تحليل

الثّلاثاء 07 يوليو 2026 7:14 صباحًا - بتوقيت القدس

خطة استيطانية تستهدف قلب الضفة الغربية: مئة بؤرة جديدة تدفع نحو إنهاء عملي لاتفاق أوسلو

رسالة واشنطن


واشنطن – سعيد عريقات – 7/7/2026

تحليل إخباري

تشهد الضفة الغربية تطوراً يُنظر إليه باعتباره أحد أكثر التحولات خطورة في المشروع الاستيطاني الإسرائيلي منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، بعد الكشف عن خطة تقودها جماعات استيطانية لإقامة مئة بؤرة استيطانية داخل المنطقتين (أ) و(ب)، في خطوة تتجاوز سياسة توسيع المستوطنات القائمة إلى محاولة زرع وجود استيطاني دائم داخل قلب المدن والبلدات الفلسطينية. ويرى مراقبون أن هذا المشروع لا يمثل مجرد توسع عمراني، بل يعكس تحولاً استراتيجياً يهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للضفة الغربية، وتقويض الأسس التي قامت عليها عملية السلام، وصولاً إلى فرض واقع يجعل قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أمراً بالغ الصعوبة.

وكشف موقع "موندووايس" الأميركي، استناداً إلى معلومات نشرتها صحيفة "يسرائيل هيوم"، أن الخطة، التي تحمل اسم “يوم الحسم”، تستهدف إقامة بؤر استيطانية في مواقع توصف بأنها “استراتيجية” داخل مناطق كانت، بموجب اتفاق أوسلو، خاضعة للسيطرة الفلسطينية الكاملة أو المشتركة. وتشكل المنطقتان (أ) و(ب) نحو 40 في المئة من مساحة الضفة الغربية، فيما تتركز غالبية المستوطنات الإسرائيلية الحالية في المنطقة (ج)، التي تمثل نحو 60 في المئة من الأراضي المحتلة.

ويمثل المشروع تحولاً لافتاً في العقيدة الاستيطانية الإسرائيلية، إذ إن إقامة مستوطنات داخل المنطقة (أ)، التي تخضع نظرياً للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية، كانت تُعد حتى وقت قريب تجاوزاً لخط أحمر التزمت به الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، حتى في ظل التوسع الاستيطاني المستمر في المنطقة (ج). أما اليوم، فإن المشروع ينقل الصراع من أطراف المدن الفلسطينية إلى داخلها، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة رسم الخريطة الميدانية.

ويرى خبراء أن تنفيذ هذه الخطة سيؤدي إلى تفتيت الجغرافيا الفلسطينية إلى جزر معزولة، عبر السيطرة على المرتفعات والمفترقات الحيوية والمواقع الدينية والمناطق المطلة على المدن الرئيسية، وهو ما سيقيد حركة الفلسطينيين ويضعف إمكان قيام تواصل جغرافي بين التجمعات السكانية، وهو شرط أساسي لأي دولة فلسطينية مستقبلية.

وفي هذا السياق، أوضح خبير الخرائط والاستيطان الفلسطيني خليل التفكجي لموقع "موندووايس" أن مفهوم "المواقع الاستراتيجية" في الفكر الإسرائيلي لا يقتصر على المرتفعات الجبلية، بل يشمل أيضاً عقد الطرق الرئيسية، والمواقع الدينية، وحتى المناطق التي تضم مؤسسات فلسطينية مركزية. ويشير إلى أن مثل هذه المواقع تنتشر في مدن مثل الخليل ونابلس وجنين، حيث تشهد بعض المناطق بالفعل إجراءات إسرائيلية متدرجة للسيطرة عليها أو تحويلها إلى مناطق أمنية مغلقة.

وتقود المشروع منظمتان استيطانيتان بارزتان هما "هبايتا"، المعنية باستيعاب المهاجرين اليهود وتوطينهم، و”الاتحاد الزراعي”، الذي يُعد أحد أبرز أذرع الحركة الاستيطانية منذ ثمانينيات القرن الماضي. ورغم تقديم المشروع باعتباره مبادرة أهلية، فإن مراقبين يرون أنه يحظى بدعم سياسي ومؤسسي مباشر من الحكومة الإسرائيلية.

ويؤكد التفكجي وآخرون أن تنفيذ مثل هذه الخطة لا يمكن أن يتم من دون حماية الجيش الإسرائيلي، الأمر الذي يجعلها، من الناحية العملية، مشروعاً حكومياً حتى وإن حملت غطاءً مدنياً. فإقامة البؤر، وتأمين الحماية العسكرية، وتوفير التمويل، والمصادقة السياسية، جميعها قرارات مرتبطة بمؤسسات الدولة الإسرائيلية، وليست مجرد مبادرات تنفذها مجموعات من المستوطنين بصورة مستقلة.

وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن المشروع وصل بالفعل إلى مجلس الوزراء، ويحظى بدعم شخصيات نافذة داخل حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وفي مقدمتها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي يعد أحد أبرز قادة التيار الاستيطاني، ومن المؤسسين التاريخيين لـ"الاتحاد الزراعي" الذي يقود هذه المبادرة.

ويأتي هذا التطور في ظل سلسلة من التغييرات القانونية والإدارية التي شهدتها الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة، حيث جرى نقل جزء كبير من صلاحيات إدارة الاحتلال من المؤسسة العسكرية إلى أجهزة مدنية يسيطر عليها مسؤولون من التيار الاستيطاني، وهو ما أدى إلى تسريع إجراءات المصادقة على مشاريع البناء الاستيطاني، وتقليص القيود البيروقراطية التي كانت تؤخر تنفيذها في السابق.

