عربي ودولي

الثّلاثاء 16 يونيو 2026 4:52 مساءً - بتوقيت القدس

نيويورك تايمز: ترامب يجر الولايات المتحدة نحو هزيمة استراتيجية أمام إيران

شنت صحيفة نيويورك تايمز هجوماً حاداً على سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه طهران، مؤكدة في افتتاحيتها الأخيرة أن الولايات المتحدة خرجت من المواجهة العسكرية الأخيرة بوضع أضعف مما كانت عليه. وأوضحت الصحيفة أن التهور في اتخاذ قرارات الحرب أدى إلى نتائج عكسية، حيث تضررت القوة الدبلوماسية والاقتصادية لواشنطن بشكل سيصعب ترميمه في المدى المنظور.

ورغم ترحيب الصحيفة المبدئي بالتوصل إلى إطار لاتفاق ينهي القتال، إلا أنها اعتبرت الشروط المعلنة بمثابة اعتراف بالهزيمة. فقد تراجع ترامب عن وعوده السابقة بتحقيق نصر كامل وإجبار إيران على استسلام غير مشروط، لينتهي به المطاف بقبول بنود تشبه إلى حد كبير الاتفاق النووي الذي أبرمه سلفه باراك أوباما عام 2015.

وأشارت مصادر إعلامية إلى أن الحرب التي استمرت أربعة أشهر أثبتت عدم دقة تقديرات البيت الأبيض بشأن قدرة النظام الإيراني على الصمود. فبينما كان ترامب يطمح لتغيير النظام ومنع تخصيب اليورانيوم نهائياً، لا تزال الحكومة في طهران ممسكة بزمام الأمور، مع بقاء البرنامج النووي قائماً كملف للتفاوض المستقبلي.

لقد كان إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران رداً على الهجمات الأمريكية نقطة تحول استراتيجية في الصراع، حيث تسبب في شلل جزئي للملاحة العالمية وضغوط اقتصادية هائلة. وترى الصحيفة أن إعادة فتح المضيق ضمن إطار التهدئة ليس إنجازاً لترامب، بل هو مجرد عودة لحالة ما قبل الحرب التي تسبب هو في اندلاعها.

وعلى الرغم من الخسائر الفادحة التي تكبدتها إيران في بنيتها العسكرية وقيادتها السياسية، بما في ذلك فقدان المرشد الأعلى، إلا أنها خرجت بانتصار معنوي واستراتيجي. فقد أثبتت طهران للعالم أن القوة العسكرية الأمريكية، رغم تفوقها التكنولوجي، عاجزة عن حسم الصراع ضد خصم يمتلك إرادة القتال والقدرة على المناورة.

أفادت مصادر بأن الجيش الأمريكي استنزف كميات هائلة من ترسانته الصاروخية المتطورة وطائراته الاعتراضية دون تحقيق الأهداف السياسية المرجوة. هذا الاستنزاف يضعف قدرة الولايات المتحدة على ردع خصوم دوليين آخرين، ويجعل حلفاءها في أوروبا وآسيا يشككون في مدى فاعلية المظلة الأمنية الأمريكية في الأزمات الكبرى.

وانتقدت الافتتاحية تجاهل ترامب للدستور الأمريكي من خلال شن الحرب دون الحصول على تفويض من الكونغرس، مما عمق الانقسام الداخلي. كما أن تجاهله لمواقف الحلفاء الدوليين الذين عارضوا التصعيد العسكري أدى إلى عزلة واشنطن، وجعلها تتحمل تبعات الحرب الاقتصادية والسياسية بمفردها دون غطاء دولي كافٍ.

وتشير التقارير إلى أن ترامب اعتمد بشكل مفرط على تقييمات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي توقع انهياراً سريعاً للنظام الإيراني. وقد ثبت أن هذه التوقعات كانت 'سخيفة' وغير واقعية، حيث تجاهل الرئيس الأمريكي نصائح مساعديه العسكريين الذين حذروا من تعقيدات الجغرافيا والقدرات الدفاعية الإيرانية.

قبل اندلاع الهجوم الواسع في فبراير 2026، كانت إيران تعاني من أزمات اقتصادية واحتجاجات شعبية واسعة كادت تعصف بالنظام. إلا أن الحرب، وفقاً للصحيفة، منحت النظام الإيراني قبلة حياة جديدة وسمحت له بحشد الجبهة الداخلية تحت شعار مواجهة العدوان الخارجي، مما أضاع فرصة التغيير من الداخل.

إن التهديدات التي أطلقها ترامب بتدمير 'الحضارة الإيرانية' لم تنجح في إرهاب الخصم، بل ساهمت في تقويض المكانة الأخلاقية للولايات المتحدة. هذه التصريحات جعلت واشنطن تبدو كقوة معتدية لا تحترم التراث الإنساني، مما أثار استياءً واسعاً حتى بين الشعوب الصديقة للولايات المتحدة في المنطقة وخارجها.

وترى الصحيفة أن إيران، رغم كونها 'قوة شريرة' تقمع شعبها وتدعم الإرهاب، قد اكتسبت نفوذاً جديداً لم تكن تحلم به قبل عامين. فقد أدرك العالم أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لفتح الممرات المائية الحيوية، وأن طهران تمتلك الآن سلاحاً اقتصادياً فعالاً يمكنها استخدامه في أي مواجهة مستقبلية.

يحتاج البنتاغون الآن إلى عملية تحديث شاملة وإعادة تقييم لاستراتيجيات حروب المستقبل بعد الدروس القاسية التي تلقاها في هذه المواجهة. ومع ذلك، تشكك الصحيفة في قدرة الإدارة الحالية على إجراء هذه الإصلاحات الضرورية، نظراً لغياب التخطيط المدروس والاعتماد على القرارات الارتجالية والمواقف الشخصية.

إن إصلاح الضرر الذي لحق بالتحالفات الأمريكية في الشرق الأوسط وأوروبا يتطلب جهداً دبلوماسياً جباراً قد يستغرق سنوات. فالدول التي تضررت من تبعات الحرب الاقتصادية لن تثق بسهولة في القيادة الأمريكية مرة أخرى، خاصة بعد أن رأت كيف يمكن لقرار متهور أن يهدد استقرار الاقتصاد العالمي بأكمله.

في الختام، يمثل إطار السلام الحالي نكسة تاريخية للسياسة الخارجية الأمريكية، حيث لم يحقق أياً من أهدافه المعلنة بل كرس واقعاً جديداً تكون فيه إيران أكثر جرأة. لقد أثبتت هذه التجربة أن الغطرسة السياسية وعدم احترام القوانين الدولية يؤديان حتماً إلى نتائج كارثية تضعف الأمة وتستنزف مواردها دون طائل.

دلالات

شارك برأيك

نيويورك تايمز: ترامب يجر الولايات المتحدة نحو هزيمة استراتيجية أمام إيران

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.