في قراءة صادمة لمستقبل التوازنات الدولية، اعتبر البروفيسور جون ميرشايمر، أحد أبرز منظري المدرسة الواقعية أن السياسة الخارجية الأمريكية الحالية تمر بمرحلة 'انتحار استراتيجي'. وأكد في محاضرة ألقاها بالمركز العربي في واشنطن أن القرارات المصيرية لم تعد تُصنع بالكامل داخل البيت الأبيض، بل باتت منقادة لرغبات تل أبيب التي تجر المنطقة نحو حافة الهاوية.
واستخدم ميرشايمر استعارة أدبية بليغة من رواية 'موبي ديك' لوصف الهوس الإسرائيلي بإيران، مشبهاً إياها بمطاردة الكابتن 'أهاب' للحوت الأبيض التي انتهت بغرق الجميع. ويرى أن هذا الهوس تحول من حسابات أمنية إلى عقيدة خلاصية، أدت في نهاية المطاف إلى توريط واشنطن في حرب استنزاف لا تخدم مصالحها القومية العليا.
وأشار التحليل إلى أن 'اللوبي الإسرائيلي' في واشنطن لم يعد يكتفي بالضغط السياسي التقليدي، بل نجح في انتزاع 'شيك على بياض' لممارسة سياسات تتسم بنزعة إبادة جماعية. هذا النفوذ أدى إلى تغييب العقل الاستراتيجي الأمريكي الذي كان يفترض به التعلم من دروس الفشل المريرة في العراق وأفغانستان.
وعلى الصعيد الميداني، كشفت المواجهة الأخيرة مع طهران عن عجز التفوق الجوي الأمريكي عن حسم المعارك أمام حقائق الجغرافيا الصلبة. فقد أثبتت إيران أن سيطرتها على مضيق هرمز تمثل 'مقصلة' حقيقية فوق عنق الاقتصاد العالمي، وقادرة على إحداث شلل يتجاوز حدود الإقليم.
لقد أدى إغلاق المضيق إلى قفزات فلكية في أسعار الطاقة ونقص حاد في الأسمدة العالمية، حيث يمر عبر هذا الممر المائي نحو ثلث الإنتاج العالمي للأسمدة وخمس إمدادات الطاقة. ويبدو أن الاستراتيجية الأمريكية سقطت في فخ الاستخفاف بقدرة الخصم على تحويل الجوع العالمي إلى ورقة ضغط سياسية وعسكرية.
وتشير تقارير استخباراتية إلى أن الانزلاق الأمريكي نحو المواجهة الشاملة لم يكن نتاج دراسات معمقة، بل كان نتيجة 'خديعة استراتيجية' خطط لها بنيامين نتنياهو ومدير الموساد ديفيد برنياع. هذه المقامرة أدت إلى دفع أثمان باهظة، تمثلت في تعرض 13 قاعدة أمريكية للدمار أو الشلل التام نتيجة الضربات الإيرانية.
وفي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تستنزف مخزوناتها من منظومات 'ثاد' و'باتريوت' لحماية العمق الإسرائيلي، كانت الصين تراقب المشهد بهدوء. لقد تسببت هذه الحرب في استهلاك الذخائر المتقدمة الأمريكية بوتيرة تفوق قدرة المصانع على التعويض، مما أضعف قدرة واشنطن على الردع في بحر الصين الجنوبي.
إن المطاردة الإسرائيلية لإيران تشبه مطاردة الكابتن أهاب للحوت الأبيض؛ وهي رحلة تنتهي دائماً بغرق السفينة وطاقمها.
ويرى ميرشايمر أن 'الاستدارة نحو آسيا' التي نادت بها الإدارات الأمريكية المتعاقبة قد دُفنت فعلياً في رمال الشرق الأوسط. فالتضحية بالقدرة على مواجهة الخصم الاستراتيجي الأول (الصين) من أجل حماية حليف إقليمي، يمثل التعريف الأكاديمي الصريح للفشل الاستراتيجي الشامل.
وحذر المحلل الواقعي من سيناريو 'اليأس الإسرائيلي' الذي قد يدفع تل أبيب نحو 'خيار شمشون' النووي إذا شعرت بتهديد وجودي لا يمكن رده بالوسائل التقليدية. والسؤال المقلق يظل حول مدى قدرة واشنطن على كبح جماح حليفتها في حال قررت تجاوز الخطوط الحمراء النووية.
إن الخطاب السياسي الأمريكي الأخير، بما في ذلك تهديدات ترامب بمحو 'الحضارة الإيرانية'، يعكس انتقال ما وصفه ميرشايمر بـ 'عدوى الإبادة' من تل أبيب إلى واشنطن. هذا التحول يشير إلى ضوء أخضر ضمني لأي تصعيد مستقبلي مهما بلغت بشاعته الإنسانية أو تداعياته القانونية.
وعلى مستوى التحالفات، بدأت المظلة الأمنية الأمريكية تشهد تآكلاً غير مسبوق في ثقة الحلفاء الإقليميين، خاصة في منطقة الخليج وأوروبا. فقد أدركت هذه الدول أن الحماية الأمريكية قد تتوارى أو تُثقب عند أول اختبار جدي يتعارض مع المصالح الإسرائيلية المباشرة.
وتوقع ميرشايمر أن تتجه العواصم الإقليمية نحو سياسة 'تصفير المشاكل' مع طهران والبحث عن ضمانات أمنية بديلة في بكين أو موسكو. هذا التحول يعيد إلى الأذهان مقولة هنري كيسنجر الشهيرة بأن 'التحالف مع أمريكا أمر قاتل'، والتي باتت اليوم دستور عمل للعديد من الدول.
إن الدرس الأكبر المستخلص من هذه الأحداث هو أن الغطرسة لا يمكن أن تكون بديلاً للاستراتيجية الرصينة، وأن الواقعية السياسية تفرض نفسها في النهاية. الانهيارات الاستراتيجية لا تحدث فجأة، بل هي نتاج تآكل تدريجي في العقل السياسي والقدرة العسكرية حتى يصبح التراجع قدراً محتوماً.
ختاماً، يظل تحليل ميرشايمر بمثابة جرس إنذار لما قد تؤول إليه الأمور إذا استمرت واشنطن في تغليب الأيديولوجيا والالتزامات العضوية على حساب الحسابات الجيوسياسية الباردة. إن المسار الحالي لا يهدد فقط استقرار الشرق الأوسط، بل يضع أسس نهاية الهيمنة الأمريكية كما عرفها العالم منذ عقود.





شارك برأيك
ميرشايمر يحذر من 'انتحار استراتيجي': هل تغرق واشنطن في 'موبي ديك' الإسرائيلية؟