د. رائد الدبعي: الاتفاق المحتمل لن يكون قادراً على إنهاء أسباب الخلاف الرئيسية بين الجانبين نظراً لاستمرار التباينات العميقة حول ملفات استراتيجية معقدة..
عريب الرنتاوي: شمول لبنان في أي مذكرة تفاهم مرتقبة قد يشكل فرصة مهمة لدعم الاستقرار وفتح الباب أمام تثبيت وقف إطلاق النار..
د. قصي حامد: أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران سيبقى وفق المعطيات الحالية اتفاقاً هشاً وذا طابع اضطراري فرضته الظروف السياسية والأمنية للطرفين
د. جمال حرفوش: الجدية في التفاوض لا تعني بالضرورة اقتراب التوصل إلى اتفاق نهائي والملفات الجوهرية ما تزال تشكل عقبات أمام أي تفاهم شامل
سامر عنبتاوي: نجاح الاتفاق المرتقب سيبقى مرتبطاً بقدرة الولايات المتحدة على إلزام إسرائيل بتنفيذ التفاهمات المتعلقة بلبنان وبقية الساحات الإقليمية
د. أسامة عبد الله: المرحلة الراهنة تمثل اختباراً متبادلاً للنوايا أكثر من كونها مساراً نحو اتفاق تاريخي رغم جدية التحركات السياسية القائمة
رام الله - خاص ب"القدس"-
تتزايد المؤشرات السياسية والإعلامية حول اقتراب واشنطن وطهران من بلورة تفاهم جديد، في وقت ينظر إلى أن ما يجري لا يرقى بعد إلى مستوى اتفاق نهائي شامل، بل يندرج ضمن مسار تفاوضي معقد يهدف إلى إدارة التوتر وتخفيف احتمالات الانفجار الإقليمي.
ويذهب عدد من الكتاب والمحللين السياسيين وأساتذة الجامعات، في أحاديث منفصلة مع "القدس"، إلى أن دوافع الطرفين ترتبط بإدراك متزايد لكلفة التصعيد، مقابل الحاجة إلى ترتيبات تضمن استقرار الملاحة الدولية وأسواق الطاقة، مع بقاء ملفات أساسية عالقة تشمل البرنامج النووي، الصواريخ الباليستية، النفوذ الإقليمي، والعلاقة مع إسرائيل، إلى جانب قضايا مضيقي هرمز وباب المندب والعقوبات الاقتصادية، مشيرين إلى أن أي تفاهم محتمل قد يتوسع ليشمل الساحات الإقليمية المختلفة، بما يعكس ترابط أزمات الشرق الأوسط وتشابكها من الخليج إلى البحر الأحمر وصولاً إلى غزة ولبنان.
ويرى البعض أن إدراج الجبهات الإقليمية ضمن أي اتفاق محتمل يعكس تحولاً في المقاربة الدولية، يقوم على الاعتراف بإيران كقوة إقليمية مؤثرة لا يمكن تجاوز دورها، مقابل سعي أميركي لإدارة النفوذ بدل الصدام المباشر.
غير أن هذا المسار، وفق تقديرات أخرى، يظل هشاً ومفتوحاً على احتمالات التراجع، في ظل استمرار التباينات بين المواقف الأميركية والإيرانية، وتداخل العامل الإسرائيلي في معادلات القرار الإقليمي.
ويتفق الكتاب والمحللون وأساتذة الجامعات على أن الاتفاق، إن تم، لن يكون حلاً نهائياً للصراع، بل انتقالاً من مرحلة المواجهة المفتوحة إلى مرحلة جديدة من ضبط قواعد الاشتباك وإدارة التوازنات، كما أن استمرار بؤر التوتر في لبنان وسوريا وغزة والضفة الغربية يبقي احتمالات التصعيد قائمة، في ظل تباين مواقف القوى الدولية والإقليمية.
