عربي ودولي

الجمعة 12 يونيو 2026 4:14 مساءً - بتوقيت القدس

بين لغة الحرب وصفقات التهدئة.. الشرق الأوسط يترقب مآلات التفاهم الأمريكي الإيراني

تشهد المنطقة حالة من التذبذب الحاد بين قرع طبول الحرب والحديث عن صفقات دبلوماسية وشيكة، حيث انتقل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سريعاً من التهديد بضرب منشآت حيوية في جزيرة خارك الإيرانية إلى التبشير بتقدم ملموس في المفاوضات. هذا التحول الدراماتيكي أدى إلى إلغاء ضربات عسكرية كانت مقررة سلفاً، مما يعكس طبيعة اللحظة الراهنة التي تفتقر إلى الحسم العسكري أو السلم المستقر.

من جانبها، تتبنى طهران خطاباً حذراً يؤكد استمرار النقاشات دون اتخاذ قرار نهائي حتى الآن، مشددة على رغبتها في إنهاء حالة 'اللا حرب واللا سلم'. وأوضح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن بلاده لن تقبل بالتفاوض تحت وطأة التهديد، في إشارة إلى تمسك إيران بقواعد اشتباك تمنع تقديم تنازلات مجانية رغم الضغوط الاقتصادية والعسكرية المتزايدة.

ميدانياً، لم يتوقف التصعيد رغم القنوات الدبلوماسية المفتوحة، إذ شنت القوات الأمريكية غارات على مواقع إيرانية عقب اتهام طهران بإسقاط مروحية 'أباتشي' قرب مضيق هرمز. وردت إيران باستهداف قواعد في المنطقة، فيما دخلت أطراف إقليمية على الخط بإعلان البحرين اعتراض مسيرات إيرانية، مما يثبت أن الميدان لا يزال المحرك الأساسي لشروط التفاوض.

تعتمد الاستراتيجية الإيرانية الحالية على مبدأ 'البقاء تحت الضغط'، حيث تراهن طهران على أن عجز القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية عن تقويض النظام يمنحها أوراق قوة إضافية. وتستخدم إيران ملفات حساسة مثل أمن الملاحة في مضيق هرمز وأسعار الطاقة العالمية كأدوات ضغط لجعل أي مواجهة شاملة باهظة الثمن على الاقتصاد العالمي والداخل الأمريكي.

في المقابل، يواجه النفوذ الأمريكي اختباراً صعباً في محاولته الموازنة بين القوة العسكرية والوساطة الدبلوماسية، حيث تسعى واشنطن لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي وتأمين الملاحة الدولية. ومع ذلك، تظهر التناقضات في قدرة واشنطن على التحكم بمسارات الصراع، خاصة مع تباين الأولويات بينها وبين حليفتها إسرائيل التي تسعى لتحقيق مكاسب ميدانية قبل أي اتفاق.

وتشير تقارير ومصادر إلى وجود مسودة تفاهم قد يتم توقيعها في جنيف، تتضمن وقفاً للقتال لمدة 60 يوماً وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية. كما تشمل المسودة بنوداً تتعلق برفع العقوبات النفطية والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وهو ما تراه واشنطن مخرجاً للأزمة الحالية بينما تنظر إليه أطراف أخرى بحذر شديد.

إسرائيل من جهتها، نأت بنفسها عن هذه التفاهمات، حيث أكد مكتب بنيامين نتنياهو أن تل أبيب ليست طرفاً في المذكرة المطروحة بين واشنطن وطهران. ويعكس هذا الموقف رغبة إسرائيل في استمرار العمليات العسكرية لإضعاف قدرات إيران وحلفائها الإقليميين، خاصة حزب الله في لبنان، قبل الدخول في أي إطار سياسي قد يجمّد الوضع الراهن.

ويبقى مضيق هرمز هو القلب النابض لهذه المواجهة، حيث تطالب واشنطن بضمانات حرية الملاحة كشرط أساسي لأي تهدئة، بينما تربط طهران هذا الملف بإنهاء الحصار البحري المفروض عليها. وتحول المضيق من ممر مائي إلى ورقة سياسية تربط الحرب مباشرة بأسعار الوقود العالمية وحسابات الانتخابات والأسواق الدولية.

الساحة اللبنانية ليست بعيدة عن هذه الحسابات، إذ يمثل لبنان جزءاً أصيلاً من منظومة الردع الإيرانية، وأي تفاهم إقليمي سينعكس بالضرورة على الجبهة الجنوبية. وتحاول طهران منع تحويل لبنان إلى ساحة استنزاف منفردة، رابطةً مصير التهدئة في الخليج بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية.

وتؤدي دول مثل قطر وباكستان أدواراً فاعلة في الوساطة لتقريب وجهات النظر وسد الفجوات في النص المقترح للاتفاق، رغم تقلب المواقف الأمريكية التي يصفها الجانب الإيراني بغير المستقرة. ويهدف الوسطاء إلى الوصول لصيغة تضمن الحد الأدنى من مطالب الطرفين لتجنب انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة لا يرغب بها أحد.

داخل واشنطن، يواجه ترمب ضغوطاً من تيارات محافظة وشخصيات داعمة لإسرائيل تشكك في جدوى الاتفاق وتعتبره تنازلاً أمام طهران. ومع ذلك، يبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية تفضل المسار الدبلوماسي الذي يقدم 'إنجازاً سياسياً' سريعاً يخفف من حدة التوتر الإقليمي ويخفض أسعار الطاقة.

إن غياب مسار واحد وواضح للصراع يجعل المنطقة تدور في حلقة مفرغة، حيث تغير كل ضربة عسكرية شروط التفاوض، ويعيد كل تصريح سياسي تشكيل الميدان. هذا العجز الجماعي عن ضبط مسار الحرب يدفع الأطراف للبحث عن مخارج مؤقتة تمنع الكلفة القصوى دون إظهار أي طرف بمظهر الخاسر.

وفي نهاية المطاف، يبدو أن الرهان على الحسم العسكري السريع قد اصطدم بحدود القوة الجوية وقدرة إيران على امتصاص الضربات وتحويلها إلى مكاسب تفاوضية. وفي حين تضررت البنية العسكرية الإيرانية، إلا أنها لم تنهك لدرجة الاستسلام، مما يجعل 'المنطقة الرمادية' هي الساحة المفضلة لإدارة الصراع حالياً.

تظل المنطقة أمام مرحلة دقيقة جداً، فالتفاهمات الممكنة لا تزال هشة وقابلة للانهيار مع أي سوء تقدير ميداني أو تراجع سياسي. وبينما ينتظر العالم اجتماع مجموعة السبع في جنيف، يبقى السؤال حول ما إذا كانت هذه الصفقة ستصمد أمام طموحات إسرائيل الميدانية وتوجسات الداخل الإيراني.

دلالات

شارك برأيك

بين لغة الحرب وصفقات التهدئة.. الشرق الأوسط يترقب مآلات التفاهم الأمريكي الإيراني

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.