عربي ودولي

الأحد 07 يونيو 2026 4:39 مساءً - بتوقيت القدس

ثلاثة مسارات متصادمة: كيف تآكلت الهوية الوطنية اليمنية في صراع النفوذ؟

يمر المشهد اليمني الراهن بمنعطف خطير تتجاذبه ثلاثة مسارات رئيسة تمضي بالبلاد نحو نهايات متناقضة كلياً. يتمثل المسار الأول في محاولة تمكين الشرعية، بينما يبرز المسار الثاني في المشروع الطائفي الذي يتخذ من صنعاء مركزاً له، وصولاً إلى المسار الانفصالي المتصاعد في المحافظات الجنوبية.

إن اللافت في هذه المسارات المتصادمة أن جميع الأطراف المنخرطة فيها ترفع شعارات تمس الهوية الوطنية المشتركة لليمنيين بشكل مباشر. هذا التشرذم يهدد وجود الدولة اليمنية ككيان موحد، ويجعل من الجغرافيا اليمنية ساحة مستباحة للقوى الإقليمية التي تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب استقرار الشعب اليمني.

المسار الأول، الذي يهدف لفرض نفوذ الشرعية، تضطلع المملكة العربية السعودية بدور قيادي في إدارته وتوجيهه. ويستمد هذا المسار قوته من الارتباط الرسمي بالسلطة الشرعية المعترف بها دولياً، مستنداً إلى المرجعيات الأساسية التي تهدف لإنهاء الحرب عبر تسوية سياسية شاملة تضمن وحدة البلاد.

ومع ذلك، يواجه مسار الشرعية تعقيدات ميدانية وسياسية تثير القلق لدى المراقبين، أبرزها التعايش مع قوى انفصالية تحت غطاء الشرعية. كما يعاني هذا المسار من بطء شديد في تفعيل موارد الدولة الحيوية، لا سيما قطاعي النفط والغاز المسال، في وقت تتزايد فيه التهديدات العالمية لإمدادات الطاقة.

هناك حاجة ملحة لفض الاشتباك الهوياتي داخل القوات العسكرية والأمنية، خاصة في العاصمة المؤقتة عدن والمناطق المستعادة. إن إنهاء نفوذ الكيانات الموازية يتطلب إجراءات تتجاوز الجانب العسكري إلى تقديم حوافز حقيقية تضمن دمج كافة العناصر المسلحة ضمن هيكل الدولة الرسمي تحت هوية وطنية واحدة.

في المقابل، يبرز المسار الثاني الذي يغذي النزعات الانفصالية ويحولها إلى وسيلة للتكسب السياسي والحصول على الدعم الخارجي. هذا المسار تحول بمرور الوقت إلى منبر للعبث السياسي وممارسة التحريض، مستفيداً من حالة الإضعاف الممنهج التي تعرضت لها مؤسسات الدولة الشرعية خلال سنوات الحرب.

وقد تجلت خطورة هذا المسار في الفعاليات الأخيرة التي شهدتها بعض المناطق الجنوبية، حيث ظهرت نبرة تحدٍ واضحة تجاه القيادة السعودية. هذه المواقف تعكس مستويات متقدمة من صراع النفوذ الإقليمي، حيث تُستخدم الأدوات المحلية لتمرير رسائل سياسية حادة تتجاوز حدود الخلافات الداخلية لتطال الحلفاء الإقليميين.

مهرجان الهجر التراثي في يافع تحول من فعالية اجتماعية إلى منصة سياسية للمطالب الانفصالية، مما كشف عن عمق الأزمة. الخطابات التي أُلقيت هناك لم تكن مجرد تعبير عن رأي محلي، بل حملت دلالات على حجم التأثيرات الخارجية التي تحرك بعض القيادات في الجنوب اليمني لتوجيه انتقادات مباشرة للرياض.

أما المسار الثالث، وهو المسار الطائفي، فيواصل تمدده منذ انقلاب سبتمبر 2014 عبر المشروع السياسي لجماعة الحوثي. تسيطر الجماعة على مساحات واسعة في الشمال، وتعمل بشكل دؤوب على تغيير البنية الثقافية والاجتماعية للمجتمع اليمني بما يخدم أجندتها العقائدية والسياسية المرتبطة بمحاور إقليمية.

وتعد المناسبات مثل 'عيد الغدير' أدوات مركزية في يد الحوثيين لتكريس الانقسام الوطني وتعزيز البعد الطائفي الواحد. هذا الاستثمار السياسي للمناسبات الدينية يأتي في ظل انحسار الضغط العسكري، مما يمنح الجماعة فرصة لترسيخ قواعد مادية تحول اليمن إلى قاعدة وظيفية في صراعات النفوذ الكبرى.

إن التغول الطائفي في الشمال لا يهدد النسيج الاجتماعي اليمني فحسب، بل يمتد أثره ليشكل خطراً داهماً على الأمن الإقليمي والدولي. تحويل اليمن إلى منصة عسكرية لخدمة أجندات خارجية يضع مقدرات البلاد واقتصادها وحياة أبنائها في مهب الريح، ويجعل من استعادة الدولة أمراً بالغ الصعوبة.

هذه المسارات الثلاثة، رغم تناقض أهدافها الظاهرة، تلتقي في نقطة واحدة وهي إضعاف المركز اليمني الجامع لصالح كيانات فرعية. هذا الواقع ينتج عنه تحييد لكتلة سكانية ضخمة في شبه الجزيرة العربية، وإبقاؤها في دوامة من الفقر والشتات والتبعية للأدوار الوظيفية التي تفرضها القوى المتصارعة.

إن الخروج من هذا المأزق يتطلب إعادة الاعتبار للهوية الوطنية اليمنية وتوحيد الجهود نحو استعادة مؤسسات الدولة بعيداً عن المحاصصة الطائفية أو المناطقية. كما يجب على القوى الإقليمية مراجعة استراتيجياتها بما يضمن استقرار اليمن كدولة موحدة وذات سيادة، وليس كمجرد ساحة لتصفية الحسابات.

في نهاية المطاف، يبقى الرهان على وعي الشعب اليمني وقدرته على تجاوز هذه المشاريع المفتتة للنسيج الاجتماعي. إن استمرار اليمن كجغرافيا مستباحة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الارتدادات الخطيرة التي لن تتوقف عند الحدود اليمنية، بل ستطال أمن واستقرار المنطقة بأكملها في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة.

دلالات

شارك برأيك

ثلاثة مسارات متصادمة: كيف تآكلت الهوية الوطنية اليمنية في صراع النفوذ؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.