أفادت تقارير صحفية دولية بأن دولاً خليجية، وعلى رأسها الكويت والإمارات، ركزت جهودها خلال فترة التوترات العسكرية الإقليمية على تصفية ما تصفه بالتهديدات الداخلية. وأشارت المصادر إلى أن هذه الدول استغلت انشغال العالم بالصراعات الخارجية لفرض إجراءات قمعية مشددة طالت آلاف المواطنين والمقيمين.
في الكويت، بات يوم الخميس موعداً يثير قلق المواطنين، حيث تصدر فيه قوائم سحب الجنسية التي أقرها الأمير مشعل الأحمد الصباح. وتشير بيانات حقوقية إلى أن هذه الإجراءات طالت نحو 70 ألف شخص منذ مايو 2024، وهو ما يمثل نسبة صادمة تصل إلى 16% من إجمالي المواطنين الكويتيين.
يترتب على فقدان الجنسية تداعيات كارثية على الأفراد، حيث يحرمون فوراً من حق التوظيف الحكومي والرعاية الصحية المجانية. كما تمنع القوانين الجديدة هؤلاء من امتلاك العقارات أو إدارة الشركات، مما دفع ببعض المتضررين إلى حافة اليأس والاقدام على الانتحار في حالات موثقة.
تزامن هذا التصعيد الداخلي مع عجز استراتيجي في مواجهة التهديدات الخارجية المتمثلة في الهجمات الصاروخية والتهديدات الملاحية في مضيق هرمز. ويبدو أن حكام المنطقة يحاولون تعويض هذا الضعف الخارجي عبر إثبات القوة والسيطرة المطلقة على الجبهة الداخلية بأساليب توصف بالعرفية.
الإمارات العربية المتحدة لم تكن بعيدة عن هذا المشهد، حيث شنت حملات اعتقال طالت أكثر من ألف شخص، بينهم وافدون اتهموا بتصوير مواقع تعرضت لهجمات. كما شددت السلطات هناك الخناق على الجالية الإيرانية عبر إغلاق المدارس والنوادي والمستشفيات التابعة لها، ومنع المقيمين من العودة إلى البلاد.
وصف الشيخ مشعل الأحمد الصباح هذه الإجراءات في الكويت بأنها عملية 'تطهير وطني'، تهدف إلى إعادة صياغة الهوية الوطنية وفق معايير أمنية صارمة. وقد شملت هذه المعايير تعديلات قانونية في أبريل الماضي جعلت الحصول على الجنسية أو الاحتفاظ بها أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد.
على الصعيد السياسي، تخلت الكويت عن إرثها كدولة ديمقراطية فريدة في المنطقة بعد تعليق عمل البرلمان المنتخب الذي تأسس منذ عقود. ومنذ مايو 2024، انتقل الحكم إلى نظام المراسيم الأميرية، مما أنهى عقوداً من الرقابة البرلمانية على القرارات السيادية والمالية للدولة.
يبدو الأمر وكأن السرطان قد انتشر في الكويت، كلنا مشتبه بهم؛ لقد أصبحنا نعيش في ظل ديكتاتورية تقيد حتى مجموعات الواتساب.
امتدت القيود الأمنية لتشمل الحياة اليومية والاجتماعية للكويتيين، حيث تم منع البرامج الحوارية وإغلاق 'الديوانيات' التي تمثل برلماناً شعبياً مصغراً. ووصلت الرقابة إلى الفضاء الرقمي، حيث تخضع مجموعات تطبيق 'واتساب' التي تضم ثلاثة أشخاص فأكثر لمراقبة أمنية دقيقة، مع إلغاء كافة أشكال الانتخابات البلدية.
حذر محللون أمنيون من أن حملات التطهير وسحب الجنسية قد تؤدي إلى زعزعة استقرار هذه الدول الصغيرة التي تعاني أصلاً من نقص سكاني حاد. وأشاروا إلى أن استهداف كفاءات وطنية، مثل سفير الكويت السابق في لندن ومسؤولين في قطاع النفط، يضعف بنية الدولة الإدارية والاقتصادية.
أعادت هذه السياسات إحياء التوترات الطائفية في المنطقة، خاصة مع استهداف المكون الشيعي ومعاملته كـ 'طابور خامس' في بعض الدول. وفي الكويت، أكدت مصادر أمنية أن مئات الضباط من الطائفة الشيعية تم تخفيض رتبهم أو استبعادهم من المواقع الحساسة داخل الأجهزة السيادية.
في المقابل، تبرز سلطنة عمان كاستثناء وحيد في المنظومة الخليجية، حيث اختارت مساراً مغايراً يعتمد على التعاون مع إيران بدلاً من المواجهة. وتسعى مسقط لتعزيز مكانتها كبوابة تجارية بديلة، مستفيدة من موقعها الجغرافي خارج مضيق هرمز، مما جذب استثمارات كانت مستقرة في دبي.
تشهد عمان تدفقاً للمغتربين والشركات الإقليمية التي فرت من الإجراءات الأمنية المشددة في الدول المجاورة، مما انعكس إيجاباً على سوق الأسهم العماني. ورغم أن النظام السياسي في عمان يظل استبدادياً، إلا أنه يتجنب سياسات الهوية والتمييز الطائفي التي تتبعها العواصم الخليجية الأخرى.
ختاماً، يرى مراقبون أن هذه التحولات الجذرية في العقد الاجتماعي الخليجي قد تضعف الولاء الوطني في الأزمات القادمة. فالتنكيل بالمواطنين وسحب حقوقهم الأساسية يولد شعوراً بالاغتراب، مما قد يجعل الدفاع عن الوطن في وجه أي غزو خارجي مستقبلي أمراً غير مضمون كما كان في السابق.





شارك برأيك
إيكونوميست: حكام الخليج يستغلون التوترات الإقليمية لتشديد القبضة الأمنية وسحب الجنسيات