تستعيد الذاكرة مواقف لرجال أفنوا حياتهم في سبيل الدعوة والإصلاح، ومنهم ذلك الداعية المسن الذي نجا من حكم إعدام عسكري في عهد جمال عبد الناصر بأعجوبة. تروي الحكاية كيف أن غاية الحياة لدى هؤلاء المصلحين تظل مرتبطة بالرسالة التي يحملونها، بعيداً عن صراعات السلطة المباشرة، رغم ما واجهوه من تضييق وصل إلى حد التهديد بالقتل.
في حقبة التسعينيات، كانت المساجد تشهد حراكاً فكرياً ونقداً صريحاً للنظام السياسي آنذاك، ورغم القبضة الأمنية، كان هناك نوع من التوازن غير المعلن الذي سمح بوجود أصوات إصلاحية. هذه الأصوات لم تكن مجرد خطب رنانة، بل كانت تمثل صمام أمان اجتماعي يربط الناس بقيم الصبر والعمل والبناء بعيداً عن اليأس.
اليوم، يطرح التساؤل الملح نفسه حول ما يخسره المجتمع بغياب هؤلاء المصلحين، خاصة مع تصاعد الظواهر السلبية المقلقة في المجتمع المصري. إن ازدياد حالات الانتحار بشكل غير مسبوق، ومنها حوادث مأساوية لأمهات وطبيبات، يعكس حجم الفراغ الروحي والاجتماعي الذي تركه غياب المؤسسات الإصلاحية المستقلة.
لقد كان للمصلحين دور يتجاوز الوعظ، حيث ساهموا في تأسيس المستشفيات والمراكز الطبية ورعاية الأيتام والأرامل بالتنسيق مع مؤسسات الدولة. وبغيابهم نتيجة الملاحقات أو التغييب القسري، فقدت الفئات الهشة في المجتمع سنداً قوياً، مما أدى لزيادة معدلات التفكك الأسري وارتفاع نسب الطلاق بشكل مخيف.
إن فقه مقاصد الشريعة يعلمنا أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهو ما يتجلى في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية. الحكمة تقتضي أحياناً القبول بتوازنات صعبة لحماية الكيان العام للمجتمع، وهو ما يفتقده الكثير من المتحمسين للتغيير دون امتلاك رؤية شاملة لما بعد السقوط.
بالعودة إلى مقولات الكواكبي، نجد تحذيراً شديداً من إزاحة الظلم دون إعداد البديل المناسب، لأن ذلك يؤدي غالباً إلى مآسٍ أشد وطأة. إن التجارب التاريخية في المنطقة أثبتت أن التعجل في الخلاص من الأنظمة دون تدبير البدائل المؤسسية يترك غصة في الصدور ويدخل البلاد في دوامات من الفوضى.
على الصعيد الإقليمي، تبرز باكستان كلاعب محوري يحاول سد الفراغ الدبلوماسي عبر الوساطة بين طهران وواشنطن. هذه التحركات تأتي في وقت يلح فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إبرام اتفاق سريع ينهي حالة التوتر، بينما تتمسك إيران بمطالبها المتمثلة في رفع الحصار البحري عن موانئها الحيوية.
إن الذي يزيح ظالماً دون أن يعد بديلاً مناسباً مكانه فقد ساهم في المأساة التي ستنشأ من بعده.
تشير التقارير إلى أن المفاوضات في إسلام آباد واجهت عثرات أولية، حيث انسحب الوفد الأمريكي غاضباً في إحدى الجولات، مما يعكس تعقيد الملفات العالقة. ومع ذلك، تواصل باكستان التنسيق مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا، بالإضافة إلى دول إقليمية كالسعودية ومصر، لترجيح كفة الحلول التفاوضية على المواجهة العسكرية.
الموقف الألماني، الذي عبر عنه المستشار فريدريتش ميرتس، يقر بأن القوة الإيرانية باتت حقيقة لا يمكن تجاهلها، منتقداً غياب استراتيجية أمريكية مقنعة. هذا الاعتراف الدولي يعزز من موقف القوى التي تدعو للواقعية السياسية والبحث عن مخارج تضمن استقرار الممرات المائية والتجارة الدولية في المنطقة.
في المقابل، تبدي إسرائيل معارضة شديدة لأي دور باكستاني في صياغة التوازنات الإقليمية، وتحاول ممارسة ضغوط على الإدارة الأمريكية لعرقلة هذا المسار. يرى المراقبون أن التنسيق العسكري والاقتصادي الواسع بين باكستان والصين يثير قلق تلويث، خاصة مع تداخل المصالح ضمن مبادرة الحزام والطريق.
إن العمل من أجل نهضة الأمة يتطلب إخلاصاً في التخصص، فليس مطلوباً من الداعية أو المصلح أن يكون خبيراً في كل المجالات. التخصص هو سمة العصر، والنجاح الحقيقي يكمن في إتقان كل فرد لمجاله، مع انتظار المتغيرات الإلهية والدولية التي تعيد للأمة مكانتها الحضارية المفقودة.
يجب أن نعي أن السنن الكونية لا تتبدل، وأن البناء الحضاري يتم 'ذرة فذرة' وفق منظور طويل الأمد وليس عبر قفزات غير مدروسة. الدعوة للازدهار وفهم غايات الحياة ليست ترفاً فكرياً، بل هي هدف إيماني وحياتي يتطلب عملاً دؤوباً وتغييراً يبدأ من الأساسات كما فعل المصلحون الأوائل.
إن حرية الكلمة وقول الحق هما الأمانة التي يجب أن يحملها كل مصلح، دون خوف من هيبة الناس أو خشية على رزق أو أجل. الكلمات الصادقة هي التي تضيء ظلمات العالم، وهي التي تمنح الأمل للشعوب في لحظات الانكسار والتحولات الكبرى التي تمر بها المنطقة.
ختاماً، يبقى وجود المصلحين في حياتنا ضرورة لا غنى عنها لضبط الإيقاع الاجتماعي والسياسي، وحماية المجتمعات من الانهيار الداخلي. إن غيابهم يعني غياب الحكمة في التعامل مع الأزمات، وهو ما تدفع ثمنه الشعوب من استقرارها ومستقبل أجيالها القادمة في ظل عالم يموج بالصراعات.





شارك برأيك
أهمية المصلحين في مواجهة الأزمات الاجتماعية والتحولات السياسية