صدقي ابوضهير / باحث ومستشار بالاعلام الرقمي
لم تعد المناسبات الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني كما كانت في السابق، ولم يعد العرس مجرد فرحة، ولا الخطوبة مجرد بداية حياة، ولا حفل التخرج مجرد احتفاء بسنوات من التعب، ولا حتى الزيارة العائلية مناسبة للقاء وصلة الرحم. لقد دخلت التكنولوجيا إلى تفاصيل حياتنا، ثم جاءت منصات التواصل الاجتماعي، وبعدها الذكاء الاصطناعي، لتعيد تشكيل مفهوم المناسبة نفسها، ليس في شكلها فقط، بل في الطريقة التي ننظر بها إليها وإلى أنفسنا وإلى الآخرين.
من وجهة نظري، لم تكن المشكلة يومًا في التكنولوجيا، فهي أداة صنعت كثيرًا من الفرص وسهّلت التواصل وأتاحت لنا توثيق أجمل اللحظات، لكن المشكلة بدأت عندما تحولت هذه الأدوات إلى مقياس للقيمة الاجتماعية، وأصبحت المناسبة تُبنى أحيانًا من أجل الصورة أكثر مما تُبنى من أجل الناس، ومن أجل ما سيُنشر على الشاشات أكثر مما سيبقى في الذاكرة.
أشعر أننا انتقلنا تدريجيًا من ثقافة المشاركة إلى ثقافة المقارنة. لم يعد السؤال كيف كانت المناسبة، بل كم بلغت تكلفتها، ومن أحضر هدية أغلى، ومن أقام حفلاً أفخم، ومن ظهر بإطلالة أفضل، ومن حصد مشاهدات أكثر وتعليقات أكثر بعد انتهاء المناسبة. وكأن القيمة لم تعد في المشاعر، بل في الانطباع الذي نتركه لدى الآخرين.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي أصبحت هذه المقارنات أكثر تعقيدًا. فالصور يمكن تحسينها، والفيديوهات يمكن إخراجها بصورة سينمائية، والوجوه يمكن تعديلها، والذكريات يمكن إعادة صناعتها لتبدو أكثر كمالًا مما كانت عليه في الواقع. وهنا تبدأ المقارنة غير العادلة، لأننا نقارن حياتنا الحقيقية بمحتوى خضع للتعديل والتحسين والإخراج، فنشعر أن ما نملكه أقل، وأن ما نعيشه أقل جمالًا، رغم أن الحقيقة قد تكون مختلفة تمامًا.
هذا التحول لم يقتصر على الجانب النفسي، بل امتد إلى الجانب الاقتصادي أيضًا. فقد أصبحت بعض المناسبات تشكل عبئًا ماليًا كبيرًا على أصحابها وعلى المدعوين إليها، وأصبح البعض يستدين أو يرهق نفسه ماليًا حتى لا يبدو أقل من غيره، بينما يعتذر آخرون عن الحضور أو يشعرون بالحرج لأن إمكانياتهم لا تسمح لهم بمجاراة هذا المستوى من الإنفاق. وهنا تتحول المناسبة، التي يفترض أن تكون مصدرًا للفرح، إلى مصدر للضغط والقلق والإحراج.
وأعتقد أن أخطر ما نعيشه اليوم هو أن المنافسة لم تعد معلنة، لكنها موجودة في كل التفاصيل. منافسة على الديكور، وعلى الملابس، وعلى الهدايا، وعلى التصوير، وعلى عدد المتابعين، وحتى على طريقة عرض المناسبة نفسها. هذه المنافسة قد لا يعترف بها كثيرون، لكنها أصبحت جزءًا من السلوك الاجتماعي الذي تفرضه المنصات الرقمية بصورة غير مباشرة.
ومع مرور الوقت بدأنا نخسر شيئًا كان يميز المجتمع الفلسطيني دائمًا، وهو البساطة والعفوية والتكافل. فقد كانت المناسبات فرصة لالتقاء العائلات وتعزيز الروابط الاجتماعية، أما اليوم فأصبح كثير من الحاضرين منشغلين بالتصوير أكثر من انشغالهم بالحديث، وبنشر اللحظة أكثر من عيشها، وبمتابعة ردود الفعل على هواتفهم أكثر من تفاعلهم مع الأشخاص الموجودين حولهم.
لا أدعو إلى رفض التكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي، فهما جزء من مستقبلنا، لكنني أؤمن بأن علينا إعادة التوازن بين ما نعيشه وما نعرضه، وبين قيمة الإنسان وما يملكه من أخلاق ومحبة، وبين قيمة المناسبة وما تنشره من صور. فالمناسبات لا ينبغي أن تكون ساحة لإثبات التفوق الاجتماعي أو القدرة المالية، بل مساحة لتقوية العلاقات، وتبادل المحبة، وصناعة ذكريات صادقة لا تحتاج إلى فلاتر أو خوارزميات حتى تبدو جميلة.
أخشى أن تستمر هذه الثقافة في التوسع حتى تصبح قيمة الإنسان مرتبطة بما يستطيع إظهاره لا بما يحمله من قيم، وأن يتحول الفرح إلى عبء، والمجاملة إلى منافسة، والعلاقة الاجتماعية إلى مقارنة مستمرة لا تنتهي. نحن بحاجة إلى أن نستعيد جوهر مناسباتنا، وأن نتذكر أن أجمل الذكريات ليست تلك التي حققت أعلى عدد من المشاهدات، بل تلك التي بقيت راسخة في القلوب، لأن العلاقات الإنسانية لا تُقاس بجودة الصور، ولا بحجم القاعات، ولا بقيمة الهدايا، وإنما بما تتركه من أثر صادق في النفوس.





شارك برأيك
حين أصبحت المناسبات تُقاس بعدد الإعجابات