وبحسب التفكجي، كانت المشاريع الاستيطانية تمر سابقاً بمراجعات أمنية وعسكرية معقدة قبل عرضها على الحكومة مرتين سنوياً، أما اليوم فقد أصبحت تخضع للجان مدنية تعقد اجتماعات أسبوعية للموافقة على المشاريع الجديدة، في تغيير وصفه سموتريتش سابقاً بأنه "تغيير في الحمض النووي للنظام"، في إشارة إلى التحول البنيوي في آلية إدارة الضفة الغربية.

كما أقرت الحكومة الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية إجراءات جديدة تسمح للإسرائيليين بشراء العقارات داخل المنطقتين (أ) و(ب)، إلى جانب توسيع صلاحيات المؤسسات الإسرائيلية في إدارة المواقع التاريخية والدينية الفلسطينية، وهي خطوات يرى محللون أنها تشكل جزءاً من سياسة ضم تدريجية، تهدف إلى نقل السيطرة الإسرائيلية من المستوى العسكري المؤقت إلى مستوى السيادة المدنية الدائمة.

وترافقت هذه الإجراءات مع خطوات تشريعية اتخذها الكنيست، شملت رفض إقامة دولة فلسطينية، ثم إصدار مواقف مؤيدة لضم الضفة الغربية، بما وفر غطاءً سياسياً لمشروعات كانت تُعد حتى وقت قريب شديدة الحساسية على الصعيدين الداخلي والدولي.

وكان سموتريتش قد أعلن في أكثر من مناسبة أن هدفه يتمثل في "القضاء على فكرة الدولة الفلسطينية"، وإنهاء اتفاق أوسلو "رسمياً وعملياً"، وهو ما يرى مراقبون أن خطة “يوم الحسم” تمثل التطبيق الميداني الأكثر وضوحاً لهذه الرؤية السياسية.

تحول من إدارة الاحتلال إلى فرض السيادة

تكمن أهمية المشروع في أنه يعكس انتقالاً من سياسة توسعة المستوطنات إلى استراتيجية اختراق المدن الفلسطينية نفسها. فالهدف لم يعد الاكتفاء بإحاطة التجمعات الفلسطينية بأحزمة استيطانية، بل إنشاء نقاط ارتكاز داخلها أو بمحاذاتها المباشرة، بما يجعل أي انسحاب إسرائيلي مستقبلي أكثر تعقيداً سياسياً وأمنياً، ويحول الوجود الاستيطاني إلى عنصر دائم يصعب تفكيكه.

ومن هذا المنطلق، لا تتعلق خطورة المشروع بعدد البؤر الاستيطانية المقترحة بقدر ما ترتبط بالفلسفة التي يقوم عليها. فالسيطرة على المفترقات والمرتفعات والمواقع الدينية والإدارية تعني عملياً إعادة رسم الخريطة الأمنية والديموغرافية للضفة الغربية، بحيث تصبح المدن الفلسطينية محاطة بشبكة من نقاط السيطرة الإسرائيلية، الأمر الذي يقوض التواصل الجغرافي ويحول دون نشوء كيان فلسطيني متماسك.

الحركة الاستيطانية من جماعة ضغط إلى شريك في الحكم

تكشف الخطة أيضاً عن تحول عميق في بنية صنع القرار داخل إسرائيل. فالحركة الاستيطانية لم تعد مجرد تيار ضغط يؤثر في الحكومات، بل أصبحت شريكاً مباشراً في رسم السياسات وإدارة مؤسسات الاحتلال. وقد أدى انتقال صلاحيات الإدارة المدنية إلى شخصيات تنتمي إلى التيار الاستيطاني إلى تسريع إجراءات البناء والضم، وتراجع دور الاعتبارات الأمنية والدبلوماسية التي كانت في السابق تؤخر بعض المشاريع أو تحد من نطاقها.

ويعكس ذلك اندماج المشروع الاستيطاني في صلب مؤسسات الدولة، بحيث لم يعد الاستيطان مجرد أداة تفاوضية أو ورقة سياسية، بل أصبح الإطار الحاكم للرؤية الإسرائيلية تجاه مستقبل الضفة الغربية، بما يحول الضم من خيار مطروح إلى عملية متدرجة تتراكم عبر الوقائع الميدانية.

اختبار جديد للمجتمع الدولي

في المقابل، تضع هذه التطورات المجتمع الدولي أمام اختبار متجدد بشأن قدرته على حماية الأسس القانونية والسياسية التي قامت عليها عملية السلام. فمنذ سنوات، اقتصر الرد الدولي على بيانات الإدانة والدعوات إلى وقف الاستيطان، من دون ترجمة ذلك إلى إجراءات عملية أو ضغوط سياسية مؤثرة.

ويرى محللون أن انشغال القوى الدولية بأزمات عالمية وإقليمية أخرى، إلى جانب غياب إرادة غربية حقيقية لفرض كلفة سياسية على إسرائيل، وفر للحكومة الإسرائيلية مساحة واسعة للمضي في مشاريعها الاستيطانية بوتيرة متسارعة. وإذا استمرت هذه المعادلة، فإن الوقائع التي تُفرض اليوم على الأرض قد تتحول مع مرور الوقت إلى حدود سياسية جديدة، تجعل حل الدولتين أقرب إلى إطار نظري منه إلى مشروع قابل للتطبيق، وتكرس مرحلة جديدة يصبح فيها إنهاء اتفاق أوسلو واقعاً عملياً أكثر منه إعلاناً سياسياً.

 

دلالات

شارك برأيك

خطة استيطانية تستهدف قلب الضفة الغربية: مئة بؤرة جديدة تدفع نحو إنهاء عملي لاتفاق أوسلو

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.