أقلام وأراء

الأربعاء 27 مايو 2026 10:31 صباحًا - بتوقيت القدس

الأقصى في المرحلة الأخيرة من التهويد

ما قلناه أكثر من مرة في مقالة وأكثر حول تهويد المسجد الأقصى ورفع الوصاية الأردنيه عنه وإنهاء الإشراف الإداري للأوقاف الإسلامية عليه، يسير وفق خطة امريكية يتبناها صهر الرئيس الأمريكي ترامب كوشنير، تاجر العقارات والصفقات وصاحب مشاريع السلام الاقتصادي والأمني بالإضافة الى السفير الأمريكي المتصهين في تل ابيب مايك هاكابي، والخطة تنص على إنهاء الدور الأردني على الأقصى، الوصاية المتوارثة منذ عام 1924، وتأسيس ادارة إسرائيلية له، وتحويله الى مقدس مشترك للديانات الثلاث.

 ولعل طلب الرئيس الأمريكي ترامب من سبع دول عربية وإسلامية، الأردن ومصر والسعودية وقطر والبحرين وباكستان وتركيا بالانضمام الإلزامي الى ما يعرف بالسلام الإبراهيمي مع إسرائيل، ليس فقط هدفه جباية اثمان سياسية مسبقة من هؤلاء الحلفاء لصالح إسرائيل، بل يأتي في إطار خطة تهويد المسجد الأقصى كجزء من خطة واسعة، لإجبار تلك الدول على دمج إسرائيل بنيويا في المنطقة، ومنحها دور القيادة في المنطقة، مقابل تراجع امريكا عن عدم تجديد عدوانها على ايران.

 وقد اشار موقع ميدل ايست اي، الى أن الخطة تتضمن إلغاء الإشراف الإداري للأوقاف على الأقصى، وتشكيل إدارة إسرائيلية له، يكون لها الحق في تعيين الأئمة والخطباء وكبار المسؤولين، ولها الحق أيضاً في الموافقة على مضمون خطب الجمعة والخطباء، وبموجب الخطة سيسمح للمستوطنين بالوصول الى المسجد الأقصى، واقامة صلواتهم علانية في ساحاته، وسيتم تحويله الى مقدس مشترك لأتباع الديانات الثلاث، ولا مانع من منح دول السلام الإبراهيمي دور دوري في الإِشراف على الأقصى، والخطة الأمريكية، كما ذكر الموقع المذكور، أبلغت فيها مصر والمغرب والبحرين والإمارات.

 هذه الخطة والمخطط والمشروع تطرقنا لها في أكثر من مقالة، ويبدو بأن بعض الأطراف العربية والإسلامية في ظل حالة الانهيار العربي والإسلامي، موافقة عليها ضمناً، وقد استبقت إسرائيل تلك الخطة بإصرار قائد شرطة القدس الإسرائيلي على ان تجري اجتماعات من قبل إدارة الأوقاف مع الشرطة الإسرائيلية في مركز الشرطة الإسرائيلي في البلدة القديمة " القشلة"، حيث رفضت الأوقاف التعاطي مع هذا الطلب،  لأنه يعني بأن دولة الاحتلال، هي مرجعية الأقصى والسيادة عليه، ولكن هناك اصرار من قائد شرطة الاحتلال على عقد لقاءات بين ادارة الأوقاف والشرطة الإسرائيلية في مركز الشرطة في الأقصى.

 ولعل هذه الخطة جرى التمهيد لها بخطوات تهويدية تمثلت في، القيام بإدخال أوراق وكتب الصلاة للأقصى، والقراءة منها علناً في صلوات جماعية، وإقرار مشروعي قرارين تهويديين بالقراءة التمهيدية في الكنيست، الأول ينزع القدسية عن ساحات المسجد الأقصى، ويحولها الى ساحات بلدية عامة، وحصر المسجد الأقصى فقط بالمسقوف من مساحة الأقصى الـ 144 دونما، وهذا يعني بأنه يحق لأتباع الديانات الأخرى أداء طقوسهم وصلواتهم التلمودية والتوراتية في ساحات الأقصى، دون ان يكون بوسع دائرة الأوقاف، أو حراس المسجد الأقصى منعهم عن القيام بتلك الصلوات والطقوس التلمودية، فهم سيتعرضون للاعتقال والمحاكمة والإبعاد عن الأقصى والإقامة الجبرية والحبس المنزلي.

 أما مشروع القانون الثاني المعروف بقانون " إنقاذ حائط المبكى"، فهو ينطوي على تغيرات كبيرة على وضع المسجد الأقصى، بحيث ينزع الطابع التعليمي والاجتماعي عنه ، ويجري اغلاق مدارس الأقصى فيه، وكذلك منع المناسبات الاجتماعية، لقاء العائلات وممارسة الأطفال للعبة كرة القدم وغيرها من الألعاب في ساحات الأقصى.

