في الضفة الغربية، لم تعد الخارطة مجرد أداة جغرافية تُستخدم لتحديد المدن والقرى والطرق، بل تحوّلت إلى وثيقة سياسية تكشف جوهر الصراع على الأرض، الخارطة المحدثة للاستيطان حتى عام 2026 لا تترك مجالًا كبيرًا للتأويل، فهي لا تعرض نقاطًا متناثرة هنا وهناك، بل ترسم بنية متكاملة لمشروع استيطاني يتقدم بثبات، ويعيد تشكيل الواقع الفلسطيني بصورة عميقة ومدروسة.
لم يعد بالإمكان قراءة الضفة الغربية من خلال تقسيمات أوسلو التقليدية A وB وC، تلك التي وُضعت يومًا كمرحلة انتقالية نحو حل سياسي مفترض، ما تكشفه الخارطة اليوم هو أن هذه التقسيمات فقدت معناها الفعلي، بعدما جرى تجاوزها ميدانيًا عبر شبكة معقدة من المستوطنات والبؤر والمزارع الاستيطانية، التي تقضم الأرض وتعيد رسم حدود السيطرة الفعلية بعيدًا عن أي إطار قانوني أو تفاوضي.
تشير المعطيات إلى إنشاء 34 مستوطنة جديدة، وهو رقم لا يمكن التعامل معه كحدث عابر، بل يعكس سياسة ممنهجة تهدف إلى تثبيت وقائع يصعب التراجع عنها، هذه المستوطنات ليست مجرد تجمعات سكنية، بل أدوات استراتيجية توضع بعناية لربط الكتل الاستيطانية الكبرى، وتقطيع أوصال التجمعات الفلسطينية، بما يجعل أي تواصل جغرافي فلسطيني أمرًا شديد التعقيد.
أما المستوطنات القائمة، التي يبلغ عددها 127، فهي تمثل العمود الفقري لهذا المشروع، إذ تشكل مراكز ثقل ديموغرافية وعسكرية واقتصادية، تُستخدم لترسيخ فكرة “الأمر الواقع”، ومع مرور الوقت، تتحول هذه المستوطنات إلى مدن متكاملة، تُخدم ببنية تحتية متطورة، وتُربط بشبكات طرق خاصة، في مقابل تضييق مستمر على القرى والمدن الفلسطينية المحيطة.
في موازاة ذلك، تلعب البؤر الاستيطانية، وعددها 122، دورًا بالغ الخطورة، فرغم تصنيفها “غير قانونية” حتى وفق القوانين الإسرائيلية، إلا أنها تحظى بحماية مباشرة أو غير مباشرة، وغالبًا ما تتحول لاحقًا إلى مستوطنات رسمية، هذه البؤر تمثل المرحلة الأولى من التوسع، حيث تُزرع كنقاط متقدمة على الأرض، تمهيدًا لتثبيتها وتوسيعها لاحقًا.
غير أن الأداة الأكثر دهاءً وخطورة تكمن في ما يُعرف بالمزارع الاستيطانية، التي بلغ عددها 199 مزرعة، هذا النمط من الاستيطان لا يعتمد على الكثافة السكانية، بل على السيطرة على المساحات الواسعة، من خلال الرعي والزراعة، بهذه الطريقة، يتم الاستيلاء على آلاف الدونمات بشكل تدريجي وهادئ، دون الحاجة إلى بناء كثيف أو حضور بشري كبير، ما يجعلها أداة فعالة في فرض السيطرة بأقل تكلفة وأعلى مردود.
ضمن هذه المنظومة، تبرز مجموعات مثل “شبيبة التلال”، التي تؤدي دورًا حاسمًا في تنفيذ التوسع على الأرض، من خلال إقامة البؤر، وممارسة العنف ضد الفلسطينيين، وفرض واقع جديد بالقوة، ورغم أن هذه المجموعات تُقدَّم أحيانًا كجهات خارجة عن القانون، إلا أن دورها العملي يكشف عن تكامل وظيفي بينها وبين مؤسسات الدولة، حيث يتم تثبيت ما تفرضه لاحقًا عبر الإجراءات الرسمية.
ما تكشفه هذه الخارطة لا يتعلق فقط بانتشار الاستيطان، بل بطبيعة المشروع ذاته، نحن أمام انتقال واضح من احتلال تقليدي قابل للنقاش السياسي، إلى مشروع إحلالي يعمل على إعادة تشكيل الأرض والإنسان، ويهدف إلى إغلاق الباب أمام أي إمكانية حقيقية لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة.
إن أخطر ما في هذا الواقع ليس فقط في توسعه، بل في طبيعته التراكمية، حيث يتم فرض التغيير ببطء ولكن بثبات، إلى أن يصبح واقعًا يصعب تغييره، ومع كل مستوطنة جديدة، وكل بؤرة تُثبت، وكل مزرعة تتمدد، تتآكل فكرة الحل السياسي، وتتحول إلى مجرد طرح نظري بعيد عن الواقع.
في النهاية، لا تقدم هذه الخارطة صورة للحاضر فحسب، بل ترسم ملامح مستقبل يُفرض بالقوة مستقبل تقوم فيه الجغرافيا بدور الحسم، حيث تصبح الأرض نفسها أداة سياسية، ويُختزل الصراع في معادلة قاسية: من يفرض وقائعه أولًا، يحدد شكل النهاية.





شارك برأيك
هندسة الاحتلال… كيف تُصنع الوقائع على حساب الجغرافيا الفلسطينية