اضطر وزير التجارة الجزائري الأسبق، نور الدين بوكروح، إلى تقديم اعتذار رسمي وعلني بعد موجة عارمة من الانتقادات والجدل التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي والأوساط السياسية في الجزائر. جاء ذلك عقب تداول مقاطع من مقابلة صحفية أجراها مؤخراً، استخدم فيها عبارات وُصفت بالمسيئة والمهينة في حق الرئيس الراحل هواري بومدين، مما أثار حفيظة المدافعين عن إرث الرجل الذي يعتبره الكثيرون مؤسس الدولة الوطنية الحديثة.
وفي بيان توضيحي نشره عبر حساباته الرسمية، أقر بوكروح بأن الكلمات التي استخدمها لوصف بومدين كانت 'غير لائقة'، مشيراً إلى أنها صدرت عنه في لحظة انفعال وعفوية زائدة خلال حديثه مع الصحافي سليمان بوصوفة. وأكد الوزير السابق أن هذه التصريحات ربما تسببت في صدمة كبيرة، خاصة لأفراد عائلة الرئيس الراحل، معرباً عن أسفه العميق واعتذاره الصادق للرأي العام الجزائري ولذوي الفقيد.
وأوضح بوكروح أن سياق حديثه لم يكن يهدف إلى تقييم المسيرة النضالية لبومدين إبان الثورة التحريرية، أو الانتقاص من حصيلة قيادته للبلاد بعد الاستقلال، بل كان يرمي لتسليط الضوء على مرحلة سياسية معينة. وأشار إلى أن انتقاده كان مرتبطاً بالنقاشات التي دارت حول الميثاق الوطني عام 1976، وما شهدته تلك الحقبة من خلافات حادة بين بومدين ورموز تاريخية أخرى مثل فرحات عباس وبن يوسف بن خدة.
واستذكر الوزير السابق في معرض تبريره الإجراءات التي اتخذها بومدين آنذاك ضد معارضيه، والتي وصفها بـ'القمعية'، حيث شملت فرض الإقامة الجبرية وتجميد الحسابات البنكية لأسماء بارزة في الحركة الوطنية. واعتبر بوكروح أن بومدين رحل دون أن يعتذر عن تلك الوقائع أو عن أحداث مأساوية أخرى طالت شخصيات مثل كريم بلقاسم ومحمد خيضر، وهو ما دفعه لإطلاق تلك الأوصاف في لحظة استرجاع لتلك الأحداث التاريخية.
من جانبها، لم تمر هذه التصريحات دون ردود فعل قاسية من كتاب ومثقفين جزائريين، حيث شن الكاتب محمد بوعزارة هجوماً عنيفاً على بوكروح، معتبراً أن الأوصاف التي أطلقها تعبر عن قائلها ولا تمس بمكانة بومدين. وأكد بوعزارة أن بومدين يحظى باحترام حتى من خصومه التاريخيين، مستشهداً بشهادات قادة كبار مثل الأخضر بورقعة ومحمد بوضياف الذين تحدثوا عن كاريزما الرجل وإخلاصه للوطن رغم الاختلاف السياسي.
وفي سياق متصل، وصف الكاتب خير الدين هني تصريحات بوكروح بـ'التطاول والوقاحة'، متهماً الوزير الأسبق بمحاولة الظهور بمظهر المفكر عبر استعارة أفكار مالك بن نبي دون استيعابها الحقيقي. وأضاف هني أن بومدين سيبقى رمزاً خالداً في ذاكرة الجزائريين بفضل إنجازاته في مجالات الصحة والتعليم والصناعة، معتبراً أن الهجوم عليه يعكس فشلاً في المسؤولية لدى منتقديه.
وتعيد هذه الحادثة إلى الواجهة الحساسية المفرطة في التعامل مع الرموز التاريخية في الجزائر، حيث غالباً ما تنتهي مثل هذه السجالات في أروقة المحاكم. ويحمي القانون الجزائري رموز الثورة التحريرية بنصوص صريحة، إذ تنص المادة 144 مكرر 1 على عقوبات حبسية نافذة تصل إلى خمس سنوات لكل من يسيء لهؤلاء الرموز عبر أي وسيلة من وسائل النشر أو التصريح العلني.
