تتزايد في الآونة الأخيرة التقديرات الأمنية والسياسية التي تشير إلى قرب عودة العمليات العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية. ويأتي هذا التصعيد في ظل نقاشات مكثفة داخل الدوائر الغربية حول طبيعة الأهداف التي قد تطالها الضربات القادمة، ومدى قدرة واشنطن على احتواء مواجهة قد تمتد لتشمل منطقة الخليج والممرات المائية الحيوية.
وفي هذا الصدد، كشف ديفيد سيدني، الذي شغل سابقاً منصب نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي، عن وجود سيناريوهات متعددة وضعت على طاولة القرار في واشنطن. وأشار سيدني إلى أن التوجه الحالي يتجاوز مجرد الرد المحدود، حيث يدفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نحو خيار تدمير شامل للقدرات العسكرية والبنى التحتية الإيرانية الحساسة.
وأوضح المسؤول الأمريكي السابق أن هناك قائمة من الأهداف الإيرانية الإستراتيجية التي لم تتعرض للقصف حتى الآن، مما يفتح الباب أمام ما وصفه بـ'الخيار الثالث'. ويتضمن هذا المسار استهداف الأصول العسكرية الإيرانية المتمركزة في مضيق هرمز، وتنفيذ عمليات نوعية بواسطة وحدات خاصة لتعطيل المنصات التي تنطلق منها الهجمات نحو دول الجوار.
من جانبها، رصدت مصادر ميدانية في العاصمة طهران تراجعاً ملحوظاً في لغة الدبلوماسية مقابل تصاعد نبرة التحشيد العسكري والاستعداد للمواجهة. وأفادت المصادر بأن المؤشرات الحالية تدفع باتجاه جولة ثالثة من الصدام المباشر مع الولايات المتحدة، خاصة مع تداول تقارير تؤكد استعادة طهران لـ 90% من ترسانتها الصاروخية التي تضررت سابقاً.
وعلى الصعيد التحليلي، يرى خبراء عسكريون أن الولايات المتحدة، رغم امتلاكها تفوقاً نوعياً متمثلاً في حاملات الطائرات والأسلحة الذكية، تواجه معضلة إستراتيجية معقدة. فالمواجهة القادمة قد لا تكون تقليدية، مما يفرض على الإدارة الأمريكية البحث عن ضربات خاطفة وأكثر حدة لتجنب الانزلاق في حرب استنزاف طويلة الأمد.
ويعتقد المحللون أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يسعى حالياً للحصول على صورة 'نصر عسكري' يعزز موقفه السياسي، لكنه في الوقت ذاته يبحث عن إستراتيجية خروج آمنة. هذا التناقض يفسر التلميحات الأمريكية حول إمكانية تنفيذ عمل عسكري محدود، مع التأكيد على عدم الاستعجال في إبرام أي اتفاقات سياسية جديدة مع القيادة الإيرانية.
هناك أهداف إيرانية لم تُضرب بعد، والخيار الثالث يشمل استهداف الأصول في مضيق هرمز لضمان فتحه وتأمين الملاحة الدولية.
في المقابل، لا تبدو طهران في وضع السكون، إذ تشير المعطيات إلى عمليات إعادة تموضع واسعة للقوات الإيرانية استعداداً لـ'حرب غير متماثلة'. وتهدف هذه التحركات إلى تقليل الخسائر الناجمة عن أي ضربات جوية مركزة، مع الحفاظ على القدرة على الرد في مناطق جغرافية واسعة تشمل خليج عمان وبحر العرب.
وتبرز في الأفق ملامح عملية عسكرية قد تحمل اسم 'مشروع الحرية بلس'، والتي قد تهدف لتجريد إيران من قدراتها البحرية والجوية في المناطق الساحلية. كما لا يستبعد مراقبون إمكانية تنفيذ عمليات برية جراحية ومحدودة، في حال توفرت معلومات استخباراتية دقيقة حول مواقع تخزين اليورانيوم أو المنشآت النووية الحساسة.
وعلى المسار السياسي، وضعت طهران شروطاً وصفت بالتعجيزية لبدء أي جولة جديدة من المفاوضات الرامية لبناء الثقة مع الجانب الأمريكي. وتضمنت هذه الشروط ضرورة الوقف الشامل للعمليات العسكرية على كافة الجبهات بما فيها لبنان، ورفعاً كاملاً وفورياً لكافة العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد.
كما طالبت الحكومة الإيرانية بالإفراج عن كافة الأموال المجمدة في المصارف الدولية، والحصول على تعويضات مالية عن الأضرار التي لحقت بها جراء العمليات العسكرية السابقة. ويبرز الشرط الخامس كأحد أكثر النقاط حساسية، حيث تطالب طهران باعتراف دولي صريح بسيادتها الكاملة على مضيق هرمز، وهو ما ترفضه واشنطن وحلفاؤها.
ختاماً، يبقى المشهد في المنطقة مفتوحاً على كافة الاحتمالات، حيث تتسابق الجهود العسكرية مع المحاولات الدبلوماسية المتعثرة. وبينما تصر واشنطن على تقليم أظافر إيران العسكرية، تتمسك طهران بشروطها السيادية، مما يجعل من الصدام المباشر خياراً يتقدم على ما سواه في ظل غياب قنوات الحوار الفعالة.





شارك برأيك
نذر مواجهة شاملة: سيناريوهات أمريكية لضرب العمق الإيراني وشروط طهران للتهدئة