أقلام وأراء

الجمعة 26 يونيو 2026 6:50 مساءً - بتوقيت القدس

فلسطين: ثلاثون عامًا في فخّ الثورة والدولة


د. إبراهيم نعيرات

لم يكن قرار القيادة الفلسطينية بالدخول في اتفاق أوسلو وإنشاء السلطة الوطنية قرارًا عابرًا في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، بل مثّل تحولًا استراتيجيًا نقل المشروع الوطني من منطق الثورة إلى منطق البحث عن الدولة عبر التسوية السياسية. وقد كان ذلك انتقالًا محفوفًا بالمخاطر، لأن السلطة لم تُقم فوق أرض محررة، بل نشأت تحت الاحتلال نفسه، بكل ما يفرضه ذلك من قيود سياسية وأمنية واقتصادية مباشرة.

ومع ذلك، فإن خيار إقامة سلطة تحت الاحتلال، رغم صعوبته وتعقيداته، لم يكن بالضرورة أخطر الخيارات المطروحة. فالخيار البديل، أي استمرار المقاومة المسلحة بالتوازي مع مشروع التسوية، كان يحمل بدوره مخاطر لا تقل جسامة، إذ كان يمنح القوى الإسرائيلية الرافضة لاتفاق أوسلو الذريعة التي احتاجتها منذ البداية لتأكيد أن الفلسطينيين لا يسعون إلى السلام، وأن أي انسحاب إسرائيلي سيقود إلى مزيد من العنف. وهكذا وجد خصوم العملية السلمية داخل إسرائيل في كل تصعيد فرصة إضافية لإضعاف المشروع الذي قام عليه الاتفاق، وهو ما يقترب اليوم من نهايته الفعلية.

لكن هذا لا يعني أن القيادة الفلسطينية كانت مطالبة بالثقة بالاحتلال أو التعويل على حسن نواياه. فالوقائع التي رافقت السنوات الأولى لاتفاق أوسلو، من استمرار التوسع الاستيطاني إلى المماطلة في تنفيذ الالتزامات، كانت كافية لتكريس شك عميق في إمكانية وصول العملية السياسية إلى نهايتها الطبيعية. ومن هنا كان مفهومًا أن تسعى القيادة إلى الاحتفاظ بخيارات بديلة، وألا تسمح بانطفاء روح المبادرة الوطنية، أو بإغلاق الباب نهائيًا أمام خيار المقاومة في حال انهيار مسار التسوية.

غير أن السؤال الذي تفرضه التجربة، بعد أكثر من ثلاثة عقود، لم يعد: هل كان هذا الشك مبررًا؟ بل: هل كانت الطريقة التي أُدير بها هذا الشك حكيمة وفعّالة؟

فالسياسة لا تُبنى على النوايا وحدها، بل على الانسجام بين الاستراتيجية والأدوات. فإذا كان الخيار التاريخي هو تبني المسار السلمي، فإن منطق هذا الخيار كان يقتضي استمرار القيادة الفلسطينية في السير به حتى نهايته المنطقية، مع إعادة صياغة النظام السياسي بما يتوافق معه. وكان ذلك يعني بناء سلطة تحتكر القرار الوطني، وتفرض سيادة القانون، وتحتكر استخدام القوة، وتصبح المرجعية الوحيدة في إدارة العلاقة مع الاحتلال، سواء في التفاوض أو في أي تحول مستقبلي في الاستراتيجية الوطنية.

غير أن ما جرى فعليًا، وفق هذه القراءة، هو أن القيادة اختارت نموذجًا مدمجًا جمع بين منطق السلطة ومنطق الثورة، وبين مشروع الدولة وحركة التحرر. فقد احتفظت بشرعية مسار التسوية، لكنها لم تُنهِ بصورة كاملة تعدد مراكز القرار والمبادرة في إدارة الصراع. وهكذا بقيت السلطة مسؤولة أمام المجتمع الدولي عن الالتزامات السياسية والأمنية، في حين لم تكن صاحبة القرار الحصري في كل ما يتعلق بإدارة المواجهة مع الاحتلال.

وقد جاء هذا النموذج الهجين بوصفه محاولة للجمع بين مزايا الخيارين في آن واحد: الحفاظ على المسار التفاوضي من جهة، وعدم التفريط بأوراق القوة الوطنية من جهة أخرى. غير أن التجربة، كما يبدو، أثبتت أن الجمع بين مشروعين يقوم كل منهما على منطق مختلف قد يؤدي في النهاية إلى إضعافهما معًا. فلم تنجح السلطة في ترسيخ نفسها كدولة تحتكر القرار والسيادة، كما لم تنجح الثورة في البقاء موحدة ضمن قيادة سياسية واحدة تمتلك رؤية استراتيجية جامعة.

وكانت النتيجة أن كل طرف وجد في الواقع ما يعزز روايته الخاصة. فالإسرائيليون المعارضون لاتفاق أوسلو استخدموا العمليات المسلحة لتأكيد أن الاتفاق قد فشل، في حين رأى الفلسطينيون أن استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني دليل على أن إسرائيل لم تكن جادة أصلًا في تنفيذ استحقاقات السلام. وبين هاتين الروايتين المتقابلتين، تآكلت الثقة تدريجيًا، حتى انهار الأساس السياسي الذي قامت عليه العملية السلمية.

واليوم، تبدو المفارقة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فما كان ينبغي للسلطة الفلسطينية أن تبادر إلى إنجازه منذ لحظة تأسيسها—من إصلاح المؤسسات، وتجديد الشرعية، وتكريس سيادة القانون، وتوحيد القرار الوطني—أصبح يُطرح عليها من الخارج، تحت ضغط التحولات الإقليمية والدولية. وبذلك تحول ما كان يمكن أن يكون قرارًا سياديًا يعزز استقلالية المشروع الوطني إلى استحقاق مرتبط بشروط المانحين وحسابات القوى الدولية.

وهنا يتجلى الدرس الأهم. فالمشكلة لم تكن في انعدام الثقة بالاحتلال؛ فالشك كان مشروعًا، وربما ضروريًا. لكن الإشكالية كانت في إدارة مشروع الدولة ومنطق الثورة في آن واحد، دون حسم واضح لأي منهما. فالدولة لا تقوم إلا باحتكار القرار والقوة، بينما الثورة لا تنجح إذا تعددت استراتيجياتها وتناقضت مرجعياتها. أما الجمع بين المنطقين لفترة انتقالية طويلة، فقد أفرز سلطة لم تكتمل فيها مقومات الدولة، وثورة فقدت وحدة قرارها، وعملية سلام تآكلت تدريجيًا أسسها التي قامت عليها.

وربما لم يكن الخطأ في اختيار مسار السلام، ولا في الاحتفاظ بالشك تجاهه، بل في الاعتقاد بإمكانية البقاء طويلًا في تلك المنطقة الرمادية بين الثورة والدولة. فالتاريخ كثيرًا ما يثبت أن اللحظات الانتقالية لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، وأن المشروع الذي لا يحسم هويته، ينتهي غالبًا إلى خسارة مزايا جميع الخيارات التي حاول الجمع بينها.


دلالات

شارك برأيك

فلسطين: ثلاثون عامًا في فخّ الثورة والدولة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.