تشهد الساحة السياسية في الداخل الفلسطيني المحتل حراكاً مكثفاً لتوحيد صفوف الأحزاب العربية قبيل الانتخابات العامة المرتقبة في الخريف المقبل. وتهدف هذه التحركات إلى إعادة تشكيل القائمة المشتركة بمركباتها الأربعة لمواجهة صعود اليمين المتطرف وزيادة التأثير السياسي للفلسطينيين الذين يشكلون خمس السكان.
وأفادت مصادر مطلعة بأن اجتماعات مكثفة عُقدت بين قادة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والتجمع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير، والقائمة العربية الموحدة. وتسعى هذه القوى لتجاوز الخلافات السابقة التي أدت لتفكك القائمة المشتركة، وسط إدراك جماعي لخطورة المرحلة الراهنة.
في المقابل، كشفت تقارير إعلامية عن حالة من القلق تسود أروقة حكومة الاحتلال، حيث يسعى بنيامين نتنياهو لعرقلة هذا التوحد بكافة الوسائل. وذكرت مصادر أن الدوائر المقربة من رئيس الوزراء تدرس مسارات قانونية وأمنية تهدف إلى إعلان القائمة العربية الموحدة تنظيماً محظوراً قبل موعد الاقتراع.
وتستند المزاعم الإسرائيلية ضد القائمة الموحدة، التي يرأسها منصور عباس، إلى نشاطات إنسانية وتبرعات تم تحويلها لقطاع غزة خلال حرب الإبادة المستمرة. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تأتي في إطار محاولات نتنياهو لتقليص التمثيل العربي وضمان تفوق معسكره اليميني في الكنيست القادم.
وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن تشتت الأصوات العربية قد يحرمها من تجاوز نسبة الحسم، مما يمنح أحزاب اليمين المتطرف مثل حزب سموتريتش فرصة أكبر للبقاء. بينما يؤدي التوحد في قائمة واحدة إلى رفع عدد المقاعد العربية إلى نحو 15 مقعداً، ما يجعلها بيضة القبان في أي تشكيل حكومي مستقبلي.
من جانبه، شن زعيم حزب 'الديمقراطيين' المعارض، يائير غولان، هجوماً لاذعاً على نتنياهو، واصفاً محاولات حظر الأحزاب العربية بالنفاق السياسي. وأكد غولان أن نتنياهو الذي يتهم 'راعام' بالإرهاب اليوم، هو نفسه الذي توسل لمنصور عباس سابقاً لدعمه في تشكيل حكومة لإنقاذ مستقبله السياسي.
واعتبر غولان أن هذه التحركات تمثل اعتداءً صارخاً على القواعد الديمقراطية ومحاولة لتجريد المواطنين العرب من شرعيتهم السياسية. وأضاف أن نتنياهو يشعر باقتراب نهايته السياسية، خاصة في ظل ملاحقته أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.
نتنياهو يدرك تماماً أنه على وشك خسارة الانتخابات، وفي محاولة يائسة للحفاظ على حكمه يسعى لاستبعاد القائمة الموحدة التي تفاوض معها سابقاً.
وعلى الصعيد الميداني، أعلنت الأحزاب العربية الثلاثة (الجبهة، التجمع، التغيير) في بيان مشترك جاهزيتها للتوقيع على اتفاق 'قائمة تقنية' مع الموحدة. وأكد البيان أن الهدف هو رفع نسبة التصويت وإسقاط مشروع اليمين الفاشي الذي يهدد الوجود الفلسطيني في الداخل والشتات.
ورحبت القائمة العربية الموحدة بهذا التوجه، معتبرة أن نموذج القائمة التعددية التقنية يحفظ لكل حزب خصوصيته وخطابه السياسي مع ضمان عدم ضياع الأصوات. وأشارت الموحدة إلى أن هذا الاتفاق يمثل خطوة حقيقية نحو النجاح وتجاوز عثرات الانتخابات السابقة التي أضعفت التمثيل العربي.
وأكد النائب أحمد الطيبي أن ردود الفعل الإيجابية بين الأحزاب تعكس احتراماً لخصوصية كل طرف دون فرض نهج واحد على الجميع. وشدد الطيبي على أن الوحدة هي الرد الأمثل على التهديدات المستمرة بشطب الأحزاب العربية وإخراجها عن القانون من قبل حكومة اليمين المتطرف.
وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه دولة الاحتلال من أزمات داخلية متلاحقة جراء الحروب المستمرة على غزة ولبنان. وتسببت هذه الحروب في دمار هائل للبنية التحتية في القطاع، حيث قدرت الأمم المتحدة تكاليف إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار في ظل استمرار الحصار الخانق.
ورغم اتفاقات وقف إطلاق النار الهشة، تواصل قوات الاحتلال عمليات القصف اليومي وتقييد دخول المساعدات الإنسانية الأساسية. وقد أسفرت هذه الاعتداءات عن سقوط آلاف الشهداء والجرحى، معظمهم من النساء والأطفال، مما زاد من الضغوط الدولية والقانونية على قادة الاحتلال.
ويرى محللون سياسيون أن الانتخابات المقبلة، المتوقعة في سبتمبر أو أكتوبر، ستكون حاسمة في تحديد مسار الصراع الداخلي في إسرائيل. فإما أن ينجح نتنياهو في تحصين نفسه عبر تحالفات يمينية متطرفة، أو تنجح المعارضة مدعومة بكتلة عربية قوية في إنهاء حقبته السياسية.
ويبقى الرهان الأكبر على وعي الناخب الفلسطيني في الداخل المحتل وقدرته على تجاوز الإحباط والمشاركة بكثافة في صناديق الاقتراع. فزيادة التمثيل العربي لا تعني فقط التأثير في هوية الحكومة، بل تشكل خط دفاع أول ضد سياسات التهجير والتمييز العنصري التي تنتهجها الصهيونية الدينية.





شارك برأيك
تحركات لتوحيد القوائم العربية تثير قلق نتنياهو ومساعٍ قانونية لحظر 'الموحدة'