست هذه الممارسة جديدة في التاريخ الاستعماري، فكل مشروع استعماري أدرك أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإدامة السيطرة. فالاحتلال يحتاج دائماً إلى رواية تمنحه شرعية سياسية وأخلاقية، حتى وإن قامت هذه الشرعية على إنكار وجود الضحية أو تجريدها من إنسانيتها. ولذلك لا يكتفي بإنتاج الوقائع، بل يعمل أيضاً على إنتاج تفسيرها، لأن السيطرة على تفسير الحدث لا تقل أهمية عن السيطرة على الحدث نفسه.

إن تجاهل اقتحام القرى الفلسطينية، وإغفال عربدة المستعمرين، وتغييب الشهداء والجرحى الفلسطينيين، ليس حياداً إعلامياً، بل اختياراً تحريرياً يصوغ وعياً عاماً يقوم على محو الفلسطيني من المشهد. فلا يظهر إلا عندما يراد تقديمه بوصفه مصدر التهديد، أما عندما يكون ضحية، فإن حضوره يتلاشى من العناوين، وكأن حياته لا تستحق أن تروى.

ولعل أخطر ما في الاستعمار ليس احتلاله الأرض فحسب، بل سعيه المتواصل إلى احتلال الوعي. فهو لا يفرض الوقائع بقوة السلاح فقط، وإنما يعمل على فرض تفسيره لهذه الوقائع أيضاً، حتى يصبح المعتدي صاحب الرواية، ويغدو الضحية مطالبة في كل مرة بإثبات أنها ضحية. فالبلطجة لا تبدأ عندما يقتحم المستعمر قرية فلسطينية، ولا تنتهي عندما يطلق النار على المدنيين، بل تمتد إلى محاولة احتكار الحقيقة ذاتها، بأن يمحى الفلسطيني من المشهد، وأن تختزل الجريمة في لحظة الرد، بينما تطمس الساعات والأيام والسنوات التي سبقتها من القتل والاقتحام والإرهاب والاستيلاء على الأرض. إنها محاولة لتحويل القوة إلى مصدر للحقيقة، وكأن من يمتلك السلاح يمتلك تلقائياً حق تعريف الواقع.

ومن هنا، فإن معركة الفلسطيني ليست معركة على الأرض وحدها، بل معركة على المعنى أيضاً. فالاحتلال يدرك أن الرواية التي تستقر في وعي الرأي العام لا تقل أهمية عن السيطرة على التلال والطرقات. فإذا نجح في تقديم المستعمر باعتباره "مدنياً"، والفلسطيني باعتباره "تهديداً"، وفي تصوير اقتحام القرى باعتباره حدثاً عابراً، بينما يقدم أي رد فلسطيني باعتباره بداية القصة، فإنه يكون قد انتزع من الضحية حقها في السرد قبل أن ينتزع منها حقها في الأرض. وهنا تصبح اللغة جزءاً من منظومة القوة، ويغدو اختيار المصطلحات فعلاً سياسياً بامتياز، لأن الكلمات لا تصف الواقع فحسب، بل تعيد تشكيله في أذهان الناس.

ولهذا، فإن المصطلحات ليست بريئة. فالفرق بين أن يقال: اقتحم مستعمرون قرية فلسطينية"، وبين أن يقال: "اندلعت مواجهات"، أو بين أن يذكر أن "أربعة فلسطينيين استشهدوا"، وبين أن يكتفى بالحديث عن "عملية فلسطينية"، ليس فرقاً لغوياً، بل فرق في توزيع المسؤولية السياسية والأخلاقية. فاللغة لا تنقل الواقع فقط، وإنما تحدد أيضاً من يتحمل مسؤوليته في وعي المتلقي.

إن تجاهل الشهداء الفلسطينيين، وعدم ذكر الجرحى، وإغفال اقتحام القرى، وتكرار عبارة "عملية مسلحة فلسطينية" بمعزل عن سياقها، لا يمثل مجرد انحياز إعلامي أو قصور مهني، بل هو آلية لإعادة إنتاج رواية تمنح الشرعية للقوة وتحجبها عن الضحية. إنها محاولة لإعادة ترتيب الوقائع بحيث يظهر الفلسطيني دائماً في موقع المتهم، بينما يتوارى الفعل الاستعماري الذي سبق الحدث ومهد له. وبهذا المعنى، فإن السيطرة على الرواية ليست أقل خطورة من السيطرة على الأرض، لأن من يحتكر تفسير الأحداث يقترب أيضاً من احتكار الحكم الأخلاقي عليها، ومن ثم التأثير في مواقف الرأي العام وصناع القرار.

ولهذا، فإن توثيق الوقائع ورواية القصة كاملة ليس عملاً إعلامياً فحسب، بل هو فعل مقاومة للطمس ومحاولات محو الصورة والذاكرة. فالرواية القائمة على الوقائع ليست دعاية مضادة، وإنما دفاع عن الحقيقة في مواجهة محاولات اختزالها. وإذا كان الاحتلال يسعى إلى فرض الأمر الواقع في الجغرافيا، فإنه يسعى بالقدر نفسه إلى فرض أمر واقع في الوعي، بحيث تصبح الرواية التي يصوغها هي المرجع الوحيد لفهم ما جرى. ومن هنا، فإن حماية الحقيقة تصبح جزءاً لا يتجزأ من حماية الحقوق، لأن الضحية التي تسلب روايتها تصبح أكثر عرضة لأن تسلب حقوقها أيضاً.

إن ما جرى في تل يذكر بأن الفلسطيني لا يواجه معركة واحدة، بل معركتين متلازمتين: معركة على الأرض لحماية وجوده، ومعركة على الحقيقة لحماية روايته. وإذا كانت الأولى تخاض في الميدان، فإن الثانية تخاض في الإعلام، وفي الوثيقة، وفي الصورة، وفي الكلمة، لأنها في النهاية معركة على الذاكرة، وعلى حق الضحايا في ألا يمحوا مرتين: مرة بالرصاص، ومرة بالتجاهل.

ولهذا، فإن أول ما تستهدفه الرواية الاستعمارية هو الذاكرة. فحين تمحى أسماء الضحايا، وتختزل الأحداث، ويعاد ترتيب تسلسل الوقائع، لا يجري تزوير خبر صحفي فحسب، بل يجري تشكيل ذاكرة عامة قد تتحول مع الزمن إلى "حقيقة" راسخة في أذهان أجيال لم تشهد الحدث. ومن هنا، تصبح معركة التوثيق جزءاً أصيلاً من معركة حماية الذاكرة الوطنية.

ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب شعباً واقعاً تحت الاحتلال ليس أن تسرق أرضه فقط، بل أن تسرق قصته أيضاً. فالأرض قد تستعاد، أما الحقيقة، إذا تركت للرواية التي يصوغها الأقوى، فإن استعادتها تصبح أكثر صعوبة. ولذلك فإن الدفاع عن الرواية ليس ترفاً إعلامياً، بل هو دفاع عن الحق ذاته. فمن ينجح في محو الضحية من الذاكرة، يقترب كثيراً من محو حقوقها من الضمير الإنساني. ولهذا ستبقى معركة الفلسطيني معركتين لا تنفصلان: معركة لاستعادة الأرض، ومعركة لحماية الحقيقة، لأن الاحتلال يبدأ بالسيطرة على الجغرافيا، لكنه لا يكتمل إلا إذا نجح في احتلال الوعي.

 

دلالات

شارك برأيك

الرواية... السلاح الآخر للاستعمار

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.