تحليل

الأربعاء 13 مايو 2026 6:12 صباحًا - بتوقيت القدس

رودينبك أمام مجلس الأمن: الضفة الغربية تتحول إلى نظام حصار دائم وضمّ زاحف



واشنطن – سعيد عريقات – 13/5/2026


حذر ماكس رودينبك Max Rodenbeck، مدير مشروع إسرائيل-فلسطين في مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group )، من أن الضفة الغربية المحتلة تشهد تحولات خطيرة ومتسارعة تدفعها نحو واقع "غير قابل للاستدامة"، قائلاً إن ما يجري لم يعد مجرد إجراءات أمنية مؤقتة، بل عملية إعادة تشكيل سياسية وجغرافية تهدف إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية الدائمة على الأرض الفلسطينية.


وخلال إحاطة قدمها أمام مجلس الأمن الدولي يوم الجمعة 8 أيار 2026 ضمن جلسة "آريا فورمولا"، رسم رودينبك صورة قاتمة للأوضاع في الضفة الغربية، متحدثاً عن تصاعد عنف المستوطنين، وتسارع التوسع الاستيطاني، وخنق الاقتصاد الفلسطيني، وتفكيك التواصل الجغرافي بين المدن والبلدات الفلسطينية.


وأوضح أن الفلسطينيين يواجهون اليوم أكثر من 900 حاجز عسكري ونقطة تفتيش وإغلاق طرق، ما يجعل التنقل اليومي عملية شاقة ومهينة. وأشار إلى أن آلاف الفلسطينيين يضطرون للانتظار ساعات طويلة لعبور الحواجز للوصول إلى المدارس أو أماكن العمل أو المستشفيات، فيما تُغلق طرق كاملة بشكل مفاجئ، وتُعزل قرى بأكملها عن محيطها.


وأكد رودينبك أن هذه القيود لا تؤدي فقط إلى تعطيل الحياة اليومية، بل تسهم في تفكيك النسيج الاجتماعي والاقتصادي الفلسطيني. فالعمال يفقدون وظائفهم بسبب صعوبة الوصول، والطلاب يتغيبون عن مدارسهم وجامعاتهم، والمزارعون يُمنعون من الوصول إلى أراضيهم، بينما يواجه المرضى صعوبات خطيرة في تلقي العلاج.


وفي محور آخر من إحاطته، تحدث المسؤول في مجموعة الأزمات الدولية عن تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين، مؤكداً أن المشكلة لم تعد تقتصر على "تجاوزات فردية"، بل أصبحت جزءاً من بيئة منظمة تحظى بحماية فعلية من الجيش الإسرائيلي.


وقال إن كثيراً من الهجمات التي تستهدف القرى الفلسطينية تتم بحضور جنود إسرائيليين، بل وبمساندتهم أحياناً، فيما يسود مناخ شبه كامل من الإفلات من العقاب. وأضاف أن مجتمعات فلسطينية كاملة، خصوصاً في الأغوار الجنوبية وتلال الخليل، تتعرض لحملات ترهيب ممنهجة لدفع سكانها إلى مغادرة أراضيهم.


وربط رودينبك بين هذا العنف وبين التوسع الاستيطاني المتسارع، موضحاً أن إسرائيل تواصل إقامة بؤر استيطانية جديدة وربطها بالبنية التحتية والخدمات والحماية العسكرية، في وقت تتعرض فيه القرى الفلسطينية المجاورة لمزيد من التضييق ومنع البناء ومصادرة الأراضي.


وأشار إلى أن هذه السياسات تؤدي عملياً إلى تحويل المناطق الفلسطينية إلى جيوب منفصلة ومعزولة، محاطة بالمستوطنات والطرق العسكرية، ما يقضي تدريجياً على إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.


