عربي ودولي

الأربعاء 10 يونيو 2026 4:59 مساءً - بتوقيت القدس

تحول في الموقف الفرنسي: ماكرون يفتح باب الحوار مع موسكو لكسر العزلة الأوروبية

لم تكن تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة بشأن استئناف الحوار مع موسكو مجرد مناورة دبلوماسية عابرة، بل حملت أبعاداً استراتيجية عميقة. فبعد سنوات من كونه أحد أبرز الوجوه الأوروبية المنادية بتشديد الضغوط، عاد ماكرون ليؤكد أن الوقت قد حان لتنظيم حوار مع الروس حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، بدءاً من أمن القارة وصولاً إلى كيفية التعايش كجيران.

تأتي هذه التحولات في توقيت حساس يشي بأن القارة الأوروبية بدأت تقترب من نقطة الاعتراف بالواقع الذي حاولت تجنبه طويلاً. وتفيد هذه الرؤية بأن إنهاء الصراع في أوكرانيا لا يمكن أن يتحقق دون الوصول إلى تفاهمات ترضي روسيا، إذ لا يمكن بناء نظام أمني مستقر ومستدام في ظل عزل القوة النووية الأكبر في القارة.

وقد جاءت كلمات ماكرون في أعقاب دعوة الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي لنظيره الروسي لعقد لقاء مباشر، وهي الخطوة التي وصفها الإليزيه بأنها 'مبادرة جيدة'. هذا الترحيب الفرنسي، الذي لاقى صدى إيجابياً في بروكسل، يعكس قناعة أوروبية متزايدة بأن الباب الروسي يظل ممراً إلزامياً لأي تسوية سياسية شاملة في المستقبل القريب.

لقد أثبتت الوقائع الميدانية والاقتصادية أن موسكو لم تنهار تحت وطأة العقوبات الغربية القاسية، كما لم تتراجع عسكرياً بالقدر الذي يجبرها على قبول شروط الغرب. بل على العكس، استطاعت روسيا الصمود وفرض نفسها كلاعب مركزي لا يمكن تجاوزه في معادلة الأمن الأوروبي، مما دفع خصومها لإعادة النظر في جدوى سياسة القطيعة التامة.

منذ اندلاع الحرب، استندت استراتيجية الاتحاد الأوروبي إلى ثلاثة محاور رئيسية هي العقوبات، والدعم العسكري لكييف، والعزل السياسي لموسكو. ومع مرور أكثر من أربع سنوات، يبدو أن هذا الرهان لم يحقق أهدافه النهائية، حيث لا تزال روسيا تمتلك أوراقاً قوية في أسواق الطاقة والتوازنات الدولية، مما يجعل فكرة إخراجها من النظام الأمني الأوروبي أمراً غير واقعي.

ويعبر حديث ماكرون عن 'أمننا نحن' و'التعايش كجيران' عن اعتراف ضمني بأن روسيا جزء لا يتجزأ من الجغرافيا السياسية للأمن الأوروبي. هذا التحول ينسف الفرضية السابقة التي قامت على إمكانية بناء استقرار طويل الأمد في القارة عبر تهميش موسكو، ويؤكد أن أي هندسة أمنية لا تشمل الروس ستظل ناقصة وقابلة للانفجار في أي لحظة.

وتبرز الخشية الأوروبية من إبرام صفقة كبرى بين واشنطن وموسكو 'فوق رؤوس الأوروبيين' كدافع أساسي لهذا التحول في الخطاب الفرنسي. فالمحادثات التي ترعاها الولايات المتحدة وضعت أوروبا أمام معضلة دفع تكاليف الحرب مالياً وأمنياً دون أن يكون لها الكلمة الفصل في صياغة اتفاق السلام النهائي ومستقبل القارة.

لذلك، يسعى ماكرون وقادة أوروبيون آخرون لضمان مقعد على مائدة التفاوض حول أي خطة سلام مقبلة، لضمان حماية المصالح الحيوية للقارة. ومن وجهة نظر باريس، فإن أي اتفاق بين روسيا وأوكرانيا سيؤثر بشكل مباشر على حدود القوة داخل أوروبا، وعلى علاقة حلف الناتو بروسيا، فضلاً عن مستقبل التسلح والضمانات الأمنية.

كما تعثر الرهان على الحسم العسكري السريع، حيث لم يؤدِ الدعم الغربي المفتوح إلى شل القدرات الروسية كما كان متوقعاً في البداية. ومع طول أمد الصراع، بدأت العواصم الأوروبية تواجه تساؤلات صعبة من مجتمعاتها حول جدوى تمويل حرب مفتوحة بلا أفق سياسي واضح، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم.

فرنسا، على وجه الخصوص، تبحث عن استعادة دورها كلاعب مركزي ومستقل بعيداً عن التبعية الكاملة للموقف الأمريكي الذي هيمن على المشهد منذ بداية الأزمة. ويطمح ماكرون من خلال هذه الدعوة إلى إحياء فكرة 'الاستقلالية الاستراتيجية' التي تمنح أوروبا القدرة على صناعة قراراتها الأمنية وحماية مصالحها القومية بشكل ذاتي.

النتيجة الأهم لهذا التحول هي نجاح روسيا في انتزاع اعتراف سياسي بكونها طرفاً لا يمكن استثناؤه من النظام الإقليمي، حتى وإن لم تحقق كافة أهدافها العسكرية. فالدولة التي أراد الغرب تحويلها إلى كيان منبوذ، باتت تُستدعى مجدداً لطاولة النقاش لأن عزلها فشل في إنتاج السلام المنشود، وهو ما يعد انتصاراً سياسياً لموسكو.

ومن المتوقع أن يشهد الخطاب الأوروبي تراجعاً تدريجياً في حدة النبرة المتشددة لصالح لغة أكثر براغماتية تركز على 'الضمانات الأمنية' بدلاً من 'هزيمة روسيا'. هذا التغيير في المصطلحات يعني أن الحوار مع الكرملين سيصبح جزءاً أصيلاً من السياسة الأوروبية في المرحلة المقبلة، وإن ظل مغلفاً بشروط معينة تتعلق بالسيادة الأوكرانية.

في الوقت ذاته، قد تتعرض كييف لضغوط ناعمة من حلفائها الأوروبيين لاختبار المسارات التفاوضية وإظهار مرونة أكبر تجاه مبادرات السلام. ولن يكون الهدف فرض تنازلات فورية، بل تحويل الدعم العسكري المستمر إلى ورقة ضغط قوية ضمن مشروع تفاوضي متكامل ينهي حالة الاستنزاف التي تعيشها القارة.

في المحصلة، يمثل موقف ماكرون إعلاناً لنهاية 'وهم' إمكانية عزل روسيا جغرافياً وسياسياً عن محيطها الأوروبي. لقد أدركت القارة العجوز أن روسيا تظل جزءاً من معادلة الحرب والسلام على حد سواء، وأن الانتقال من سياسة الكسر إلى سياسة التفاوض بات ضرورة تفرضها حقائق القوة والمصالح المشتركة.

دلالات

شارك برأيك

تحول في الموقف الفرنسي: ماكرون يفتح باب الحوار مع موسكو لكسر العزلة الأوروبية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.