مسار جدي.. ولكن
يعتبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية د.رائد الدبعي أن المعطيات السياسية الراهنة تشير إلى وجود مسار جدي بين الولايات المتحدة وإيران للتوصل إلى اتفاق إطار ينظم العلاقة بين الطرفين ويحد من احتمالات التصعيد، لكنه لا يرقى إلى مستوى تسوية نهائية أو إنهاء جذري للصراع القائم بينهما.
ويوضح الدبعي أن التوجه نحو هذا النوع من الاتفاقات يعكس قناعة متزايدة لدى واشنطن وطهران بأن استمرار التوتر والمواجهة المفتوحة يحمل كلفة استراتيجية وأمنية واقتصادية مرتفعة تفوق كلفة التوصل إلى تفاهم مرحلي يضمن إدارة الخلافات بدلاً من حسمها.
مصالح الطرفين
ويشير الدبعي إلى أن الولايات المتحدة تسعى بصورة أساسية إلى منع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، خصوصاً بعد التطورات العسكرية الأخيرة وما رافقها من تهديدات للملاحة الدولية، إلى جانب الحرص على استقرار أسواق الطاقة العالمية التي تأثرت بشكل مباشر بالتوترات الإقليمية.
ويبيّن الدبعي أن إيران تنظر إلى الاتفاق باعتباره فرصة لتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، واستعادة جزء من أصولها المالية المجمدة، والحفاظ على موقعها ونفوذها الإقليمي، مستفيدة من أوراق القوة التي تمتلكها في المنطقة.
البحث عن صيغة تفاهم جديدة
ويؤكد الدبعي أن الضغوط الدولية المرتبطة بأمن الطاقة وحركة التجارة العالمية دفعت مختلف الأطراف إلى البحث عن صيغة تفاهم جديدة تقوم على إدارة الصراع ووضع قواعد اشتباك أكثر وضوحاً خلال السنوات المقبلة.
ويشير الدبعي إلى أن الاتفاق المحتمل لن يكون قادراً على إنهاء أسباب الخلاف الرئيسية بين الجانبين، نظراً لاستمرار التباينات العميقة حول ملفات استراتيجية معقدة تشمل البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، وأمن مضيقي هرمز وباب المندب، والعقوبات الاقتصادية، والعلاقة مع إسرائيل، إضافة إلى النفوذ الإيراني الإقليمي ودور حلفائها في المنطقة.
فرصة إيران بفرض رؤيتها
وفي ما يتعلق بالحديث عن شمول الاتفاق لجميع الجبهات، يعتبر الدبعي أن هذه المسألة تحمل دلالات استراتيجية مهمة، إذ تعكس نجاح إيران في فرض رؤيتها القائمة على اعتبار أمنها القومي ونفوذها الإقليمي ملفاً واحداً غير قابل للتجزئة.
وبحسب الدبعي، فإنه من هذا المنطلق، ترفض طهران الفصل بين الملف النووي والقضايا المرتبطة بلبنان والعراق وسوريا والخليج والبحر الأحمر، وحتى الترتيبات الأمنية المتصلة بإسرائيل.
ويشير الدبعي إلى أن إدراج هذه الملفات ضمن إطار تفاوضي واحد يعكس اعترافاً أميركياً عملياً بمكانة إيران كقوة إقليمية مؤثرة تمتلك أدوات نفوذ مباشرة في عدد من ساحات الشرق الأوسط، خاصة بعد نجاحها في توظيف أوراق الضغط الاستراتيجية المرتبطة بالملاحة والطاقة.
الانتقال من مرحلة المواجهة المفتوحة
ويؤكد الدبعي أن أي اتفاق يشمل مختلف الجبهات لن يعني إنهاء الصراعات أو معالجة جذورها، بل الانتقال من مرحلة المواجهة المفتوحة إلى مرحلة جديدة من إدارة التوازنات الإقليمية.
ويشير الدبعي إلى أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ في لبنان وسوريا وقطاع غزة والضفة الغربية يبقي أسباب التوتر والصراع قائمة، ما يجعل المنطقة عرضة لجولات جديدة من التصعيد، خصوصاً في ظل احتمال وجود تباينات بين ما قد تقبل به الولايات المتحدة وما قد ترفضه إسرائيل.
