يشهد الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية كبرى تشير إلى أفول حقبة الهيمنة الأمريكية الأحادية، وهو ما يرجعه خبراء إلى الإنهاك الداخلي والانهيار الهيكلي لبنية سياسية تأسست على الإكراه لا الرضا الشعبي. ويرى مراقبون أن واشنطن لم تحقق هيمنة حقيقية، بل حافظت على سيطرة تفتقر للشرعية الشعبية، مما جعلها تعتمد بشكل أساسي على الأنظمة الاستبدادية لضمان مصالحها.
إن النظام الإقليمي الذي تشكل عقب حرب الخليج عام 1991 ومؤتمر مدريد بدأ يتفكك بشكل منهجي، بعد أن ثبت زيف الركائز التي قام عليها. فقد استند ذلك النظام إلى التفوق العسكري المطلق والادعاء بوجود عملية سلام، بينما كانت الحقيقة هي هندسة محمية أمنية تضمن تدفق الطاقة وتهمش الحقوق الفلسطينية المشروعة.
لقد عملت عملية السلام لعقود كمظلة دبلوماسية منحت الولايات المتحدة الشرعية لوجودها العسكري، بينما مكنت إسرائيل من ترسيخ احتلالها للأراضي الفلسطينية. ومع مرور الوقت، أصبح من الواضح أن القوة العسكرية الساحقة لا يمكن أن تكون بديلاً عن أفق سياسي عادل، مما جعل انهيار هذا النظام حتمية تاريخية.
مثلت اتفاقيات أبراهام عام 2020 المحاولة الأخيرة لترميم هذا الهيكل المتداعي عبر بناء تحالف أمني يتجاوز القضية الفلسطينية بشكل صريح. إلا أن هذا الرهان أثبت فشله لكونه تجاهل الحقائق الديموغرافية والتاريخية، مما جعل النظام الناتج عنه هشاً وعرضة للصدمات العنيفة التي لم تتأخر في الظهور.
تشير بيانات مؤشر الرأي العربي باستمرار إلى أن الشعوب العربية ترى في السياسات الأمريكية والإسرائيلية التهديد الوجودي الأكبر لأمنها القومي. هذا التناقض الصارخ بين تطلعات الشعوب والضرورات الاستراتيجية لواشنطن دفع الأخيرة لدعم الديكتاتوريات وقمع أي تحول ديمقراطي قد يهدد مصالحها الحيوية في المنطقة.
تعد أحداث غزة عام 2023 المحفز النهائي الذي كشف الإفلاس الأخلاقي للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، حيث تحولت واشنطن من وسيط إلى شريك مباشر في العنف. إن الدعم العسكري والدبلوماسي غير المحدود للعمليات الحربية حطم الصورة الذهنية للقيادة الغربية وأنهى ما تبقى من قوتها الناعمة في المنطقة.
في سياق المواجهات العسكرية المفترضة عام 2026، تبين أن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد قادرة على حماية حلفائها من الهجمات غير المتكافئة. فقد أدت الضربات التي استهدفت منشآت الطاقة الحيوية في الخليج إلى تقويض صورة المنطقة كملاذ آمن لرأس المال العالمي، وكشفت عجز الأنظمة الدفاعية المتطورة أمام التقنيات الرخيصة.
إن الهيمنة الحقيقية تتطلب إجماعاً أيديولوجياً وتوافقاً معيارياً، بينما مارست واشنطن سيطرتها عبر الإكراه والعنف الهيكلي.
لقد أدركت القوى الإقليمية أن الاعتماد المطلق على واشنطن لم يعد كافياً لضمان البقاء في ظل بيئة أمنية متفجرة وغير مستقرة. هذا الإدراك دفع دولاً مثل السعودية والإمارات للبحث عن خيارات استراتيجية بديلة، والاستثمار في صناعات دفاعية محلية وبناء شراكات متنوعة مع قوى دولية صاعدة.
تبرز اليوم ملامح نظام أمني جديد يتسم بـ 'الهيمنة المتباينة'، حيث تحتفظ واشنطن بالردع العسكري لكنها تفقد الاحتكار السياسي والقدرة على الطمأنة. في هذا الفراغ، تسعى قوى إقليمية كبرى مثل تركيا ومصر وباكستان لتنسيق مواقفها لإدارة الأزمات من داخل المنطقة بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
الدور الباكستاني المتصاعد كضامن أمني ووسيط دبلوماسي يجسد إعادة الهيكلة الجارية في موازين القوى، حيث تتداخل الجغرافيا السياسية لتشمل فاعلين جدد. كما أن توجه دول الخليج نحو تعدد التحالفات يعكس رغبة حقيقية في التحول من مستهلك للأمن إلى منتج له، بما يخدم مصالحها الوطنية أولاً.
على الصعيد الدولي، تستغل الصين وروسيا الأخطاء الاستراتيجية الأمريكية لتعزيز نفوذهما الاقتصادي والسياسي في الشرق الأوسط. بكين، على وجه الخصوص، تقدم نموذجاً للشراكة القائمة على المصالح المتبادلة دون فرض شروط سياسية أو أمنية مرهقة، مما يجعلها بديلاً جذاباً للعديد من دول المنطقة.
لقد أصبحت مجموعة 'بريكس' والتعاون التكنولوجي مع القوى الآسيوية أدوات حيوية لدول الشرق الأوسط للتحوط ضد العقوبات والمطالب الأمريكية. هذا التحول نحو الشرق لا يمثل مجرد تغيير في التجارة، بل هو إعادة تموضع استراتيجي شامل في عالم لم تعد فيه القطبية الواحدة هي الحاكمة.
إن فجر الحقبة ما بعد الأمريكية لا يعني بالضرورة استقراراً فورياً، بل هو عصر يتسم بالاضطراب والمنافسة الشرسة بين أقطاب متعددة. في هذا المشهد المعقد، يتعين على الفاعلين الإقليميين التفاوض المستمر لتأمين وجودهم، معتمدين على توازنات قوى متقلبة وتحالفات مرنة تتجاوز الموروثات الاستعمارية القديمة.
في الختام، يمكن القول إن عهد الإملاءات الإمبريالية قد انتهى لصالح واقع إقليمي عضوي، وإن كان يتشكل وسط آلام النزاعات والحروب. إن الشرق الأوسط الجديد يعيد تعريف نفسه بناءً على قدراته الذاتية وتعدد خياراته الدولية، بعيداً عن الهيمنة التي استمرت لعقود تحت المظلة الأمريكية المتداعية.





شارك برأيك
مخاض الشرق الأوسط الجديد: هل انتهى عصر الهيمنة الأمريكية؟