أجمع خبراء ومحللون دوليون على أن المواجهة العسكرية التي شهدها الشرق الأوسط على مدار الأشهر الأربعة الماضية لم تسفر عن منتصر واضح بالمعنى التقليدي. وبالرغم من الضعف الذي أصاب البنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية، إلا أن طهران نجحت في إحباط الأهداف الاستراتيجية الكبرى التي وضعتها الولايات المتحدة وإسرائيل نصب أعينهما عند اندلاع الصراع.
يأتي هذا التقييم في أعقاب توقيع مذكرة تفاهم مفاجئة بين واشنطن وطهران في سويسرا، وهي الخطوة التي أرجأت البت في القضايا الأكثر تعقيداً وفتحت الباب أمام ستين يوماً من المفاوضات الشاقة. هذا الاتفاق وضع إسرائيل في موقف حرج على الهامش، بينما تحاول القوى الكبرى إعادة ترتيب أوراقها في المنطقة المضطربة.
تخرج إيران من هذا الصراع مثقلة بجراح غائرة، لا سيما بعد الضربة القاصمة التي تلقتها في اليوم الأول للحرب والمتمثلة في مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي. ورغم غياب خليفته المفترض، ابنه مجتبى خامنئي، عن المشهد العلني حتى الآن، إلا أن هيكل السلطة في طهران أظهر تماسكاً غير متوقع أمام الضربات الجوية المكثفة.
يرى الباحث روس هاريسون أن إيران حققت 'انتصار البقاء'، حيث منعت خصومها من إسقاط النظام أو تدمير قدراتها البالستية والنووية بشكل نهائي. واعتبر هاريسون أن طهران استطاعت إعادة ترسيخ مفهوم الردع الخاص بها، وإن كان ذلك قد تم بدفع أثمان باهظة جداً على المستويين البشري والمادي.
من جانبها، أشارت الباحثة برجو أوزجيليك إلى أن قدرة طهران على تهديد مضيق هرمز ظلت الورقة الأقوى في يدها طوال فترة النزاع. وأوضحت أن استمرار هذا التهديد سيلقي بظلاله على الأمن الإقليمي لسنوات طويلة، حيث ستستخدمه إيران كأداة ضغط لانتزاع تنازلات كبرى خلال جولات التفاوض المقبلة مع الإدارة الأمريكية.
تضمن الاتفاق الأخير بنوداً تمنح إيران متنفساً اقتصادياً كبيراً، من بينها استعادة مليارات الدولارات من الأصول المجمدة في الخارج وتعليق العقوبات المفروضة على قطاع النفط. وفي مقابل ذلك، وافقت طهران على إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، مع الاحتفاظ بحق فرض رسوم عبور بموجب بند قانوني أضيف في اللحظات الأخيرة للمفاوضات.
على الجانب الأمريكي، سارع الرئيس دونالد ترامب لوصف الاتفاق بأنه انتصار تاريخي، تزامناً مع احتفاله ببلوغه سن الثمانين. ويرى مراقبون أن دافع ترامب الأساسي كان خفض أسعار الطاقة العالمية وتأمين تدفق النفط، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس التي تمثل اختباراً حقيقياً لشعبيته وحزبه.
استراتيجياً وجيوسياسياً، الفائز الحقيقي الوحيد في هذه المرحلة هو إيران، لكنه انتصار عالي التكلفة دفعته طهران لمنع خصومها من تحقيق أهدافهم.
إلا أن محللين فرنسيين، ومنهم برنار أوركاد، يرون أن ما حققه ترامب هو 'انتصار إعلامي' لا سياسي، مؤكدين أن الحرب أثبتت حدود القوة العسكرية الأمريكية. وأضاف أوركاد أن الولايات المتحدة فقدت جزءاً كبيراً من مصداقيتها الدولية بعد فشلها في حسم الصراع عسكرياً واللجوء في النهاية إلى طاولة المفاوضات مع نظام كانت تسعى لإسقاطه.
تراقب عواصم كبرى مثل موسكو وبكين نتائج هذا الصراع بدقة متناهية، لاستخلاص الدروس حول كيفية إدارة واشنطن لتحالفاتها وأزماتها الدولية. ويرى خبراء أمنيون أن الطريقة التي انتهت بها الحرب ستؤثر بشكل مباشر على صياغة الأزمات المستقبلية في مناطق أخرى من العالم، بعيداً عن حدود الشرق الأوسط.
في المقابل، تبدو إسرائيل هي الطرف الأكثر تضرراً من هذا المسار الدبلوماسي، حيث وُصفت بأنها 'الخاسر الأكبر' في هذه الجولة. فقد أدى تأجيل البت في الملف النووي الإيراني إلى تبديد الآمال الإسرائيلية في إنهاء هذا التهديد بشكل قطعي، كما تراجع زخم التطبيع والعلاقات الاستراتيجية مع دول المنطقة.
يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضغوطاً داخلية هائلة وانتقادات من حليفه الأمريكي نفسه، حيث وصفه ترامب بأنه 'رجل صعب'. وتتهم المعارضة الإسرائيلية نتنياهو بالفشل في تحقيق أي من أهداف الحرب، بل وتعريض أمن إسرائيل للخطر من خلال عمليات عسكرية في لبنان كادت أن تعصف بالمفاوضات الكبرى.
وبالرغم من أن الاتفاق ينص على وقف العمليات القتالية بين إسرائيل وحزب الله، إلا أن جذور الصراع في لبنان لا تزال قائمة دون حلول جذرية. ويحذر مراقبون من أن استمرار الدعم الإيراني للفصائل المسلحة سيظل العقبة الرئيسية التي قد تفجر الأوضاع مجدداً في أي لحظة خلال فترة الستين يوماً القادمة.
تظل المسألة النووية الإيرانية هي 'القنبلة الموقوتة' التي لم يلمسها الاتفاق الحالي بشكل مباشر، تاركاً إياها لمفاوضات ماراثونية مرتقبة. ورغم تأكيدات ترامب المتكررة بأن إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أن طهران باتت أقرب من أي وقت مضى لامتلاك التكنولوجيا اللازمة.
ختاماً، يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة 'الهدنة القلقة'، حيث يسعى كل طرف لترميم خسائره والاستعداد للجولة القادمة من الصراع الدبلوماسي. وبينما تحتفل واشنطن بعودة تدفق النفط، وتتحصن طهران بمكاسبها السياسية، تبقى إسرائيل في حالة ترقب وقلق من مستقبل غامض لا يضمن أمنها القومي كما كانت تأمل.





شارك برأيك
موازين القوى بعد حرب إيران: طهران تنجو سياسياً وإسرائيل تواجه انتكاسة استراتيجية