التفاهم أصبح أقرب من أي وقت مضى
يرجّح مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي اقتراب التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن المؤشرات السياسية والدبلوماسية المتراكمة خلال الفترة الأخيرة توحي بأن التفاهم أصبح أقرب من أي وقت مضى، وقد يرى النور خلال ساعات أو أيام قليلة، ما لم تطرأ تطورات مفاجئة أو يتراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن المسار القائم، في ظل ما يُعرف عنه من مواقف متقلبة وغير متوقعة.
ويوضح الرنتاوي أن البيئة السياسية المحيطة بالمفاوضات باتت أكثر نضجاً من السابق، مشيراً إلى أن الطرفين يدركان حجم المخاطر المترتبة على الانزلاق نحو حرب شاملة في المنطقة، وما قد تسببه من أكلاف سياسية واقتصادية وأمنية باهظة.
دول الوساطة لا ترغب بانفجار مواجهة واسعة
ويلفت الرنتاوي إلى أن الدول المنخرطة في جهود الوساطة والمساعي الدبلوماسية، وفي مقدمتها دول الخليج ومصر وتركيا وباكستان، لا ترغب في انفجار مواجهة واسعة قد تجعلها تدفع أثماناً مباشرة نتيجة تداعياتها الإقليمية.
ورغم تفاؤله بإمكانية التوصل إلى الاتفاق، يدعو الرنتاوي إلى التحلي بالحذر في قراءة المشهد، مذكراً بأن ترمب أعلن عشرات المرات خلال الشهرين الماضيين عن قرب التوصل إلى اتفاق من دون أن يترجم ذلك عملياً.
وبحسب الرنتاوي، فإن الاتفاق يبقى احتمالاً قائماً إلى أن يتم توقيعه رسمياً، فيما تظل احتمالات التراجع أو الانتكاس واردة حتى اللحظات الأخيرة.
الاتفاق قد يشمل مختلف ساحات التوتر الإقليمية
ويؤكد الرنتاوي أن المتابعة الدقيقة للمواقف والتسريبات الصادرة عن مختلف الأطراف تشير إلى أن الاتفاق المرتقب لا يقتصر على الملفات الثنائية بين واشنطن وطهران، بل يشمل مختلف ساحات التوتر الإقليمية، في إطار مقاربة تقوم على وحدة الجبهات أو الساحات.
ويشير إلى أن مصادر أميركية وإيرانية وإسرائيلية تحدثت بصورة متقاربة عن هذا التوجه، فيما أكد الوسيط الباكستاني أن الوضع في لبنان يحتل موقعاً متقدماً ضمن التفاهمات المنتظر إبرامها.
إدراج لبنان يعكس نجاحاً لإيران
ويرى الرنتاوي أن إدراج لبنان ضمن الاتفاق المحتمل يعكس نجاح إيران في التمسك بمطلب ربط الساحات الإقليمية بعضها ببعض، وهو المطلب الذي رفعته منذ بداية الحرب وواجه آنذاك تشكيكاً واسعاً من أطراف عربية وإقليمية.
ويشير أن التطورات الميدانية والتجاذبات العسكرية المتبادلة بين إيران وإسرائيل خلال الأشهر الماضية أظهرت جدية طهران في الدفاع عن هذا التوجه واستعدادها لتحمل تبعاته.
ويؤكد الرنتاوي أن شمول لبنان في أي مذكرة تفاهم مرتقبة قد يشكل فرصة مهمة لدعم الاستقرار وفتح الباب أمام تثبيت وقف إطلاق النار.
ويدعو الرنتاوي القوى اللبنانية، خصوصاً المؤسسات الرسمية، إلى التعامل مع هذه المعطيات بوصفها فرصة سياسية يمكن استثمارها لصالح لبنان، بدلاً من الانشغال بالخلافات الداخلية أو السجالات المرتبطة بدور إيران، معتبراً أن المرحلة المقبلة قد تدفع مختلف الأطراف اللبنانية والعربية إلى البحث عن سبل الاستفادة من هذا التحول الإقليمي الجديد.
