لم يعد ضجيج الطائرات المسيرة يثير الفزع المعتاد في نفوس من تبقى من سكان قطاع غزة، فقد اعتادت الأعين على مشهد السماء وهي تمطر قذائف الموت في كل لحظة. لكن خطراً جديداً بات ينهش ما تبقى من رمق الحياة، متمثلاً في صرخات الجوع الجافة التي تصدر من أمعاء الأطفال الخاوية، وعجز الأمهات اللواتي يبحثن بين الركام عن كسرة خبز يابسة أو بقايا أعلاف الحيوانات لسد رمق صغارهن.
وفي شمال القطاع المحاصر، تجاوزت المأساة حدود الأخبار العاجلة وأرقام الشهداء المتصاعدة، لتتحول إلى حرب تجويع صامتة تفتك بالأجساد الغضة بعيداً عن اهتمام العالم. وبينما تنشغل الدوائر الدبلوماسية بتحليل كواليس المفاوضات والوساطات السياسية التي تولد وتموت على الطاولات، تنضج في أزقة المخيمات المدمرة فصول كارثة إنسانية غير مسبوقة تتجاوز كل التوقعات.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن الأسواق في غزة باتت خاوية تماماً من السلع الأساسية، حيث يغيب الطحين والخضار وحليب الأطفال، في ظل تعطل كامل للمخابز وارتفاع فاحش في الأسعار. هذا الواقع المرير جعل من الحصول على وجبة بسيطة حلماً بعيد المنال، في وقت يشعر فيه المحاصرون أنهم سقطوا من حسابات البشرية والضمير العالمي الذي يكتفي بالمشاهدة.
وتفرض سلطات الاحتلال حصاراً خانقاً يمنع وصول شاحنات المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها، مما يضع السكان أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما الموت بشظايا الصواريخ التي تستهدف المنازل، أو الذبول البطيء تحت وطأة الجوع. هذه الثنائية القاتلة جعلت من قطاع غزة ساحة لموت متكرر يطال الإنسان في وجوده وكرامته على مدار الساعة.
المجاعة في غزة ليست مجرد نقص في التموين، بل هي سياط تسحق عظام الأطفال وتتركهم هياكل بشرية بلا ملامح.
وعلى الصعيد الميداني، لم تتوقف آلة الحرب الإسرائيلية عن استهداف مراكز النزوح والمستشفيات المتهالكة، حيث يتداخل صوت الانفجارات مع أنين المرضى والجرحى. وتعاني الكوادر الطبية في ما تبقى من مشافٍ من عجز تام عن تقديم أبسط الخدمات، حتى شربة الماء النظيفة باتت غير متوفرة، مما يفاقم من معاناة المصابين ويزيد من تعقيد المشهد الصحي المنهار.
وأكدت مصادر طبية من داخل المستشفيات المحاصرة أن أسرّة الأقسام لم تعد تقتصر على ضحايا القصف فحسب، بل امتلأت بأطفال رضع يعانون من الجفاف الحاد وسوء التغذية المفرط. وتسجل الطواقم الطبية بشكل يومي وفيات جديدة بين الأجنة وكبار السن نتيجة انعدام الغذاء والدواء الضروريين للبقاء على قيد الحياة، في ظل صمت دولي مطبق.
لقد تحولت غزة في ظل انشغال القوى الإقليمية بملفات أخرى إلى بقعة منسية في وادي الذهول، حيث طويت صفحة مأساتها في أجندات الكثيرين لتصبح مجرد خلفية اعتيادية على شاشات التلفزة. ومع ذلك، لا يزال الموت طازجاً في الأزقة الضيقة، ولا يزال الجوع حاداً كالشفرة، يطلق من خلاله المحاصرون صرخة كرامة أخيرة في وجه عالم يدعي الإنسانية ويترك مليونين من البشر يواجهون الفناء.





شارك برأيك
بين سندان القصف ومطرقة الجوع: غزة تواجه خطر الفناء وسط صمت دولي