تصاعدت في الآونة الأخيرة نبرة التحذيرات داخل الأوساط الأمنية والسياسية الإسرائيلية من مغبة الانزلاق نحو تبعية كاملة للإدارة الأمريكية، حيث يرى مراقبون أن تل أبيب باتت تفقد استقلالها السيادي لصالح البيت الأبيض. وأشارت مصادر إعلامية عبرية إلى أن المصالح الأمريكية والقواعد الأجنبية أصبحت المحرك الأساسي لمستقبل المنطقة، متجاوزة في تأثيرها دور الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية التقليدية.
وفي هذا السياق، اعتبر مناحيم هوروفيتس، محرر الشؤون الأمنية في القناة 12 أن ما يحدث على الحدود الشمالية مع لبنان يعكس واقعاً غريباً؛ فبينما تلتزم إسرائيل رسمياً بوقف إطلاق النار، تستمر الهجمات اليومية بالمسيرات على المستوطنات وقوات الجيش. ويرى هوروفيتس أن هذا الوضع يضع إسرائيل في حالة عجز عن ردع حزب الله أو تأمين حدودها، رغم التوغل البري المستمر في العمق اللبناني.
وحملت القراءات التحليلية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المسؤولية المباشرة عن هذا المشهد، حيث وصفته بأنه 'الرجل الذي يدير الأمور' فعلياً. فقد اتخذ ترامب قرار وقف إطلاق النار وأعلنه بشكل منفرد، دون منح الحكومة الإسرائيلية فرصة للنقاش أو المصادقة، مما فرض واقعاً ميدانياً جديداً يتماشى مع رؤيته الخاصة لا مع المتطلبات الأمنية الإسرائيلية.
وتطرقت المصادر إلى الرموز التي ظهرت في احتفالات إسرائيلية مؤخراً، حيث رُفعت أعلام تدمج بين 'نجمة داود' والعلم الأمريكي، معتبرة ذلك كشفاً لحقيقة مرة تتمثل في تسليم جزء كبير من السيادة لواشنطن. هذا التماهي يعكس، بحسب المحللين، تحولاً من دولة حليفة إلى ما يشبه 'الإمبراطورية التابعة' التي تعتمد كلياً على الدعم الخارجي للبقاء في وجه الضغوط الدولية.
وعلى صعيد الجبهة الجنوبية، كشفت التقارير أن القاعدة الأمريكية الضخمة المشيدة في 'كريات جات' باتت تمتلك ثقلاً في تقرير مستقبل قطاع غزة يفوق ثقل القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي. وبينما ينشغل المستوطنون بأحلام العودة إلى 'غوش قطيف'، هناك دوائر في واشنطن هي من ترسم الواقع الجيوسياسي الجديد للقطاع بعيداً عن الرغبات المحلية.
التدخل الأمريكي في الشأن الداخلي الإسرائيلي لم يتوقف عند الحدود العسكرية، بل امتد ليصل إلى رأس الهرم السياسي، حيث طالب ترامب الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ بمنح عفو لنتنياهو. ويُعد هذا الطلب تدخلاً فظاً وغير مسبوق في المنظومة القضائية والسياسية الإسرائيلية، مما يؤكد أن 'رجل القرن' يرى نفسه اللاعب الوحيد والمتحكم في كافة التفاصيل.
وذكّر المحللون بأن الدعم الأمريكي السخي كان دائماً مشروطاً بأثمان باهظة دفعتها إسرائيل عبر تاريخها، بدءاً من ضغوط كيسنجر في حرب 1973 لوقف إطلاق النار مع مصر. كما استعرضت التقارير كيف أوقفت واشنطن مشاريع عسكرية إسرائيلية طموحة مثل مشروع 'ليفي' في الثمانينيات، وأجبرت رؤساء وزراء سابقين على حضور مؤتمرات سلام وتقديم اعتذارات دولية قسرية.
