عربي ودولي

السّبت 20 يونيو 2026 10:22 صباحًا - بتوقيت القدس

هندسة الاستثناء السياسي في تونس: قراءة في كتاب الصغير الزكراوي الجديد

يفتح كتاب الدكتور الصغير الزكراوي الصادر عن دار سوتيميديا لعام 2026، نقاشاً فكرياً وقانونياً حاداً حول مفهوم 'حالة الاستثناء' في السياق التونسي. ويركز العمل على كيفية تحول الإجراءات المؤقتة إلى واقع دائم يعيد تشكيل بنية الدولة والسيادة، متجاوزاً القواعد الدستورية التقليدية التي وضعت في يناير 2014.

ينطلق المؤلف من تأصيل مفاهيمي يربط بين الفلسفة السياسية والقانون الدستوري، مستحضراً نظريات كارل شميت وجورجيو أغامبن حول السيادة. ويرى الزكراوي أن الاستثناء ليس مجرد خروج عن القانون، بل هو إمكانية كامنة في صلب الدولة الحديثة تُفعل في لحظات الخطر الداهم لإعادة تعريف الشرعية.

يشكل الفصل 80 من دستور 2014 المحور المركزي للتحليل، حيث يصفه الكاتب بـ 'الدستور الاحتياطي' الذي يسمح بتعليق المسار العادي للسلطات. ويوضح الكتاب أن هذا النص يحمل قابلية للتوسع نتيجة مرونة مفاهيمه مثل 'الخطر الداهم'، مما يمنح السلطة التنفيذية هامشاً واسعاً للتأويل السياسي.

تتطرق المراجعة إلى غياب المحكمة الدستورية في التجربة التونسية كعامل حاسم أدى إلى اختلال التوازن بين السلطات. ففي غياب جهة رقابية مستقلة، أصبحت السلطة التنفيذية هي الخصم والحكم في آن واحد، مما مكنها من إنتاج معنى الاستثناء وحدوده الزمنية والموضوعية دون رادع قانوني.

يشير الزكراوي إلى أن حالة الاستثناء في تونس انتقلت من كونها أداة لضبط المخاطر إلى بنية تنظيمية شاملة للمجال السياسي. هذا التحول أدى إلى تراجع دور المؤسسات الوسيطة مثل البرلمان والأحزاب، لصالح مركزية القرار في يد السلطة التنفيذية التي تقدم نفسها كتعبير مباشر عن الإرادة الشعبية.

يحلل الكتاب كيف يساهم الخوف من الفوضى أو الانهيار الاقتصادي في دفع قطاعات اجتماعية لقبول توسيع الصلاحيات الاستثنائية. وبذلك يتحول الاستثناء من مجرد إجراء قانوني تقني إلى ثقافة سياسية جديدة تمنح الأولوية للأمن والاستقرار على حساب التوازنات الديمقراطية والضمانات الدستورية المعمول بها.

يرى المؤلف أن الخطورة تكمن في 'براديغم الاستثناء' الذي يجعل من تعليق القانون أمراً عادياً ومقبولاً اجتماعياً باسم حماية الدولة. وفي هذه اللحظة، يفقد الاستثناء طابعه المؤقت ويتحول إلى منطق حكم يعيد صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين السيادة والحرية الفردية.

تنتقد أطروحة الكتاب ميل الأنظمة الحديثة لإنتاج أدوات إعادة تشكيلها من الداخل عبر استغلال ثغرات النصوص الدستورية. فإعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات وتراجع استقلالية أجهزة الرقابة يؤديان بالضرورة إلى إعادة إنتاج بنية حكم مغلقة تتداخل فيها القاعدة القانونية مع منطق الضرورة السياسية.

يقدم القسم النقدي من الكتاب تساؤلات حول مدى قدرة النماذج النظرية الأوروبية على تفسير تعقيدات الواقع التونسي بشكل كامل. فبينما ينجح الإطار الشميتي في تفسير لحظة القرار، قد يغفل عن الديناميات الاجتماعية والاحتجاجية التي تسبق وتلحق تفعيل حالات الاستثناء في السياقات العربية.

يلفت الزكراوي الانتباه إلى أن الأزمة السياسية التي سبقت تفعيل الفصل 80 كانت تتسم بشلل مؤسساتي وصراع مزمن بين السلطات. وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كان الخلل يكمن في النص الدستوري ذاته أم في عجز النخبة السياسية عن إدارة النموذج الديمقراطي في لحظات التأزم.

يعتبر الكتاب إضافة نوعية للمكتبة العربية التي تعاني من ندرة في المقاربات النظرية المركبة حول الانتقال السياسي. فهو يدمج بين التحليل القانوني الصرف وبين الفلسفة السياسية، مما يوفر أدوات فهم أعمق للتحولات التي تشهدها المنطقة بعيداً عن القراءات الوصفية السطحية للوقائع.

يخلص العمل إلى أن قيمة الدولة الدستورية تُختبر في قدرتها على إدارة الأزمات دون التضحية بجوهر القانون. ويحذر من أن استمرار منطق الاستثناء يؤدي إلى 'هندسة سلطوية' جديدة قد يصعب تفكيكها مستقبلاً، نظراً لتجذرها في أجهزة الدولة وفي الوعي الجمعي الباحث عن الاستقرار.

يطرح الكتاب في نهايته تساؤلاً مفتوحاً حول البدائل المؤسساتية القادرة على ضبط 'الضرورة السياسية' ومنع تحولها إلى استبداد. ويؤكد أن التوصيف النقدي لحالة الاستثناء هو الخطوة الأولى نحو إعادة بناء علاقة سليمة بين السلطة والدستور تضمن عدم تحول المؤقت إلى دائم.

يمثل هذا المؤلف صرخة فكرية تدعو لمراجعة أسس الدولة الدستورية في ظل الأزمات الراهنة، مشدداً على أن حماية النظام لا يجب أن تعني إلغاءه. إنها دعوة للتفكير في كيفية تحصين الديمقراطيات من أدواتها الاستثنائية التي قد تتحول إلى معاول لهدم البناء القانوني من الداخل.

دلالات

شارك برأيك

هندسة الاستثناء السياسي في تونس: قراءة في كتاب الصغير الزكراوي الجديد

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.