تتصاعد في الآونة الأخيرة التساؤلات حول مستقبل هرم السلطة في إيران، لا سيما مع تواتر التقارير التي تتحدث عن الوضع الصحي للمرشد مجتبى خامنئي. وتتجاوز هذه التساؤلات البعد الشخصي لتطال جوهر منصب 'مرشد الثورة' ودوره المحوري في صياغة الاستراتيجيات العليا للبلاد، في وقت تواجه فيه طهران ضغوطاً دولية متزايدة.
إن منصب المرشد الأعلى ليس مجرد وظيفة سياسية عابرة، بل هو كيان صيغ وفق مقتضيات دينية معقدة تنسجم مع عقيدة المهدي المنتظر في الفكر الشيعي الإمامي. ورغم أن هذا المنصب يمثل أعلى سلطة في البلاد، إلا أن بنية النظام الإيراني تتسم بتشابك مؤسساتي قد يمتص صدمة غياب أي شخصية مهما كان وزنها.
تاريخياً، بدأت إشكالية الحكم لدى الشيعة مع 'الغيبة الكبرى' عام 941م، حيث نشأ فراغ في القيادة السياسية والدينية. في البداية، انحصرت فكرة الإنابة في الشؤون الدينية والاجتماعية الصغرى، بينما ظلت الصلاحيات الكبرى وإقامة الدولة حكراً على الإمام المنتظر وفق المنظور التقليدي.
شهدت المرحلة الصفوية تحولاً جوهرياً، حيث بدأ الفقهاء يميلون نحو القبول بشرعية السلطة القائمة كأمر واقع لخدمة الطائفة. ومثل المحقق السبزواري في القرن السابع عشر هذا الاتجاه، مؤكداً على مشروعية السلطة السياسية لغير الإمام، مما شكل بداية انفصال بين السلطتين الزمنية والدينية.
تطورت نظرية النيابة العامة في القرن السادس عشر على يد المحقق الثاني، الذي منح تفويضاً للحكم باسم 'نائب الإمام'. ومع مطلع القرن التاسع عشر، دعا فقهاء مثل أحمد النراقي إلى تولي الفقهاء زمام الأمور بشكل مباشر تحت مسمى 'الإمامة الكبرى'، رافضين فكرة الانتظار السلبي.
في المقابل، شهدت إيران مطلع القرن العشرين 'ثورة المشروطة' التي طالبت بإنهاء الاستبداد الملكي وإرساء سيادة القانون. كانت هذه الثورة تمثل قطيعة مع الفكر الإمامي التقليدي، حيث نادت بضرورة وجود دستور يحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم بعيداً عن التفويض الإلهي المطلق.
برز العلامة محمد حسين النائيني كأحد أهم منظري الدولة الدستورية، معتبراً أن السلطة يجب أن تكون أمانة بيد الشعب وليست تملكاً فردياً. وحذر النائيني من أن غياب 'العصمة' عن الفقيه يجعل من تركيز السلطة في يده باباً للجور، مقترحاً أن يكون الدستور هو البديل عن عصمة الإمام الغائب.
إن اختزال السلطة في شخص الولي الفقيه قد يؤدي إلى الجور بدلاً من العدل، وهو ما دفع مفكرين تاريخيين للمطالبة بولاية الأمة على نفسها.
رغم هذه الأفكار التحررية، عاد تيار ولاية الفقيه المطلقة للبروز في الستينيات بقيادة الخميني، الذي جادل بأن الفقيه يتمتع بكافة صلاحيات الإمام المعصوم. ومع نجاح الثورة عام 1979، جرى تقنين هذه النظرية دستورياً، لتصبح الكلمة الفصل في شؤون الدولة بيد المرشد الأعلى.
أوجد النظام الإيراني مزيجاً فريداً يجمع بين الولاية المطلقة وآليات ديمقراطية مثل انتخاب البرلمان ورئيس الجمهورية. ومع ذلك، تظل هذه المؤسسات خاضعة في نهاية المطاف لإشراف المرشد ومجلس الخبراء، مما يضمن بقاء القرار الاستراتيجي ضمن الدائرة الدينية الضيقة.
واجه هذا النموذج تحديات جسيمة خلال العقود الأخيرة، تجلت في موجات من الاحتجاجات الشعبية العارمة التي هزت أركان النظام. ورغم القمع الشديد الذي تعرضت له هذه التحركات في أعوام 2009 و2022، إلا أن جذور الاستياء الشعبي ظلت كامنة بانتظار لحظة الانفجار.
تشير القراءات السياسية الحالية إلى أن إيران تعيش حالة من الاحتقان المكتوم بسبب تراجع نفوذها الإقليمي والتبعات الاقتصادية للحروب. ويرى مراقبون أن انتهاء الأزمات العسكرية الراهنة قد يفتح الباب أمام انفجار شعبي لا يكتفي بالمطالب المعيشية، بل يطالب بتغيير جذري في بنية النظام.
تؤكد التجارب التاريخية أن الهزائم العسكرية أو الأزمات الوجودية غالباً ما تؤدي إلى سقوط السرديات الأيديولوجية الكبرى. وفي الحالة الإيرانية، فإن تآكل شرعية 'ولاية الفقيه' أمام جيل شاب يتطلع للمواطنة والقانون قد يعجل بنهاية هذا النموذج الفريد في الحكم.
إن الصراع بين الدولة الدستورية والولاية الدينية لا يزال قائماً في الوجدان السياسي الإيراني، وهو صراع تغذيه الأزمات المتلاحقة. ومع تزايد الفجوة بين تطلعات الشعب وتصلب المؤسسة الحاكمة، يبدو أن النظام يقترب من مفترق طرق تاريخي سيحدد مصير البلاد لعقود قادمة.
ختاماً، تظل ولاية الفقيه تجربة سياسية مثيرة للجدل، جمعت بين القداسة الدينية والبراغماتية السياسية في آن واحد. وبينما تحاول النخب الحاكمة الحفاظ على مكتسباتها، يظل السؤال قائماً حول قدرة هذا النظام على الصمود أمام رياح التغيير التي تعصف بالمنطقة وبالداخل الإيراني.





شارك برأيك
ولاية الفقيه في الميزان: جذور الأيديولوجيا وسيناريوهات المصير المجهول