ترامب هو من يُدير الأمور؛ قرر وقف إطلاق النار وأعلنه دون انتظار موافقة مجلس الوزراء الإسرائيلي، ويفرض حالياً قواعد لعبة جديدة تجعلنا نفقد سيادتنا تدريجياً.
إلا أن النهج الذي يتبعه ترامب يختلف جذرياً عن أسلافه من الرؤساء الأمريكيين الذين كانوا يلتزمون بحد أدنى من لغة الدبلوماسية وقواعد العلاقات الدولية. فترامب، وفقاً للمصادر، لا يكترث بالأعراف المكتوبة، وهو مستعد لتهديد حلفائه أو لقاء خصومهم التاريخيين إذا كان ذلك يخدم صورته كـ 'نجم أبرز' في العرض العالمي الذي يقوده.
وتسود مخاوف حقيقية من أن ترامب، الذي يدرك موازين القوى جيداً، قد يضحي بالمصالح الإسرائيلية في أي لحظة إذا ما تعارضت مع خططه الكبرى، خاصة فيما يتعلق بالملف الإيراني. فإذا قرر التوصل لاتفاق مع طهران، فإنه سيتجاهل التحفظات الإسرائيلية بلا تردد، مدفوعاً برغبته في تخليد اسمه كصانع صفقات تاريخي بغض النظر عن التبعات الأمنية على حلفائه.
ووصف المحللون لغة الخطاب التي يستخدمها ترامب مع القيادة الإسرائيلية بأنها لا تشبه لغة الدول الصديقة، بل تقترب من لغة 'الملك ورعيته'. هذا الأسلوب الفوقي في التعامل يثير قلقاً واسعاً حول مستقبل القرار المستقل في تل أبيب، خاصة وأن ترامب يتحرك بدوافع شخصية وأنانية مفرطة تجعل من الصعب التنبؤ بخطواته القادمة.
وفي ظل هذا الواقع، يرى خبراء أمنيون أن إسرائيل تعيش حالة من 'العمى الاستراتيجي' بسبب اعتمادها المفرط على شخص واحد في البيت الأبيض. ورغم أن ترامب يُصنف كصديق حقيقي، إلا أن الصداقة التي تلغي إرادة الطرف الآخر تتحول إلى عبء قد يؤدي إلى كوارث استراتيجية على المدى الطويل، خاصة في الجبهة الشمالية التي تدفع الثمن حالياً.
إن التخوف الإسرائيلي ينبع من حقيقة أن ترامب لا يتردد في اتخاذ خطوات جريئة وصادمة، مثل فرض تعريفات جمركية دولية أو تغيير أنظمة سياسية، مما يجعله شريكاً غير مأمون الجانب. فالمصالح التي تتقاطع اليوم قد تتصادم غداً، وعندها لن تجد إسرائيل مؤسسات قوية قادرة على الوقوف في وجه الإملاءات الأمريكية التي اعتادت الانصياع لها.
وتشير التقارير إلى أن المجتمع الإسرائيلي بدأ يشعر بوطأة هذه التبعية، حيث يتحول الشعور بالأمان الناتج عن الدعم الأمريكي إلى شعور بالقلق من فقدان الهوية السياسية. فالدولة التي كانت تفتخر بقدرتها على حماية نفسها بنفسها، تجد نفسها اليوم تنتظر إشارة من واشنطن للتحرك في أي ملف، سواء كان صغيراً أو كبيراً.
ختاماً، يشدد المحللون على ضرورة استعادة إسرائيل لزمام المبادرة والقدرة على قول 'لا' عندما تتعارض المصالح، حتى لو كان الطرف الآخر هو الصديق الأقرب. فالاستمرار في مسار التبعية المطلقة قد يحول إسرائيل إلى مجرد 'محمية' تفتقر للسيادة، وهو ما يمثل تهديداً وجودياً يفوق في خطورته التهديدات العسكرية المباشرة من الخصوم الإقليميين.





شارك برأيك
تحذيرات إسرائيلية من 'فقدان السيادة' والتحول إلى محمية أمريكية في عهد ترامب