اقتصاد

الجمعة 22 مايو 2026 1:17 مساءً - بتوقيت القدس

موازنة مصر 2026/2027: أرقام ضخمة للحماية الاجتماعية وتحديات ضريبية تلاحق الدخول الثابتة

تكشف ملامح موازنة مصر للعام المالي 2026/2027 عن معادلة اقتصادية بالغة التعقيد، حيث تسعى الدولة لرفع حصيلة الضرائب إلى مستويات قياسية غير مسبوقة. وتتزامن هذه التوجهات مع إعلانات حكومية متكررة حول تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي للفئات الأكثر احتياجاً في المجتمع المصري.

تضع الموازنة الجديدة مستهدفاً للمصروفات يقترب من حاجز 5.1 تريليون جنيه، بينما يُتوقع أن تتجاوز الإيرادات العامة 4 تريليونات جنيه. وتهدف الحكومة من خلال هذه الأرقام إلى تقليص العجز الكلي ليصل إلى 4.9%، مع خفض نسبة الدين العام إلى 78% من الناتج المحلي الإجمالي.

تبرز الضرائب كركيزة أساسية في تمويل هذه الموازنة، حيث تستهدف الحكومة جمع نحو 3.529 تريليون جنيه. ويقع العبء الأكبر من هذه التحصيلات على كاهل الأفراد والموظفين وأصحاب المهن الحرة، الذين سيتحملون وحدهم قرابة 1.76 تريليون جنيه.

في المقابل، خصصت الحكومة مبالغ كبيرة لبند الحماية الاجتماعية بلغت 832.3 مليار جنيه، في محاولة لامتصاص تداعيات السياسات المالية القاسية. ويشمل هذا الدعم تخصيص 178.3 مليار جنيه للسلع التموينية التي تعتمد عليها ملايين الأسر المصرية بشكل يومي.

وعلى صعيد قطاع الطاقة، رصدت الموازنة نحو 120 مليار جنيه كدعم، ذهب الجزء الأكبر منها للكهرباء بواقع 104.2 مليار جنيه. بينما تم تخصيص 15.8 مليار جنيه فقط للمواد البترولية، مما يشير إلى استمرار سياسة تقليص دعم الوقود التقليدي.

يرى مراقبون أن هذه الأرقام الضخمة للدعم قد تفقد قيمتها الحقيقية أمام موجات التضخم المتلاحقة وزيادة الضرائب غير المباشرة. فإذا كانت الأسعار ترتفع بوتيرة أسرع من زيادة المخصصات، فإن الدعم يتحول إلى مجرد أداة لتسكين الأزمات بدلاً من حلها.

تثير زيادة حصيلة الضرائب على المرتبات بنسبة تصل إلى 51% مخاوف جدية بشأن تآكل الأجر الحقيقي للعاملين في الدولة والقطاع الخاص. هذا الارتفاع يضع الدخول الثابتة في مواجهة مباشرة مع متطلبات المعيشة التي تزداد صعوبة يوماً بعد يوم.

يشير التحليل المالي للموازنة إلى أن النظام الضريبي الحالي قد يميل لتحميل الاستهلاك والدخول الثابتة أعباءً تفوق ما يتم تحصيله من الثروات الكبرى. وتؤدي الضرائب غير المباشرة، التي تفرض على السلع والخدمات، إلى استنزاف دخول محدودي الدخل بشكل غير متناسب.

تظهر الموازنة أيضاً انحيازاً هيكلياً نحو دعم البنية الاقتصادية الكبرى والأنشطة الأكثر رسملة من خلال بنود دعم الطاقة والإنتاج. وغالباً ما تكون القطاعات كثيفة الاستهلاك هي المستفيد الأكبر من هذه المخصصات، مقارنة بالأسر الفقيرة ذات الاستهلاك المحدود.

الخلل في الموازنة لا يقتصر على توزيع الأرقام فحسب، بل يمتد إلى فلسفة توزيع الأعباء والامتيازات بين طبقات المجتمع. فبينما تمنح بعض الإعفاءات للقطاعات القادرة على المناورة، يجد المواطن العادي نفسه محاصراً بضرائب ورسوم تلاحقه في تفاصيل حياته.

تؤكد تقارير اقتصادية أن الاعتماد المفرط على الضرائب التي يرتد أثرها على المستهلك النهائي يعمق الفجوة الطبقية. ويخلق هذا الوضع شعوراً بالاغتراب لدى المواطن الذي يرى نفسه وعاءً ضريبياً أكثر منه شريكاً في عوائد التنمية الاقتصادية.

إن محاولة الموازنة إرضاء المؤشرات الدولية عبر خفض العجز والدين قد تأتي على حساب العدالة الاجتماعية الشاملة. فالمؤشرات المالية الجيدة على الورق لا تعكس دائماً تحسناً في جودة حياة المواطنين أو قدرتهم على مواجهة تكاليف المعيشة.

تتحول الضغوط الاقتصادية المستمرة إلى عجز نفسي لدى الفئات التي تشعر أن الدعم الحكومي لا يواكب القفزات السعرية المتتالية. ويصبح السؤال المطروح دائماً هو مدى قدرة هذه السياسات على توفير حياة كريمة مستدامة بعيداً عن مسكنات الدعم الموقتة.

ختاماً، تظل موازنة 2026/2027 وثيقة تعكس توازنات حرجة بين طموحات الدولة المالية واحتياجات الشارع الملحة. وبينما تسعى الحكومة لضبط الدفات المحاسبية، يبقى الرهان الحقيقي على مدى قدرة هذه الأرقام على تحقيق توازن فعلي ينصف الفقراء ويوزع الأعباء بعدالة.

دلالات

شارك برأيك

موازنة مصر 2026/2027: أرقام ضخمة للحماية الاجتماعية وتحديات ضريبية تلاحق الدخول الثابتة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.