بعد أسابيع من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لا تزال الساحة السياسية تشهد تجاذبات حادة بين طهران وواشنطن في محاولة لصياغة تسوية شاملة. تسعى الحكومة الإيرانية من خلال هذه المفاوضات إلى فتح ثغرة في جدار العقوبات الدولية لتحقيق انتعاش اقتصادي عاجل، بينما تضع الإدارة الأمريكية استقرار سوق النفط العالمي على رأس أولوياتها.
يرى خبراء دوليون أن المخاطر التي تواجهها إيران في هذه المرحلة تعد وجودية بكل المقاييس، حيث تسببت سنوات العقوبات والحرب الأخيرة في تآكل البنية التحتية والاقتصادية. وفي المقابل، تبدو أهداف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرتبطة بحسابات سياسية داخلية، أبرزها خفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
رغم استمرار المحادثات، قلل الطرفان من احتمالية التوصل إلى حل سحري وسريع للأزمات المتراكمة التي عصفت بالشرق الأوسط. وصرحت مصادر إيرانية بأن الوصول إلى اتفاق نهائي لا يزال يتطلب جهوداً مضنية وتنازلات متبادلة، في حين أكد ترامب أنه لا يشعر بضغط الوقت لإتمام الصفقة.
تحتاج إيران، وفقاً لتقديرات مجموعة الأزمات الدولية، إلى مئات مليارات الدولارات لإعادة بناء ما دمرته الحرب والنهوض باقتصادها المنهك. وتدرك القيادة في طهران أن هذه الأموال لن تتدفق دون حل جذري للمشكلات العالقة مع المجتمع الدولي، والانتقال من حالة الحرب إلى سلام مستدام.
تظل أولوية النظام الإيراني متمثلة في الصمود الداخلي وإعادة بناء القوة العسكرية لضمان السيطرة على الأوضاع المحلية. ويؤكد مراقبون أن مستقبل السلطة في طهران بات مرتبطاً بشكل وثيق بالقدرة على إطلاق عمليات إعادة الإعمار وتخفيف الضغوط المعيشية عن المواطنين.
في سياق المطالب الإيرانية، تبرز قضية الأصول المجمدة في الخارج كشرط أساسي لأي تفاهم أولي مع واشنطن. وتصر طهران على استعادة جزء من هذه الأموال مقابل تقديم تسهيلات في ملفات إقليمية، محذرة من أن استمرار تجميدها قد يدفعها لمواصلة التضييق على الملاحة في مضيق هرمز.
يعد مضيق هرمز ورقة الضغط الأقوى بيد إيران، حيث تسبب إغلاقه الفعلي منذ بداية النزاع في اضطراب هائل بأسعار الطاقة العالمية. وتطالب واشنطن بضمان حرية الملاحة في هذا الممر الحيوي الذي يمر عبره خُمس النفط العالمي، كجزء لا يتجزأ من أي اتفاق مستقبلي.
بالنسبة لإيران، المخاطر وجودية، أما بالنسبة للولايات المتحدة فهي قصيرة الأجل ومرتبطة بأسواق الطاقة.
على الجانب الأمريكي، يواجه ترامب تحدي الموازنة بين الضغط على طهران للتخلي عن طموحاتها النووية وبين الحاجة لتأمين تدفق النفط. وتُشير المعطيات إلى أن الملف النووي قد يُرحل إلى مراحل لاحقة من التفاوض، مع التركيز حالياً على القضايا الأمنية والملاحية الأكثر إلحاحاً.
تعتبر أوساط تحليلية أن الحرب الأخيرة لم تحقق أهدافها الاستراتيجية لواشنطن أو تل أبيب، مما دفع نحو خيار التفاوض. ويسعى ترامب للظهور بمظهر 'صانع السلام المنتصر' الذي نجح في إخماد حريق الشرق الأوسط وتأمين مصالح بلاده الاقتصادية.
من جانبه، يراقب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التحركات الأمريكية بحذر شديد، مؤكداً ضرورة أن يقضي أي اتفاق على التهديد النووي الإيراني. واتفق نتنياهو مع ترامب في اتصال هاتفي على أن تفكيك منشآت التخصيب يجب أن يكون غاية نهائية لأي مسار دبلوماسي.
تؤكد مصادر مطلعة أن إسرائيل ستواصل معارضة أي اتفاق لا يضمن تجريد إيران من قدراتها النووية بشكل كامل. وتشدد تل أبيب على ضرورة استمرار الضغط العسكري والاقتصادي، معتبرة أن التهديد الجدي هو الوحيد الكفيل بانتزاع تنازلات حقيقية من طهران.
تتضمن مسودة التفاهم الإيرانية المقترحة 14 بنداً تركز بشكل أساسي على إنهاء العمليات القتالية ورفع العقوبات النفطية مؤقتاً. كما تشمل المفاوضات ملفات إقليمية معقدة، من بينها الوضع في لبنان، حيث تصر طهران على إدراج الجبهة اللبنانية ضمن أي تهدئة شاملة.
يبرز الخلاف حول لبنان كأحد الألغام التي قد تفجر المفاوضات، في ظل إصرار إسرائيل على حقها في ضرب أهداف تابعة لحزب الله. ويرى محللون أن هذا التباين يمنح إسرائيل أداة لتعطيل أي تقارب أمريكي إيراني لا يخدم رؤيتها الأمنية في المنطقة.
بين رغبة ترامب في خفض أسعار البنزين وحاجة إيران لمليارات الإعمار، تبقى المنطقة رهينة مفاوضات شاقة. وسيكون على الطرفين تجاوز عقبات تقنية وسياسية كبرى، بدءاً من إدارة مضيق هرمز وصولاً إلى مصير اليورانيوم عالي التخصيب، في سباق مع الزمن لتجنب جولة جديدة من الصراع.





شارك برأيك
صراع الأولويات بين واشنطن وطهران: هل تنهي 'صفقة الضرورة' حرب الشرق الأوسط؟