لم يعد المشهد الذي يجمع بين الأزمات اللبنانية والإيرانية مجرد تقاطع عابر للظروف السياسية، بل تحول إلى نموذج متكامل لإدارة الصراعات عبر الأدوات الاقتصادية والمالية. وتكشف المؤشرات الراهنة أن المواجهة انتقلت من الميدان الأرضي إلى ساحة التدفقات النقدية، حيث تُستخدم الأرقام كأدوات ضغط استراتيجية تتجاوز التوصيف التقليدي للأزمات.
في الحالة الإيرانية، يواجه الاقتصاد الذي يقدر حجمه بنحو 400 مليار دولار ضغوطاً هيكلية عميقة ناتجة عن تراكم العقوبات الأمريكية المفروضة منذ عام 2018. هذه العقوبات لم تكتفِ بتقليص الاستثمارات الأجنبية، بل قيدت قدرة طهران على الاندماج في النظام المالي العالمي وعرقلت تحويل عائدات النفط الحيوية.
وعلى الرغم من تسجيل الميزان التجاري الإيراني فائضاً اسمياً يتراوح بين 5 و15 مليار دولار، إلا أن هذا الرقم لا يترجم إلى استقرار نقدي ملموس. وتكمن المعضلة الأساسية في عدم القدرة على الوصول الفوري لهذه العائدات أو تحويلها، مما يخلق فجوة بين حجم الصادرات وتوفر السيولة الدولارية في الأسواق المحلية.
أدى هذا الاختناق المالي إلى ارتفاع مزمن في معدلات التضخم وتدهور حاد في قيمة العملة المحلية، مما أدى بدوره إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر الإيرانية. وتراهن القوى الدولية على هذا الضغط الداخلي لإحداث اهتزازات اجتماعية ناتجة عن الركود التضخمي الذي يضرب مفاصل الدولة.
أما في لبنان، فتبدو الصورة أكثر قتامة مع انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تجاوزت 60% منذ بداية الأزمة في عام 2019. وقد فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 85% من قيمتها، مما وضع المالية العامة في حالة من العجز شبه الكامل عن تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
تسببت العمليات العسكرية الأخيرة في الجنوب اللبناني بأضرار جسيمة تُقدر بعشرات مليارات الدولارات، في وقت تعجز فيه الدولة عن تأمين الحد الأدنى من التمويل. وتتبع إسرائيل في الجنوب سياسة تدميرية تذكر بما يحدث في قطاع غزة، مما يفاقم من أزمة النزوح والأعباء المعيشية.
يختلف لبنان عن إيران في كونه لا يملك هوامش للمناورة أو "الالتفاف الاقتصادي"، حيث يعتمد كلياً على التدفقات الخارجية والمساعدات وتحويلات المغتربين. وهذه التدفقات تظل مشروطة بإصلاحات هيكلية جذرية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وهو ما يضع البلاد في حالة ارتهان للمواقف الدولية.
السياسة قد تصنع الهدنة، لكن الاقتصاد وحده يصنع الاستقرار الدائم للدول.
تتقاطع المسارات بين بيروت وطهران عند نقطة الاختناق المالي؛ فبينما تمتلك إيران موارد تعجز عن الوصول إليها، يحتاج لبنان لموارد يعجز عن تأمينها. والنتيجة في الحالتين هي ضغط هائل على العملة الوطنية واستقرار المجتمع، مما يجعل الحلول السياسية وحدها غير كافية دون قاعدة اقتصادية.
تشير التقارير إلى أن إعادة إعمار لبنان تتطلب تدفقات مالية سنوية تتراوح بين 5 إلى 10 مليارات دولار لسنوات طويلة. وهذا المسار يتطلب مظلة سياسية دولية واضحة، تضمن استقرار القنوات المالية وتدفق الاستثمارات بعيداً عن معادلات الصراع العسكري المباشر.
بالنسبة لإيران، فإن تخفيف الضغوط الاقتصادية يرتبط بمدى إمكانية إعادة إدماجها في النظام المالي العالمي، وهو أمر مرهون بالتحولات السياسية في واشنطن. ويبقى التساؤل حول قدرة طهران على رسم دور إقليمي جديد يسمح بتحويل فوائضها التجارية إلى سيولة فعلية تدعم اقتصادها المنهك.
إن الاعتماد على سياسة "الأرض المحروقة" اقتصادياً يهدف إلى الوصول بالدول إلى مرحلة الانفجار الاجتماعي من الداخل. وتظهر الأرقام أن الدول قد تتحمل الضغوط السياسية والعسكرية لفترة، لكنها لا تستطيع الصمود طويلاً أمام تآكل العملة وانهيار مستويات المعيشة.
المفارقة تكمن في أن الشعوب التي اعتادت على العقوبات قد تطور آليات للصمود، لكن تكلفة هذا الصمود تزداد مع مرور الوقت وتراكم الأزمات البنيوية. وفي غياب الحلول الجذرية، تظل القنوات الاقتصادية المسدودة هي العائق الأكبر أمام أي استقرار مستدام في المنطقة.
في نهاية المطاف، تثبت الأرقام أن أي تسوية سياسية لن تصمد ما لم تستند إلى تدفقات مالية مستقرة وعملة متوازنة. فالحروب قد تنتهي باتفاقيات وقف إطلاق نار، لكن الاستقرار الحقيقي يتطلب فتح قنوات الاقتصاد وإعادة بناء الثقة في النظام المالي والمصرفي.
إن الربط بين المسارين اللبناني والإيراني يكشف أن مفتاح الحل يكمن في الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة البناء الاقتصادي. وبدون ذلك، ستبقى المنطقة رهينة لتقلبات الأسواق وضغوط القوى الكبرى التي تستخدم المال كسلاح لا يقل فتكاً عن الصواريخ.





شارك برأيك
بين طهران وبيروت: صراع التدفقات المالية يفرض معادلات سياسية جديدة