تحليل

الخميس 18 يونيو 2026 9:21 مساءً - بتوقيت القدس

باحث روسي: المواجهة الأمريكية الإيرانية أثبتت عجز القوة العسكرية عن فرض تغيير سياسي

رأى الباحث الروسي تيموفي بورداتشيف، مدير البرامج في نادي فالداي أن الاتفاق الأخير المبرم بين الولايات المتحدة وإيران لا يحمل في جوهره أي تبديل حقيقي لموازين القوى. وأوضح في مقال تحليلي أن جذور الصراع الراهن تتجاوز الملفات التقنية مثل البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية، لتصل إلى صلب وجود إيران كقوة إقليمية ترفض التبعية.

وأشار بورداتشيف إلى أن المواجهة العسكرية التي اندلعت في شتاء عام 2026 ستبقى علامة فارقة في التاريخ السياسي المعاصر. ورغم ضراوتها، إلا أنها مثلت نموذجاً نادراً لصراع مسلح لم يفضِ إلى أي نتائج ملموسة على الأرض، حيث بقيت الخارطة السياسية كما هي دون تغيير يذكر في موازين القوى الدولية.

وبحسب القراءة الروسية، فإن إنهاء الحصار المفروض على مضيق هرمز وعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل اندلاع العمليات القتالية، يعكس حالة من الجمود الاستراتيجي. وقد فشلت جولات التفاوض التي امتدت لشهرين في زحزحة أي من الطرفين عن مواقفهما المبدئية التي تمسكا بها منذ فبراير الماضي.

واعتبر الكاتب أن هذه النتيجة تكتسب أهمية مضاعفة بالنظر إلى حجم الفوارق العسكرية والاقتصادية، حيث واجهت الدولة الأقوى في العالم قوة إقليمية محاصرة. وكان من المفترض أن يكون الهجوم استعراضاً حاسماً لقوة الردع الأمريكية، إلا أن النتائج جاءت مخيبة لآمال المخططين في واشنطن وتل أبيب.

ووصف بورداتشيف القوة العسكرية الأمريكية في هذه المواجهة بأنها بدت كـ 'نمر من ورق'، حيث استنزفت موارد ضخمة وأقحمت القطاع المدني في المجهود الحربي دون جدوى. وأكد أن هذه الحرب أثبتت أن واشنطن لم تعد قادرة على فرض إرادتها إلا على الأطراف الضعيفة والمفككة في المجتمع الدولي.

ويرى التحليل أن الحكومات التي تتعرض لضغوط أمريكية باتت تمتلك الآن نماذج عملية للتعامل مع التهديدات، مستشهداً بالفارق بين التجربة الفنزويلية والإيرانية. فبينما تنجح الضغوط في أماكن معينة، أظهرت الحالة الإيرانية أن الصلابة الداخلية يمكن أن تحيد التفوق التكنولوجي والعسكري الغربي.

وشدد بورداتشيف على أن الهدف الاستراتيجي المباشر للهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك كان يرمي إلى إسقاط النظام في طهران وتفكيك مفاصل الدولة. ومع بقاء النظام وتماسك مؤسساته، اعتبر الكاتب أن ما جرى يمثل إخفاقاً استراتيجياً واضحاً يحاول الغرب الآن تغليفه بصورة انتصار سياسي وهمي.

ولفت المقال إلى أن هذه المواجهة لم تصل إلى مستوى الحرب الشاملة التي شهدها العراق في عام 2003، وذلك ليس بسبب رغبة أمريكية في ضبط النفس. بل أرجع الكاتب ذلك إلى محدودية القدرات المتاحة حالياً للولايات المتحدة وعدم قدرتها على حشد موارد هائلة لعملية برية وبحرية وجوية متكاملة.

وفي مقارنة لافتة، أشار الباحث إلى أن إيران لم تحصل على دعم عسكري خارجي مفتوح كما حدث مع كييف في صراعها مع روسيا. ومع ذلك، استطاعت طهران الصمود بفضل خصائص بنيوية في مجتمعها وقيادتها السياسية، وهو ما منحها قدرة عالية على المناورة وتجاوز نقص الموارد المادية.

ويعتقد بورداتشيف أن سر الصمود الإيراني يكمن في حالة التماهي بين الدولة والمجتمع، وهو عامل معنوي وفلسفي يفوق في أهميته حجم الترسانات العسكرية. وهذا العامل هو الذي حسم مسار الصراع في لحظات حرجة، متفوقاً على القدرات التقنية والاقتصادية الهائلة التي يمتلكها المعسكر الغربي.

واستشهد الكاتب بنظريات المؤرخ الاستراتيجي إدوارد لوتواك، مؤكداً أن الروح القتالية والتماسك الاجتماعي هما العملتان الأغلى في حروب القرن الحادي والعشرين. وقد تجلى ذلك بوضوح عندما عجزت الأسلحة الذكية عن كسر إرادة الخصم أو إجباره على تقديم تنازلات سياسية جوهرية تمس سيادته.

وخلص المقال إلى أن فشل واشنطن في تحقيق هدفها المركزي جعل من الملفات الثانوية، مثل القيود التقنية على التسلح، أمراً فاقداً للقيمة الاستراتيجية. فالمشكلة بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل تكمن في وجود إيران ككيان مستقل بحد ذاته، بغض النظر عن نوعية السلاح الذي تمتلكه.

إن بقاء إيران كلاعب فاعل ومستقل في النظام الدولي بعد هذه المواجهة يمثل، حسب بورداتشيف، معضلة بنيوية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وهذا الفشل في التفكيك يعني أن المنطقة تتجه نحو توازنات جديدة لا تملك فيها القوى التقليدية الكلمة العليا كما كان الحال في العقود الماضية.

ختاماً، يرى الكاتب الروسي أن الدرس الأهم من حرب 2026 هو أن عصر الإملاءات العسكرية قد ولى، وأن القوة الصلبة لم تعد كافية لتغيير الأنظمة السياسية. وبناءً عليه، فإن الاتفاقات التي تلي مثل هذه الصراعات ليست سوى اعتراف ضمني بالأمر الواقع الذي عجزت المدافع عن تغييره.

دلالات

شارك برأيك

باحث روسي: المواجهة الأمريكية الإيرانية أثبتت عجز القوة العسكرية عن فرض تغيير سياسي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.