فجوات جوهرية ما تزال قائمة
يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس المفتوحة د.قصي حامد أن الحديث المتصاعد عن قرب التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لا يعني بالضرورة أن الطرفين باتا على أعتاب توقيع تفاهم نهائي وشامل، مشيراً إلى أن فجوات جوهرية ما تزال قائمة بين الجانبين رغم الحراك السياسي والمفاوضات المستمرة خلال الفترة الأخيرة.
مساعٍ للتوصل إلى صيغة أقرب للتفاهم
ويوضح حامد أن المؤشرات الحالية تعكس وجود مساعٍ للوصول إلى صيغة أقرب للتفاهم، إلا أن التصريحات المتناقضة الصادرة عن المسؤولين الأميركيين والإيرانيين تكشف استمرار التباين في فهم طبيعة الاتفاق ومضمونه، فالإدارة الأميركية تطرح الاتفاق باعتباره إطاراً يفرض قيوداً على إيران في ملفات تتعلق بالبرنامج النووي والأسلحة والمسيرات وحرية الملاحة في مضيق هرمز، بينما تنظر طهران إلى التفاهم بصورة مختلفة، إذ تسعى إلى إبقاء الملف النووي ضمن دائرة التفاوض وفق رؤيتها وشروطها الخاصة دون القبول بإملاءات مباشرة بشأنه.
وبحسب حامد، فإن هذا التباين يجعل من الصعب الحديث عن اتفاق صلب وقادر على إنهاء حالة التوتر بين الطرفين، مرجحاً أن يقتصر الأمر، في حال التوصل إلى تفاهم، على مذكرة أو إطار تفاهم مؤقت يهدف إلى تأجيل المواجهة وخفض احتمالات التصعيد بدلاً من معالجة جذور الخلافات القائمة.
الهدف الأكثر إلحاحاً
ويشير حامد إلى أن الهدف الأكثر إلحاحاً بالنسبة للطرفين يتمثل في ضمان استمرار حركة الملاحة وفتح مضيق هرمز وتجنب أي تطورات قد تهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي، وهو ما يشكل نقطة التقاء أساسية بين واشنطن وطهران.
ويشير حامد إلى أن بقية الملفات، وفي مقدمتها الملف النووي والملفات الإقليمية، ستظل عرضة للخلافات والتجاذبات السياسية.
الساحة اللبنانية إحدى أبرز العقبات
ويلفت حامد إلى أن الساحة اللبنانية تمثل إحدى أبرز العقبات أمام نجاح أي تفاهم مستقبلي، موضحاً أن إيران تنظر إلى لبنان باعتباره جزءاً أساسياً من أي ترتيبات إقليمية محتملة وتسعى إلى إدراجه ضمن التفاهمات مع الولايات المتحدة.
ويرى حامد أن إسرائيل تمتلك تأثيراً كبيراً في فرص نجاح أو فشل هذه التفاهمات، لا سيما في ظل رغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الإبقاء على هامش واسع من التحكم في الجبهة اللبنانية ولاسيما الضغط على الحكومة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله، ورفضه أي ترتيبات قد تؤدي إلى تعزيز ما يُعرف بوحدة الساحات بين إيران وحلفائها.
اتفاق هش وذو طابع اضطراري
ويشير حامد إلى أن أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران سيبقى، وفق المعطيات الحالية، اتفاقاً هشاً وذا طابع اضطراري فرضته الظروف السياسية والأمنية للطرفين، بينما تظل ملفات لبنان والبرنامج النووي من أبرز القضايا القادرة على إعادة إشعال التوتر والمواجهة في المنطقة، ما يجعل فرص الوصول إلى تسوية شاملة ومستقرة أمراً لا يزال بعيد المنال.
