فلسطين

السّبت 04 يوليو 2026 12:15 مساءً - بتوقيت القدس

غزة تعود لعصر المقايضة: الزيت والطحين بدائل للنقد المفقود تحت وطأة الحصار

يشهد قطاع غزة تحولاً قسرياً في طبيعة المعاملات التجارية اليومية، حيث عاد السكان إلى نظام المقايضة البدائي نتيجة الشح الحاد في السيولة النقدية وتضرر البنية التحتية للمصارف بشكل واسع. وتأتي هذه الأزمة في ظل قيود مشددة يفرضها الاحتلال تمنع تدفق الأوراق النقدية والفئات الصغيرة إلى الأسواق، مما أدى إلى ركود اقتصادي غير مسبوق وتراجع حاد في القدرة الشرائية للعائلات.

في مخيمات النزوح المكتظة، بات تبادل السلع العينية هو الوسيلة الوحيدة لسد رمق الأطفال وتأمين المتطلبات الأساسية مثل الزيت والسكر والدقيق. وأفادت مصادر ميدانية بأن الأهالي يضطرون لدق أبواب جيرانهم لعرض ما يفيض عن حاجتهم من مساعدات إغاثية مقابل الحصول على مواد تموينية أخرى تنقصهم، في محاولة ذاتية لمواجهة غياب فرص العمل وانعدام العملات الورقية.

وتصف شهادات النازحين واقعاً مريراً، حيث ذكر أحد المواطنين أن الأسواق باتت خالية تماماً من العملات النقدية، مما جعل امتلاك أي سلعة فائضة هو السبيل الوحيد لتدبير الشؤون المعيشية. وأوضح أن تفشي البطالة وتوقف صرف الرواتب بشكل كامل ساهما في تعميق الاعتماد على هذا النظام التقليدي الذي يعيد القطاع عقوداً إلى الوراء.

ولا تقتصر المعاناة على غياب النقد فحسب، بل تمتد لتشمل الندرة الشديدة في السلع الأساسية، مما يضع مئات آلاف العائلات أمام تحديات معقدة لتأمين القوت اليومي. وتروي النازحة أم سعيد أنها تضطر لتقديم حصص من المساعدات الغذائية للجيران مقابل الحصول على الأرز والعدس، مشيرة إلى أن المقايضة شملت حتى الملابس والمستلزمات الشخصية.

وفي ظل تعطل فروع المصارف وشبكات الصراف الآلي، واجهت العائلات صعوبات بالغة في الاعتماد على الحلول الرقمية أو المحافظ الإلكترونية البديلة. واشتكى نازحون من عدم فاعلية هذه التطبيقات ميدانياً بسبب تآكل قيمتها الشرائية جراء الرسوم المرتفعة والقيود التشغيلية المعقدة التي تفرضها المحال التجارية التي تقبل هذا النوع من الدفع.

أحد النازحين الذي يعيل عائلة مكونة من ثمانية أفراد، أوضح أنه يضطر لمقايضة زيت الطهي بالدفاتر والأقلام لتأمين مستلزمات ابنته في مرحلة الثانوية العامة. وأكد أن التطبيقات الإلكترونية باتت غير مجدية نظراً للعمولات المرتفعة التي تقتطع من الرصيد، بالإضافة إلى إلزام المشترين بحد أدنى للشراء يمنعهم من اقتناء الاحتياجات البسيطة للأطفال.

ويرتبط التدهور الحالي في السيولة النقدية بسلسلة الاستهدافات المباشرة التي تعرضت لها مقار المصارف الفلسطينية في قطاع غزة طوال فترة العدوان. وتشير تقارير رسمية صادرة عن سلطة النقد إلى خروج أكثر من 90% من فروع البنوك وأجهزة الصراف الآلي عن الخدمة نتيجة التدمير الكلي أو انقطاع التيار الكهربائي وإمدادات الإنترنت بشكل دائم.

وحذرت المؤسسات المالية من أن تدمير هذه البنية التحتية الحيوية قد عطل القدرة العملياتية للمنظومة المصرفية المحلية بشكل شبه كامل. وأدى هذا الوضع إلى قطع خطوط الإمداد المالي وعزل قطاع غزة مالياً عن الضفة الغربية والعالم الخارجي، مما ضاعف من قسوة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها النازحون في الخيام.

وإلى جانب غياب الأوراق النقدية، برزت معضلة جديدة تمثلت في نمو سوق موازية غير قانونية لتبادل الأموال وتسييل الأرصدة عبر تطبيقات الهاتف المحمول. واستغل بعض الصرافين حاجة السكان الماسة للنقد لفرض عمولات سحب باهظة تتراوح بين 30% إلى 50%، مما زاد من استنزاف الموارد المالية المحدودة للمواطنين.

من جانبها، أصدرت سلطة النقد الفلسطينية تحذيرات رسمية توعدت فيها الجهات غير المرخصة باتخاذ إجراءات قانونية صارمة لمكافحة هذه الممارسات. وأكدت السلطة أن هذه السلوكيات الاحتكارية تزيد من وطأة الصعوبات المعيشية وتساهم في تعميق الحصار المالي المفروض على سكان القطاع، داعية إلى ضرورة إيجاد حلول دولية لتدفق السيولة.

دلالات

شارك برأيك

غزة تعود لعصر المقايضة: الزيت والطحين بدائل للنقد المفقود تحت وطأة الحصار

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.