كشفت تقارير صحفية دولية عن حالة من الاستنفار داخل الأوساط الأمنية والسياسية في المغرب، إثر فرار المسؤول الرفيع في جهاز الاستخبارات الخارجية (DGED)، مهدي حيجاوي، إلى خارج البلاد. ويُعد حيجاوي، البالغ من العمر 53 عاماً، أحد الصناديق السوداء للجهاز، حيث راكم خبرات واسعة واطلع على ملفات استراتيجية تتعلق ببنية السلطة وشبكات النفوذ المحيطة بالقصر الملكي.
بدأت فصول القضية منذ عام 2024 حين غادر حيجاوي المغرب بشكل مفاجئ، وهو ما اعتبرته السلطات انشقاقاً خطيراً يتجاوز البعد الشخصي ليشمل تسريب معلومات حساسة. ولم تقتصر المغادرة عليه وحده، بل شملت انتقال عدد من أفراد عائلته والمقربين منه، مما دفع الأجهزة الأمنية لتكثيف ملاحقتها لشبكة علاقاته الواسعة داخل وخارج المملكة.
وفي إطار التحقيقات الواسعة التي أجرتها الرباط، خضع نحو 42 شخصاً للاستجواب والتحقيق بين عامي 2025 و2026، من بينهم مسؤولون أمنيون وأقارب للمسؤول الفار. وقد أسفرت هذه التحقيقات عن صدور أحكام قضائية متفاوتة بتهم تتعلق بالاحتيال والمساعدة في إخفاء شخص مطلوب للعدالة، في محاولة لتطويق تداعيات هذا الهروب.
وطالت الإجراءات العقابية زوجة حيجاوي السابقة، التي صدر بحقها حكم بالسجن لمدة ثلاث سنوات، في خطوة تعكس الضغوط الكبيرة التي تمارسها الدولة لاستعادة المسؤول أو تحييد خطره. وتنتظر الزوجة حالياً إعادة محاكمتها، وسط مراقبة دقيقة من المنظمات الحقوقية لمسار هذه القضية التي أخذت طابعاً سياسياً وأمنياً معقداً.
ويرى مراقبون أن تحسن العلاقات الدبلوماسية بين باريس والرباط، خاصة بعد اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء، ضيق الخناق على حيجاوي الذي كان يتخذ من الأراضي الفرنسية ملجأً له. هذا التقارب جعل فرنسا بيئة غير آمنة للمسؤول المنشق، خاصة مع تقارير تتحدث عن تعرضه لمراقبة لصيقة من قبل عناصر يُعتقد انتماؤهم للاستخبارات المغربية.
مغادرة حيجاوي لم تكن مجرد انشقاق فردي، بل رافقها انتقال أفراد من عائلته واطلاع واسع على ملفات شديدة الحساسية.
وكانت زوجة حيجاوي قد تقدمت بشكوى رسمية لدى الشرطة الفرنسية في سبتمبر 2024، وثقت فيها تعرضهما لعمليات تعقب وتصوير في أماكن عامة من قبل مجهولين. هذه الضغوط الميدانية دفعت المسؤول السابق للفرار مجدداً نحو إسبانيا، في محاولة للإفلات من مذكرات التوقيف الدولية التي أصدرتها الرباط عبر منظمة الإنتربول.
وفي إسبانيا، واجه حيجاوي إجراءات قضائية مشددة شملت سحب جواز سفره وفرض التوقيع الدوري في مراكز الشرطة بانتظار البت في طلب تسليمه للمغرب. ومع ذلك، تمكن المسؤول الأمني بخبرته الواسعة في العمل السري من التواري عن الأنظار مرة أخرى، مغادراً الأراضي الإسبانية نحو وجهة غير معلومة حتى الآن.
وتعود جذور الخلاف بين حيجاوي ودوائر السلطة إلى مواقفه التي وُصفت بالمتمردة، حيث أبدى دعماً علنياً للأخوين أزعيتر المقربين من الملك محمد السادس، في وقت كانت فيه أجنحة أخرى في الدولة تنتقد نفوذهما. هذا الاصطفاف وضعه في مواجهة مباشرة مع مستشارين نافذين داخل القصر الملكي، مما عجل بصدامه مع المؤسسة الأمنية.
كما أثار حيجاوي حفيظة القيادات الأمنية حين حاول تقديم وثيقة تتضمن مقترحات لإصلاح وتطوير عمل الأجهزة الاستخباراتية ورفعها مباشرة إلى الملك دون اتباع القنوات الإدارية المعمول بها. واعتُبرت هذه الخطوة تجاوزاً للأعراف البروتوكولية ومحاولة لترتيب موازين القوى داخل الجهاز، مما عزز الشكوك حول طموحاته السياسية.
ختاماً، يبرز اسم حيجاوي في ملفات دولية شائكة، من بينها قضايا مرتبطة ببرنامج التجسس 'بيغاسوس' ومهام ميدانية حساسة في أوروبا تتعلق بملف الصحراء. وبينما تحاول الرواية الرسمية التقليل من شأنه، يؤكد خبراء أن المعلومات التي يمتلكها تجعل من قضيته تهديداً مستمراً للاستقرار الداخلي في ظل صراع الأجنحة الصامت.





شارك برأيك
فرار مسؤول استخباراتي مغربي رفيع يثير ارتباكاً في دوائر السلطة بالرباط