مسار تفاوضي أكثر نضجاً وجدية
يرى أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل د.جمال حرفوش، أن الحديث المتزايد عن اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران تجاوز في المرحلة الراهنة إطار التسريبات الإعلامية والرسائل السياسية المتبادلة عبر الوسطاء، ليعكس مساراً تفاوضياً أكثر نضجاً وجدية مقارنة بالسنوات الماضية، في ظل إدراك متبادل لدى الطرفين لحجم التحديات التي يفرضها استمرار التوتر والصراع المفتوح في المنطقة.
ويوضح أن الإدارة الأميركية باتت تنظر إلى استمرار حالة الاشتباك الإقليمي باعتبارها عاملاً يستنزف مصالحها الاستراتيجية ويهدد استقرار حلفائها، فيما تواجه إيران ضغوطاً اقتصادية متراكمة وعقوبات واسعة دفعتها إلى البحث عن مخرج يتيح لها تخفيف الأعباء الاقتصادية والسياسية التي تواجهها، الأمر الذي أسهم في تهيئة بيئة أكثر استعداداً للانخراط في مفاوضات جدية.
الجدية لا تعني اقتراب التوصل لاتفاق نهائي
ورغم هذه المؤشرات، يشدد حرفوش على أن الجدية في التفاوض لا تعني بالضرورة اقتراب التوصل إلى اتفاق نهائي، موضحاً أن عدداً من الملفات الجوهرية ما يزال يشكل عقبات أمام أي تفاهم شامل، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، والدور الإقليمي لإيران، إضافة إلى مسألة الضمانات المتبادلة المتعلقة بتنفيذ أي اتفاق مستقبلي.
اختبار الإرادات
ويعتبر حرفوش أن المرحلة الحالية أقرب إلى "اختبار الإرادات" بين الجانبين منها إلى مرحلة حسم نهائي.
ويشير حرفوش إلى أن المعطيات المتوافرة حالياً تعكس وجود رغبة مشتركة لدى واشنطن وطهران للانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة التفاهمات، إلا أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الطرفين على تقديم تنازلات محسوبة تضمن الحفاظ على التوازنات السياسية الداخلية لكل منهما، إلى جانب مراعاة مصالح الحلفاء والشركاء الإقليميين.
وفي ما يتعلق بالتقديرات التي تتحدث عن اتفاق لا يقتصر على الملف النووي فقط، بل يمتد ليشمل مختلف ساحات التوتر في المنطقة، يوضح حرفوش أن ذلك يحمل دلالات استراتيجية عميقة، إذ يعكس قناعة متزايدة لدى الأطراف المعنية بأن أزمات الشرق الأوسط مترابطة، وأن معالجة أي ملف بمعزل عن الملفات الأخرى لم تعد خياراً واقعياً، في ظل تشابك الأوضاع في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحر الأحمر وقطاع غزة.
إعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمي
ويعتقد حرفوش أن توسيع نطاق التفاهمات المحتملة ليشمل هذه الملفات يشير إلى انتقال المفاوضات من مستوى الاتفاقات التقنية المحدودة إلى مستوى إعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمي وتنظيم النفوذ بين القوى الفاعلة، بما يحد من احتمالات المواجهة المباشرة وغير المباشرة.
وبحسب حرفوش، فإن أي اتفاق شامل من هذا النوع ستكون له انعكاسات مباشرة على القضية الفلسطينية وموازين القوى والتحالفات الإقليمية، وقد يمثل بداية مرحلة جديدة تهدف إلى معالجة جذور التوتر المزمن في الشرق الأوسط وفتح الباب أمام استقرار نسبي إذا توافرت الإرادة السياسية اللازمة لدى جميع الأطراف.
خطوة قد تمهد لمرحلة جديدة من المفاوضات
يعتقد الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي أن المؤشرات السياسية المتداولة خلال الأيام الأخيرة توحي باقتراب التوصل إلى اتفاق نوايا بين الولايات المتحدة وإيران، في خطوة قد تمهد لمرحلة جديدة من المفاوضات الهادفة إلى معالجة الملفات الخلافية العالقة بين الطرفين، والتي حالت طوال السنوات الماضية دون الوصول إلى اتفاق شامل ونهائي.