كما سلط الضوء على الدور المتنامي لوزير المالية الإسرائيلي على بيزليل سموتريتش ، الذي بات يتصرف فعلياً كـ"حاكم مدني" للضفة الغربية. وأوضح أن صلاحيات واسعة نُقلت من الإدارة العسكرية إلى هيئات مدنية يقودها سياسيون مؤيدون للضم، في خطوة قال إنها تضعف حتى الإطار القانوني الذي كانت إسرائيل تستخدمه للتمييز بين أراضيها والأراضي المحتلة.


وأكد رودينبك أن حكومة إسرائيل تحتجز أيضاً نحو خمسة مليارات دولار من أموال الضرائب الفلسطينية (المقاصة)، ما أدى إلى تعميق الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، وإضعاف قدرتها على دفع الرواتب وتقديم الخدمات الأساسية. كما أشار إلى أن القيود الإسرائيلية على العمالة الفلسطينية داخل إسرائيل فاقمت من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.


ورأى أن تراكم هذه الضغوط الاقتصادية والأمنية والسياسية يهدد بانفجار واسع، خصوصاً في ظل تراجع ثقة الفلسطينيين بالمؤسسات السياسية، واستمرار غياب أي أفق سياسي حقيقي.


ويكشف ما عرضه رودينبك أمام مجلس الأمن أن الضفة الغربية لم تعد مجرد ساحة احتلال تقليدي، بل أصبحت نموذجاً لنظام سيطرة متكامل يقوم على تفتيت الجغرافيا والسكان والاقتصاد معاً. فالحواجز العسكرية والاستيطان وعنف المستوطنين ليست أدوات منفصلة، بل حلقات ضمن سياسة تهدف إلى جعل الحياة الفلسطينية مستحيلة تدريجياً. الأخطر أن هذه العملية تجري بينما ينصبّ الاهتمام الدولي على غزة، ما يسمح لإسرائيل بإعادة رسم واقع الضفة بهدوء نسبي. وفي حال استمر هذا المسار، فإن فكرة “الحل السياسي” نفسها قد تتحول إلى مجرد شعار فارغ بلا أي أساس جغرافي أو مؤسساتي قابل للحياة مستقبلاً.


وتكمن خطورة الدور الذي يؤديه سموتريتش في أنه ينقل مشروع الضم من مستوى الخطاب الأيديولوجي إلى مستوى الإدارة اليومية الفعلية. فحين تُنقل صلاحيات الحكم من الجيش إلى هيئات مدنية إسرائيلية، يصبح الاحتلال أقرب إلى السيادة الدائمة منه إلى وضع مؤقت تحكمه القوانين الدولية. هذا التحول البيروقراطي يبدو تقنياً ظاهرياً، لكنه يحمل آثاراً إستراتيجية بعيدة المدى، لأنه يخلق بنية قانونية وإدارية تجعل التراجع عن الضم أكثر صعوبة مستقبلاً. كما أنه يمنح المستوطنين نفوذاً مباشراً في تقرير مصير الأرض الفلسطينية، بعيداً عن أي رقابة دولية فعلية أو مساءلة سياسية حقيقية.


اللافت أيضاً أن الإدارة الأميركية الحالية، رغم انتقاداتها للاستيطان وعنف المستوطنين بين فترة وأخرى ، ما تزال عاجزة عن ممارسة أي ضغط فعلي يوقف هذه السياسات. ويبدو أن واشنطن تخشى الصدام السياسي مع حكومة إسرائيل في خضم أزمات إقليمية متعددة، خصوصاً بعد حرب غزة والحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. لكن استمرار هذا التردد الأميركي يمنح اليمين الإسرائيلي انطباعاً بأن كلفة الضم الزاحف محدودة للغاية. ومع مرور الوقت، قد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام واقع جديد تكون فيه الضفة الغربية قد تغيرت جذرياً، بما يجعل أي حديث مستقبلي عن حل الدولتين أقرب إلى الوهم السياسي منه إلى مشروع قابل للتطبيق.

دلالات

شارك برأيك

رودينبك أمام مجلس الأمن: الضفة الغربية تتحول إلى نظام حصار دائم وضمّ زاحف

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.