تشهد المقاربة الأمريكية تجاه الملف السوري تحولاً جذرياً برزت ملامحه خلال الأشهر الأخيرة، حيث باتت واشنطن تدير علاقتها مع دمشق عبر ثلاثة مستويات رئيسة: العسكري-الأمني، والاقتصادي، والموقف تجاه إسرائيل. ولم تعد سوريا في المنظور الأمريكي مجرد ساحة للصراعات المفتوحة، بل تحولت إلى منطقة منضبطة تحكمها آليات تنسيق واضحة، لا سيما بعد التفاهمات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية.
تتركز الرؤية العسكرية الحالية على توجيه الجهود نحو القضاء على ما تبقى من خلايا تنظيم 'داعش'، مع توجه استراتيجي لتقليص الوجود العسكري المباشر. وتعتمد هذه الرؤية على تمكين الحلفاء المحليين لتعويض الغياب الأمريكي، وضمان حماية المصالح الحيوية التي تتقاطع مع توجهات القوى الإقليمية الفاعلة في المشهد السوري.
أفادت مصادر عسكرية بأن وثيقة 'رؤية غير معهودة' التي قدمها قائد القيادة المركزية الأمريكية أمام مجلس الشيوخ، تعكس عمق هذا التحول. وتؤكد الوثيقة استمرار التواصل مع الحكومة السورية لدعم تسوية سياسية شاملة، تهدف إلى بناء قدرات أمنية وطنية عبر الشركاء الإقليميين، بما يضمن استقرار البلاد في المرحلة المقبلة.
يسعى صانع القرار في واشنطن إلى تحويل سوريا إلى جزء من منظومة المصالح القومية الأمريكية بعد عقود من الجفاء والعداء. ومع ذلك، لا يزال الوضع الاستراتيجي يتأرجح بين النفوذين الأمريكي والروسي، حيث تتردد واشنطن في تزويد دمشق بأسلحة متطورة، مما يدفع الأخيرة للحفاظ على قنوات اتصال قوية مع موسكو لتأمين احتياجاتها الدفاعية.
وصف المبعوث الأمريكي الخاص توماس باراك الحالة السورية الراهنة بأنها 'مختبر لتحالف إقليمي جديد' يرتكز على الدبلوماسية والتكامل الاقتصادي. وتعكس هذه التصريحات رغبة أمريكية في دمج سوريا ضمن نظام إقليمي مستقر ينهي سنوات العزلة، ويفتح الباب أمام تعاون يتجاوز الملفات الأمنية التقليدية إلى آفاق سياسية أرحب.
على الصعيد الاقتصادي، ترى واشنطن أن الاستقرار الأمني هو المدخل الأساسي لتحويل سوريا إلى بيئة جاذبة للاستثمارات الضخمة. وتطمح الولايات المتحدة وحلفاؤها للعب دور 'العراب' في عملية إعادة الإعمار، خاصة في ظل التنافس المحموم مع الصين التي تدرج سوريا ضمن مبادرة 'الحزام والطريق'، وروسيا التي تتمسك بوجودها الاستراتيجي.
أشادت مصادر دبلوماسية أمريكية في دمشق بالتطورات الاقتصادية الملحوظة منذ تولي الإدارة الجديدة مقاليد الحكم في سوريا. وأشارت البيانات الرسمية إلى تسجيل أكثر من 18 ألف شركة جديدة وعودة نحو مليون ونصف المليون لاجئ، مما يعطي إشارات إيجابية حول تعافي المناخ الاستثماري وقدرة الدولة على استعادة حيويتها.
سوريا في الوقت الحالي بمثابة مختبر لتحالف إقليمي جديد قائم على الدبلوماسية والتكامل والأمل للمنطقة بأسرها.
دعت السفارة الأمريكية المستثمرين الدوليين صراحة للدخول في قطاعات حيوية تشمل الطاقة والتكنولوجيا والاتصالات والعقارات. وتعكس هذه الدعوة ثقة متزايدة في استدامة الوضع القائم، ورغبة في قطع الطريق على المنافسين الدوليين عبر ترسيخ حضور الشركات الغربية في مفاصل الاقتصاد السوري الناشئ.
فيما يخص الملف الإسرائيلي، حاولت واشنطن في البداية ربط الانفتاح الاقتصادي بتحقيق تقدم في مسار السلام بين دمشق وتل أبيب. إلا أن التعنت الإسرائيلي دفع الإدارة الأمريكية إلى فصل المسارين مؤقتاً، والتركيز على التطورات الداخلية السورية مع ترك الملف الإسرائيلي لينضج ببطء بعيداً عن الضغوط المباشرة.
مارست واشنطن ضغوطاً واضحة على الحكومة الإسرائيلية لوقف غاراتها الجوية في العمق السوري، وتجنب العبث بالنسيج الاجتماعي المحلي. وتهدف هذه السياسة إلى تأمين اتفاق أمني يضمن الاستقرار على الحدود، مع تأجيل القضايا الشائكة مثل مصير الجولان المحتل إلى مراحل زمنية لاحقة لا تمثل أولوية حالية.
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، يرى مراقبون أن التحول في العلاقة بين واشنطن ودمشق لا يزال يتسم بالهشاشة كونه يرتبط بعلاقات شخصية أكثر من كونه مؤسسياً. فالدعم الحالي يعتمد بشكل كبير على الكيمياء الشخصية بين الرئيس ترامب والقيادة السورية الجديدة، وهو ما يثير قلقاً بشأن استمرارية هذه السياسة في حال تغيرت الإدارة.
يبرز انقسام داخلي في الولايات المتحدة حول هذا الانفتاح المتسارع، حيث يبدي الحزب الديمقراطي تحفظات كبيرة على منح الثقة الكاملة للحكام الجدد في دمشق. ويرى الديمقراطيون أن إدارة ترامب تسرعت في خطواتها دون الحصول على ضمانات كافية تتعلق بملفات الحكم الرشيد وحقوق الأقليات والتحول الديمقراطي.
من المتوقع أن تشهد السياسة الأمريكية مراجعة شاملة في حال وصول الديمقراطيين إلى البيت الأبيض، حيث سيتم التركيز بشكل أكبر على المعايير التقليدية للسياسة الخارجية. وقد يواجه الحكام في سوريا تحديات صعبة إذا لم ينجحوا في تحويل الانفتاح الشخصي الحالي إلى مؤسسات واتفاقيات عابرة للإدارات.
في الختام، تظل الرغبة السورية في الانفتاح على الغرب هي المحرك الأساسي للعلاقة الحالية، لكنها تحتاج إلى تغييرات هيكلية في بنية الدولة والمجتمع. وبدون إدراك الحكام في دمشق لضرورة بناء ثقة مؤسسية تتجاوز شخص الرئيس الأمريكي، ستبقى هذه العلاقة عرضة للانهيار مع أي تغيير سياسي في واشنطن.





شارك برأيك
ثلاث ركائز تحكم الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في سوريا