أقلام وأراء

الأربعاء 06 مايو 2026 2:23 مساءً - بتوقيت القدس

النكبة المستمرة: قراءة في تشريعات السطو الصهيوني على الأرض الفلسطينية

تظل ذكرى النكبة الفلسطينية شاهدة على جريمة لم تتوقف فصولها منذ عام 1948، حين أعلن ديفيد بن غوريون قيام كيانه على أنقاض المدن والقرى المهجرة. جاء ذلك الإعلان في اجتماع بمدينة يافا المحتلة، ضم ممثلين عن الهيئات الصهيونية التي أدارت عملية السطو المسلح على الأرض والتاريخ الفلسطيني.

استند إعلان 'الدولة' المزعومة إلى ما وصفه بن غوريون بالحق الطبيعي والتاريخي، مستغلاً قرار التقسيم الأممي لشرعنة وجود كيان إحلالي. وقد حدد الخطاب آنذاك آليات انتقال السلطة من 'مجلس الشعب' إلى حكومة مؤقتة، في خطوة أرست قواعد المؤسسات الصهيونية الأولى.

من اللافت للنظر أن هذا الكيان لم يصدر دستوراً رسمياً منذ موعده المفترض في تشرين الأول 1948 وحتى يومنا هذا، وهو ما يثير تساؤلات قانونية وسياسية عميقة. ويرى باحثون أن هذا الغياب ليس صدفة، بل هو قرار استراتيجي يخدم طبيعة المشروع الصهيوني التوسعي.

يعزو المحللون عدم صياغة دستور إلى الصراع الداخلي بين القوى العلمانية والدينية، حيث تخشى الأخيرة من قوانين قد تحد من الطابع اليهودي المتطرف. كما أن غياب الدستور يمنح الاحتلال مرونة في تغيير حدوده وقوانينه بما يتلاءم مع وتيرة الاستيطان المستمرة.

إن بقاء الكيان بلا دستور يعني أن 'المشروع الصهيوني' لم ينتهِ بعد، وأنه في حالة حركة دائمة لجمع يهود العالم ونفي الفلسطينيين. هذا الوضع يسمح للمؤسسات الصهيونية بالعمل خارج أطر الدولة المدنية التقليدية التي قد تفرض حقوقاً لغير اليهود.

تتجلى ديناميكية العلاقة في إسرائيل بين السياسة والقانون كصراع بين 'فوضى القوة' ومأسسة الدولة، حيث يرفض التيار الإثني الخضوع لدولة مدنية. هذا الرفض يهدف بالأساس إلى ضمان بقاء مركز القرار بيد المؤسسات القومية اليهودية التي أقصت أصحاب الأرض الأصليين.

في سياق شرعنة السرقة، أصدرت سلطات الاحتلال في حزيران 1948 مرسوم 'المناطق المهجورة' للسيطرة المطلقة على أملاك الفلسطينيين المطرودين. عرف المرسوم هذه المناطق بأنها كل مكان احتلته القوات المسلحة أو هجره سكانه تحت وطأة العمليات العسكرية.

كشفت تقارير مخابراتية صهيونية تعود لتلك الحقبة أن إفراغ القرى الفلسطينية لم يكن طوعياً، بل نتج عن أعمال عدائية مباشرة وحرب نفسية ممنهجة. واعترفت تلك الوثائق بأن الخوف من الانتقام وأوامر الإخلاء القسرية كانت المحرك الأساسي لموجات اللجوء الأولى.

مع نهاية عام 1948، تم فرض 'أنظمة الطوارئ بشأن أملاك الغائبين' لتشديد القبضة على ممتلكات الفلسطينيين الذين منعوا من العودة. هذه الأنظمة لم تفرق بين من غادر البلاد وبين من نزح داخلياً، معتبرة الجميع 'غائبين' لا يحق لهم استرداد حقوقهم.

في عام 1950، انتقل الاحتلال إلى مرحلة 'التقنين' عبر إصدار قانون أملاك الغائبين الذي حل محل أنظمة الطوارئ السابقة. صمم هذا القانون ليكون أداة قانونية لنقل العقارات والأراضي العربية بشكل آلي إلى ما يسمى 'حارس أملاك الغائبين'.

منح القانون صلاحيات واسعة للحارس لبيع هذه الأملاك إلى 'سلطة التطوير'، وهي هيئة شبه حكومية تعمل كواجهة لنقل الملكية. هذا المسار القانوني المعقد كان يهدف في جوهره إلى محو الأثر القانوني للملاك الفلسطينيين وتثبيت واقع استيطاني جديد.

تكاملت هذه المنظومة بصدور 'قانون سلطة التطوير' الذي سمح ببيع الأراضي للصندوق القومي اليهودي (كيرين كييمت). وبذلك، تم ضمان تحويل الأرض الفلسطينية إلى 'ملك قومي يهودي' لا يجوز التصرف فيه أو إعادته لأصحابه الشرعيين تحت أي ظرف.

إن قراءة مسار النكبة منذ المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 وحتى اليوم، تكشف عن مخطط مستمر يحظى بدعم دولي وتواطؤ مفضوح. لم تتوقف بشائع الاحتلال عند التهجير المادي، بل امتدت لتشمل تزييف القوانين لخدمة المشروع الاستعماري الإحلالي.

بعد مرور ثمانية عقود على المأساة، يظل السؤال قائماً حول جدوى التعامل مع كيان لا يعترف إلا بسياسة الأمر الواقع والقوة العسكرية. فالتاريخ يثبت أن المنظومة الصهيونية صممت لتكون في حالة حرب دائمة مع الوجود الفلسطيني، مما يستوجب لغة مواجهة تليق بحجم التضحيات.

دلالات

شارك برأيك

النكبة المستمرة: قراءة في تشريعات السطو الصهيوني على الأرض الفلسطينية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.