تتلبد سماء الإنسانية اليوم بغيوم قاتمة من العنصرية والتفرقة، حيث لم تعد الجغرافيا عائقاً أمام انتشار الفكر الفاشي الذي يستهدف المستضعفين. فمن مدينة صفاقس التونسية إلى بلدة لووزدراخت الهولندية، تتوحد ملامح القبح في التعامل مع المهاجرين واللاجئين، وسط صمت دولي مريب وتواطؤ سياسي يغذي هذه النزعات.
في هولندا، شهدت بلدة لووزدراخت حادثة مروعة تمثلت في إضرام عصابات فاشية النار في دار لإيواء طالبي اللجوء، في عمل إرهابي منظم استهدف أرواح الأبرياء. ولم يكتفِ المعتدون بالحرق، بل تعمدوا قطع الطرق أمام سيارات الإطفاء ورجال الإسعاف، مما يعكس عنفاً ممنهجاً دُبر بدم بارد وسبق إصرار وترصد.
وعلى الجانب الآخر من المتوسط، يواجه المهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء في تونس حملات تهميش وإذلال ممنهجة، وصلت إلى حد استخدام لغة فاشية تصفهم بـ 'الجراد'. إن هذا الخطاب يهدف بالأساس إلى نزع الصفة البشرية عن الضحية، مما يسهل عملية التنكيل بها أخلاقياً وجسدياً دون شعور بالذنب من قبل المعتدين.
المفارقة تكمن في أن بعض 'المؤثرين' في تونس، الذين يتشدقون بالإنسانية في أسفارهم العالمية، ينقلبون فجأة لممارسة التحريض الصارخ ضد الأفارقة. هؤلاء يتناسون أن تونس هي قلب القارة التي منحتها اسمها، تماماً كما يطالب بعض المتطرفين في هولندا بعودة المغاربة إلى إسطنبول في جهل جغرافي وتاريخي مطبق.
وتبرز ازدواجية المعايير بوضوح لدى طائفة من مدعي الإنسانية في الضواحي المخملية بهولندا، الذين يوقعون العرائض الرقمية لدعم اللاجئين طالما أنهم بعيدون عن منازلهم. لكن بمجرد اقتراح إنشاء مركز إيواء في جوارهم، يتحولون إلى معارضين شرسين خوفاً على انخفاض القيمة السوقية لعقاراتهم، مما يكشف زيف التضامن الشعاراتي.
وفي تونس، لا يختلف المشهد كثيراً لدى بعض النخب التي تدعي التقدمية والدفاع عن حقوق المرأة، بينما تصف الأمهات الأفريقيات وأطفالهن بأوصاف مهينة. هؤلاء يمثلون مرآة لـ 'مثقفي الصالونات' في أوروبا الذين ينظرون للقيم الأوروبية بينما يباركون صفقات الحدود المخزية مع الأنظمة الديكتاتورية لصد المهاجرين.
لقد وصلت القسوة إلى ذروتها في الشمال الغربي التونسي، حيث رُصدت حالات مطاردة للمهاجرين بأسلحة بيضاء واقتيادهم قسراً إلى مخافر الشرطة. هذه المشاهد تعكس رعباً حقيقياً يعيشه بشر مستضعفون سُدت في وجوههم سبل العيش الكريم، ووجدوا أنفسهم ضحايا لمطاردات تشبه صيد الكواسر.
الفاشية عبر التاريخ تبدأ دائماً بنزع الإنسانية عن الضحية، وتحويل الإنسان إلى 'حشرة' أو 'آفة' وجب إبادتها لتسهيل تصفيتها أخلاقياً وجسدياً.
ولم يسلم الخطاب الديني من هذا الانزلاق، حيث تبنى بعض الأئمة خطاباً تحريضياً يدعو لجمع المهاجرين وطردهم، مما أدى لترحيل المئات منهم إلى تيه الصحراء. هؤلاء المهاجرون، وبينهم نساء وأطفال، واجهوا حتفهم في الرمال الحارقة بين تونس وليبيا، في ظل صمت مطبق ممن يفترض بهم تمثيل قيم الرحمة.
إن المأساة تكتمل حين يرتقي هؤلاء الأئمة المنابر للحديث عن بلال بن رباح ومعاناته في بطحاء مكة، بينما يتجاهلون 'بلالات العصر' الذين يعانون تحت أيديهم. هذا الانفصام بين النص الديني والممارسة الواقعية يساهم في شرعنة العنف ضد المهاجرين وتبرير الانتهاكات الجسيمة بحقهم.
الجذور السياسية لهذه الأزمة تنبع من هرم السلطة في تونس، حيث بات الخطاب الرسمي يقتات على نظريات المؤامرة وتغيير التركيبة الديمغرافية. هذا النهج يتقاطع بشكل كامل مع خطاب اليمين المتطرف في أوروبا، مما يخلق بيئة خصبة للتحريض السياسي والإعلامي ضد 'الآخر' المختلف.
الحقيقة السريالية هي أن تزايد أعداد المهاجرين في تونس هو نتاج مباشر لسياسات وتفاهمات سرية بين السلطة التونسية والاتحاد الأوروبي. الزيارات المكوكية لمسؤولين أوروبيين مثل مارك روته وجورجيا ميلوني تهدف لتحويل تونس إلى 'حارس مقبرة' للهجرة مقابل دعم مالي وسياسي.
الضحية الوحيدة في هذه الملهاة هو الإنسان الأفريقي المسحوق الذي سُلبت خيرات أرضه ولا يزال يعاني من مخلفات الاستعمار القديم والجديد. والجلاد هو نظام عالمي ينهب الثروات ويحرس عروش الديكتاتوريات، ثم يغلق الأبواب في وجه الضحايا الهاربين من جحيم الفقر والحروب.
إن تجربة العمل السابقة في الهيئة الهولندية لاستقبال طالبي اللجوء كشفت كيف يمكن للسياسات المشبعة بالنفور أن تدمر المبادئ الإنسانية. الاستقالة كانت الخيار الوحيد للنجاة بالضمير أمام موجة العداء التي قادتها شخصيات سياسية مثل ريتا فيردونك، والتي لا تزال آثارها تتلظى في المجتمع الهولندي.
في الختام، تظل الحقيقة المرة أن النفاق واحد وإن اختلفت الأسماء والأماكن، من ياسمين تونس الباكي إلى زهور التوليب في هولندا. إن مواثيق التضامن الإنساني تسقط بمجرد اختلاف لون البشرة، ويبقى المستضعفون يواجهون مصيرهم في الصحاري والبحار، بينما يتبادل الساسة المصالح على حساب أرواحهم.





شارك برأيك
بين صفاقس ولووزدراخت.. وجه العنصرية القبيح لا يغيره اختلاف الجغرافيا