تصريحاتي كانت غير لائقة في حق الرئيس الراحل، وقد صدرت بلغة عفوية وتحت تأثير الانفعال، وأتقدم باعتذار صادق لعائلته وللرأي العام.
ويرى مراقبون أن اعتذار بوكروح السريع جاء لتفادي ملاحقات قضائية محتملة، خاصة في ظل السوابق التي شهدت سجن كتاب وصحفيين بسبب تناولهم لشخصيات تاريخية بأسلوب اعتبره القضاء مسيئاً. فالقانون الجزائري يعتبر المساس برموز الدولة والثورة خطاً أحمر لا يندرج ضمن حرية التعبير، بل يصنف كجريمة يعاقب عليها القانون بصرامة لحماية الذاكرة الوطنية من التشويه.
ويقيم نور الدين بوكروح، الذي سبق له الترشح للانتخابات الرئاسية عام 1995 وتولى حقيبة وزارة التجارة، في لبنان منذ سنوات طويلة، حيث يواظب على نشر مقالات وتحليلات سياسية تثير الجدل باستمرار. وتعرف كتاباته بأسلوبها الصدامي مع السلطة ومع القراءات التقليدية للتاريخ الجزائري، مما يجعله دائماً في قلب العواصف الإعلامية والقانونية.
وقد أثارت العبارات التي استخدمها بوكروح، مثل وصف بومدين بأنه 'لا يساوي بصلة'، صدمة لدى جيل الشباب وكبار السن على حد سواء، نظراً للرمزية التي يمثلها بومدين في الوجدان الشعبي. فبالنسبة للكثيرين، يمثل عهد بومدين العصر الذهبي للسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية، رغم الانتقادات التي توجه لنمط الحكم الأحادي الذي كان سائداً في تلك الفترة.
وفي ردود الأفعال الشعبية، اعتبر معلقون أن نقد السياسات والخيارات الاقتصادية والسياسية حق مشروع، لكن الانزلاق إلى القذف والسب الشخصي يسقط قيمة النقد ويحوله إلى تجريح مرفوض. وأشار البعض إلى أن بومدين، رغم رحيله منذ عقود، لا يزال قادراً على توحيد الجزائريين في الدفاع عن كرامته كرمز وطني، وهو ما تجلى في حجم الرفض الواسع لتصريحات بوكروح.
كما استذكرت بعض التدوينات مواقف بومدين الدولية ودعمه للقضايا العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، معتبرين أن هذه المواقف هي التي حفرت اسمه في التاريخ وليس المناصب الزائلة. وأكد منتقدون لبوكروح أن محاولة 'ركوب الترند' عبر شتم الرموز الوطنية هي وسيلة فاشلة للبحث عن الأضواء، خاصة عندما تأتي من شخصية تقلدت مسؤوليات عليا في الدولة.
وختم الكاتب بوعزارة تدوينته بالإشارة إلى أن 'الرصاصة عندما تخرج لا يمكن إعادتها'، في إشارة إلى أن الاعتذار قد لا يمحو الأثر السلبي الذي تركته الكلمات في نفوس الجزائريين. ويبقى الجدل حول 'قدسية' الرموز التاريخية مقابل 'حرية النقد' قائماً في الساحة الجزائرية، وسط تباين في الآراء بين من يراها ضرورة لحماية الهوية ومن يراها عائقاً أمام كتابة تاريخ موضوعي.
يُذكر أن القضاء الجزائري قد تحرك في حالات مشابهة سابقاً، شملت الإساءة للأمير عبد القادر وعبان رمضان، مما أدى إلى صدور أحكام قضائية مشددة. وتؤكد هذه الواقعة الجديدة أن ملف الذاكرة الوطنية في الجزائر لا يزال من أكثر الملفات حساسية وقابلية للانفجار، حيث تتداخل فيه العواطف الشعبية مع النصوص القانونية الصارمة.





شارك برأيك
وزير جزائري سابق يعتذر عن 'أوصاف مسيئة' بحق الرئيس الراحل هواري بومدين