ويوضح أن ما يتم الحديث عنه حالياً لا يمثل تسوية كاملة للأزمات القائمة، بل إطاراً عاماً يؤسس لمسار تفاوضي جديد، في ظل استمرار الخلافات حول عدد من القضايا الجوهرية.
ويرجع عنبتاوي ذلك إلى أزمة الثقة العميقة بين واشنطن وطهران، مشيراً إلى أن التجارب السابقة، ولا سيما التراجع الأميركي عن تفاهمات سابقة بعد إبرامها، عززت الشكوك الإيرانية بشأن ضمانات تنفيذ أي اتفاق مستقبلي، ما دفع الجانبين إلى تبني صيغة إعلان نوايا بدلاً من اتفاق شامل يحسم جميع الملفات دفعة واحدة.
عوامل ساهمت بدفع المفاوضات نحو هذه المرحلة
ويرى عنبتاوي أن جملة من العوامل ساهمت في دفع المفاوضات نحو هذه المرحلة، أبرزها فشل الإدارة الأميركية في تحقيق أهدافها المعلنة عبر سياسة الضغط والقوة، سواء ما يتعلق بإضعاف النظام الإيراني أو انتزاع تنازلات استراتيجية منه.
ويعتبر عنبتاوي أن قدرة إيران على الصمود عسكرياً، وإظهار استعدادها للرد على أي هجمات تستهدفها أو تستهدف مصالحها، عززت موقعها التفاوضي خلال المرحلة الماضية.
ويؤكد أن القيادة الإيرانية حافظت على ثوابتها الأساسية خلال المفاوضات، وتمسكت بحقوقها المرتبطة برفع العقوبات، واستعادة أموالها المجمدة، وضمان مصالحها النفطية، إضافة إلى تأكيدها على مبدأ وحدة الجبهات والساحات باعتباره شرطاً رئيسياً لأي تسوية إقليمية.
ويشير عنبتاوي إلى أن الولايات المتحدة واجهت بدورها تحديات سياسية واقتصادية وعسكرية حدّت من قدرتها على الذهاب نحو مواجهة مفتوحة، في ظل تراجع التأييد الشعبي للحرب داخل الولايات المتحدة، وارتفاع الكلفة الاقتصادية والجيوسياسية لأي تصعيد جديد.
ويلفت عنبتاوي إلى أن إيران تكبدت خسائر بشرية ومادية وعسكرية كبيرة خلال الحرب، إلا أن تماسك الجبهة الداخلية ووحدة الموقف بين مختلف التيارات السياسية الإيرانية عززا قدرتها على الاستمرار في التفاوض من موقع أكثر صلابة.
إصرار إيراني على ربط أي تفاهم شامل بمصير حلفائها
ويؤكد عنبتاوي أن شمول الاتفاق لجميع الجبهات الإقليمية، بما فيها لبنان والعراق واليمن، جاء نتيجة إصرار إيراني متواصل على ربط أي تفاهم شامل بمصير حلفائها في المنطقة.
ويعتبر عنبتاوي أن الملف اللبناني شكّل إحدى أكثر القضايا تعقيداً في المفاوضات، إذ أصرت طهران على أن يتضمن أي اتفاق وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب، بينما حاولت واشنطن في مراحل مختلفة الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني.
ويشدد عنبتاوي على أن نجاح الاتفاق المرتقب سيبقى مرتبطاً بقدرة الولايات المتحدة على إلزام إسرائيل بتنفيذ التفاهمات المتعلقة بلبنان وبقية الساحات الإقليمية، مشيراً إلى أن طهران ما زالت تعتبر وحدة الجبهات شرطاً أساسياً لا يمكن تجاوزه في أي اتفاق مستقبلي، الأمر الذي يجعل هذه الملفات جزءاً لا يتجزأ من مسار التفاهم الجاري بين الجانبين.
