تواجه الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع معضلة أخلاقية وقانونية معقدة في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد. وتتمثل هذه المعضلة في كيفية الاستجابة للمطالب الشعبية الواسعة بإنزال أقصى العقوبات بحق المتورطين في جرائم الحرب، وبين ضرورة الالتزام بالمعايير الدولية لضمان تدفق الدعم الخارجي.
وتبرز قضية أمجد يوسف، المعروف بـ 'جزار التضامن'، كأحد أكثر الملفات سخونة أمام القضاء السوري الحالي. فبعد توثيق جرائمه في مقاطع فيديو صادمة عام 2013، يرى الكثير من السوريين أن إعدامه هو الشكل الوحيد لجبر الضرر وتحقيق العدالة الناجزة.
إلا أن التقارير الدولية تشير إلى أن تنفيذ أحكام الإعدام قد يغلق أبواب التعاون مع المنظمات الأممية المتخصصة. فالمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا تلتزم بقواعد صارمة تمنع التعاون التقني مع أي سلطة تمارس عقوبة الإعدام في تشريعاتها.
ويعتمد كشف مصير عشرات الآلاف من المختفين قسرياً على هذا التعاون الدولي الذي يوفر تقنيات الحمض النووي والخبرات الجنائية. وبدون هذا الدعم، قد تظل عشرات المقابر الجماعية المنتشرة في البلاد مجهولة الهوية، مما يحرم العائلات من حق معرفة الحقيقة.
ويرى خبراء حقوقيون أن إبقاء المتهمين مثل أمجد يوسف على قيد الحياة يمثل قيمة استراتيجية لعملية التحقيق. فاستجواب هؤلاء المجرمين قد يقود إلى كشف سلاسل القيادة والمسؤولين الحقيقيين الذين أصدروا الأوامر بالقتل والتعذيب الممنهج.
وفي درعا، بدأت أولى محاولات العدالة الانتقالية من خلال محاكمة عاطف نجيب، المسؤول الأمني السابق وابن خال الأسد. وتعتبر هذه المحاكمة اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة السورية على بناء نظام قضائي مؤسساتي يتجاوز منطق الانتقام الشخصي أو المباشر.
وتجسد قصة عائلة الطفل الشهيد حمزة الخطيب التناقض الصارخ الذي يعيشه المجتمع السوري اليوم. فبينما تطالب العائلة بالقصاص من قتلة حمزة، لا تزال تبحث عن أي خيط يوصلها لمصير شقيقه عمر الذي قضى في سجن صيدنايا.
يمكن للحكومة إعدام مجرمي الحرب أو الحصول على الدعم الدولي الكامل، لكن ليس كلاهما معاً.
وعلى الصعيد الدولي، يمثل الإعدام عقبة أمام استعادة المطلوبين الفارين إلى الخارج، خاصة في الدول الأوروبية. فالمحاكم في ألمانيا وفرنسا ترفض تسليم أي متهم لدولة قد يواجه فيها عقوبة الموت، مما قد يعطل مسار المحاكمات الداخلية.
وتعاني البنية القضائية السورية من فجوات تشريعية عميقة ورثتها عن النظام السابق، حيث تغيب النصوص الواضحة المتعلقة بالجرائم ضد الإنسانية. كما أن هجرة الكوادر القضائية المؤهلة تزيد من صعوبة إجراء محاكمات عادلة وشفافة تلبي المعايير العالمية.
ويقترح ناشطون حقوقيون أن تتحول قاعات المحاكم إلى منابر لكشف الحقيقة الكاملة بدلاً من الاكتفاء بمنصات الإعدام. فالهدف الأسمى للعدالة الانتقالية هو تفكيك المنظومة الأمنية التي سمحت بوقوع الجرائم، وليس فقط معاقبة الأدوات التنفيذية الصغيرة.
إن التحدي الذي يواجه حكومة الشرع يكمن في إقناع الشارع السوري المكلوم بأن العدالة لا تعني بالضرورة القصاص الجسدي الفوري. فبناء دولة القانون يتطلب صبراً استراتيجياً لضمان توثيق الجرائم تاريخياً وقانونياً بما يمنع تكرارها في المستقبل.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن الضغوط الدولية تتزايد على دمشق لتبني ميثاق حقوقي يمنع الإعدام كشرط للمساهمة في إعادة الإعمار. وهذا يضع القيادة السياسية في موقف حرج أمام القواعد الشعبية التي تطالب بالثأر لضحايا سنوات القمع الطويلة.
وفي نهاية المطاف، ستقرر الطريقة التي ستتعامل بها سوريا مع ملف مجرمي الحرب شكل الدولة القادمة ومكانتها في المجتمع الدولي. فإما المضي نحو عدالة انتقالية شاملة مدعومة دولياً، أو الانزلاق نحو دوامة من الأحكام التي قد تعزل البلاد مجدداً.
ويبقى السؤال قائماً حول قدرة القضاة السوريين على صياغة مسار قضائي وطني يجمع بين السيادة القانونية والالتزامات الإنسانية. إنها رحلة طويلة من البحث عن الحقيقة في ركام المقابر الجماعية وسجلات السجون المظلمة التي خلفها النظام السابق.





شارك برأيك
معضلة العدالة في سوريا: حكومة الشرع بين ضغط الشارع وشروط المجتمع الدولي