 بعد ذلك عمد الاحتلال الى استهداف البنيتين الإدارية والإعلامية، معتقداُ بأن عملية التهويد، لن تكون بشكل مجرد بدون موافقة الأوقاف الإسلامية نفسها،  فعمد الى إستهداف دائرة الأوقاف مباشرة،  لإضعاف دورها في البداية، ومن ثم إنهائه بشكل نهائي تمهيداً لإلغاء الوصاية الأردنية على الأقصى.

 فقد جرى استدعاء الشيخ عزام الخطيب رئيس دائرة ومجلس الأوقاف الإسلامية ومعه الشيخ عمر الكسواني الى مقر شرطة الاحتلال الرئيسي في البلدة القديمة " القشلة" ، وقد رفضا الذهاب، حيث أن ذلك يشكل سابقة سياسية خطيرة، والإعتراف بأن مرجعية الأقصى هي دولة الاحتلال، وكذلك يعني ذلك فرض السيادة الإسرائيلية عليه.

 رِفض الشيخ عزام ومعه الشيخ عمر الكسواني كان متوقعاً، ولذلك صعدت إسرائيل من هجمتها على الأوقاف الإسلامية،  لإضعاف قدرتها الإدارية على إدارة شهر رمضان المبارك، حيث عمدت الى استهداف الدائرة المحيطة بالشيخ عزام، خاصة حراس الأقصى، والذين هم موظفين اردنيين تدفع رواتبهم الأردن، وقد جرى ابعاد واعتقال أكثر من 49 منهم عن الأقصى ، وترافق ذلك من منع الأوقاف من تركيب المظلات في ساحات الأقصى للحماية من البرد وأيضاً عدم إدخال الوجبات للصائمين على الإفطار، ووجبات السحور للحراس ، وكذلك منع الترتيبات اللوجستية المتعلقة باستقبال المصلين.

 الاحتلال يدرك بأن وسائل الإعلام، هي الخطر على صورته وعلى ما يقوم به من اجراءات وممارسات بحق الأقصى والمصلين وغيرهم،  ولذلك عمد الى شن حملة ابعادات واسعة بحق الصحفيين عن الأقصى، والتنكيل بهم ، واعتقال العديد منهم، ولم يكتف الاحتلال بذلك، بل قام بحظر العديد من المنصات الإعلامية الكبرى، وهي التي تتمتع بحضور كبير وواسع عربياً واسلامياُ، في نقل ما يجري بحق الأقصى من اقتحامات وممارسات واستفزازات بحق المصلين والمرابطين وغيرهم.

 حيث اصدر وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس،  قراراً بحظر منصات قدس بلس والميدان والمعراج والعاصمة والميدان.

 إسرائيل في سياق استراتيحتها لتهويد الأقصى، لجأت الى استراتيجية أكثر عمقاً وخطراً، وتقلل من مخاطر خروج الأوضاع عن السيطرة، والذهاب الى مواجهات واسعة مع العالمين العربي والإسلامي، ضمن ما يعرف بإستراتيجية " التفكيك الصامت" للوضع القانوني والديني والتاريخي والدولي للأقصى، من خلال اعادة تشكيل السيادة الدينية والرمزية عليه،  بالإنتقال من ادارة الصراع الى حسمه عبر وسائل قانونية وأمنية.

 فالاحتلال يرى في هذه الأيام فرصته الذهبية التاريخية لتحقيق طموحاته في المسجد الأقصى بالكامل،  ووضعه تحت السيطرة الإسرائيلية التامة كما فعل في المسجد الإبراهيمي في الخليل. خاصة أن إسرائيل قد شكلت بالفعل ما يسمى: "إدارة جبل المعبد" المكونة من عدد من أبناء تيار الصهيونية الدينية المتطرف،  وتتعامل معه وكأنه أمر واقع.

 لذا يمكن أن تعلن إسرائيل نقل إدارة المسجد الأقصى إلى ما يسمى: "إدارة جبل المعبد"،  كما فعلت عندما نقلت الإدارة الدينية للمسجد الإبراهيمي مطلع هذا العام إلى المجلس الديني لمستوطنة كريات أربع،  وليس حتى إلى وزارة الأديان.

 والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما مدى احتمالية إقدام إسرائيل على إغلاق المسجد الأقصى ومتى يمكن ذلك؟ والواقع أن الإجابة عن هذا السؤال المشروع في هذا الوقت لا تقل ألما عن طرحه،  بالنظر إلى حالة الضعف والهزال التي تتملك العالم العربي والإسلامي اليوم.

 إن إسرائيل اليوم في ذروة الغرور والعنجهية لم تعد تفكر بعقلها كما كانت إبان فترة حكومات اليسار واليمين القومي قبل حكومة 2022 الحالية ذات التوجهات الصهيونية الدينية المسيحانية. وهذه مسألة حاسمة في فهم تصرفات إسرائيل الحالية. فهي لا تضع في الاعتبار حسابات سياسية أصلا.

دلالات

شارك برأيك

الأقصى في المرحلة الأخيرة من التهويد

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.