الحديث عن اتفاق شامل ما زال مبكراً
يرى الباحث السياسي والأكاديمي د.أسامة عبد الله أن كثافة التسريبات والتقارير الإعلامية حول اقتراب اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لا تعكس بالضرورة اقتراباً من تسوية نهائية، مشيراً إلى أن الحديث عن اتفاق شامل ما زال مبكراً، رغم وجود مؤشرات جدية على رغبة متبادلة في خفض التوتر وتجنب الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مفتوحة.
ويوضح عبد الله أن العلاقة بين واشنطن وطهران ظلت لسنوات تتأرجح بين التصعيد والتفاوض، إلا أن المرحلة الحالية تختلف من حيث انتقال الطرفين من اختبار القوة إلى إدراك حدودها.
الخيارات العسكرية لم تغير السلوك الإيراني
وبحسب عبد الله، فإن واشنطن باتت تدرك أن سياسات الضغط القصوى أو الخيارات العسكرية لم تحقق أهدافها في تغيير السلوك الإيراني، في حين باتت إيران تدرك أن استمرار المواجهة المفتوحة يفرض كلفة اقتصادية واستنزافاً في قدرتها على الحركة الإقليمية.
ويشير عبد الله إلى أن عدداً متزايداً من مراكز البحث الأميركية والأوروبية بات يعتبر أن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل حرباً إقليمية واسعة، في ظل التوترات الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر، مروراً بالعراق وسوريا ولبنان وصولاً إلى غزة، لذلك، فإن ما يجري أقرب إلى تفاهمات لإدارة الصراع وليس إنهاءه.
العقبة الأساسية
ويبيّن عبد الله أن العقبة الأساسية أمام أي اتفاق شامل تتمثل في تشابك الملفات الخلافية، التي لم تعد تقتصر على البرنامج النووي، بل تشمل النفوذ الإقليمي لإيران، وبرنامج الصواريخ الباليستية، والعلاقة مع إسرائيل، وشبكة الحلفاء الإقليميين، وهي ملفات يصعب حسمها ضمن إطار تفاوضي واحد.
ويعتبر عبد الله أن المرحلة الراهنة تمثل اختباراً متبادلاً للنوايا أكثر من كونها مساراً نحو اتفاق تاريخي، رغم جدية التحركات السياسية القائمة. في المقابل، يؤكد عبد الله أنه في حال صحّت التقارير التي تتحدث عن اتفاق يشمل الجبهات الإقليمية، فإن ذلك يعكس تحولاً استراتيجياً في المقاربة الأميركية، من التعامل مع إيران كملف نووي إلى الاعتراف بها كقوة إقليمية فاعلة لا يمكن تجاوزها.
شمول الجبهات إقرار بترابط الأزمات
ويشير عبد الله إلى أن شمول الاتفاق للجبهات المختلفة يعني الإقرار بترابط أزمات المنطقة، حيث لا يمكن فصل الخليج عن العراق، أو لبنان عن الدور الإيراني، أو البحر الأحمر عن مجمل الصراع الإقليمي، ما قد يقود إلى صياغة قواعد اشتباك جديدة تحد من احتمالات الانفجار.
ويعتقد عبد الله أن البعد الأكثر حساسية يتعلق بالقضية الفلسطينية، التي قد تُدرج أو تُستبعد من أي ترتيبات إقليمية كبرى، في ظل سوابق تاريخية أظهرت ميل القوى الدولية إلى ترتيب ملفات الأمن أولاً.
ويعتبر عبد الله أن شمول الاتفاق لجميع الجبهات قد يفتح مرحلة "إدارة النفوذ" بدلاً من الصراع المباشر، حيث تسعى القوى الكبرى إلى تقليل الكلفة دون التخلي عن مصالحها الاستراتيجية.
فلسطين
الأحد 14 يونيو 2026 10:10 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
العالم يترقب.. هل بات الاتفاق بين واشنطن وطهران وشيكاً؟