تشهد الساحة الليبية تحركاً دبلوماسياً وعسكرياً أمريكياً مكثفاً يهدف إلى كسر الجمود السياسي وتوحيد المؤسسة العسكرية، في خطوة استراتيجية تهدف بالأساس إلى تقليص النفوذ الروسي المتنامي. وتسعى واشنطن من خلال هذه التحركات إلى إيجاد أرضية مشتركة بين القوى المتنافسة في شرق البلاد وغربها، بما يضمن استقراراً طويل الأمد ينعكس على قطاعي الطاقة والاقتصاد.
وفي تطور ميداني بارز، هبطت طائرة عسكرية أمريكية في مطار القرضابية بمدينة سرت، وعلى متنها الجنرال جون برينان، نائب قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم). وتعد هذه الزارة رمزية بامتياز، كون المطار كان سابقاً تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية ثم خضع لاحقاً لنفوذ مجموعات 'فاغنر' الروسية، مما يشير إلى تغير في موازين القوى الميدانية.
أشرف الجنرال برينان خلال زيارته على انطلاق أول مناورات عسكرية مشتركة تضم مقاتلين من فصيلين كانا حتى وقت قريب في حالة صراع مسلح. وتهدف هذه التدريبات إلى بناء الثقة بين الضباط من الرتب المتوسطة والعليا، وتمهيد الطريق لتشكيل قوة عسكرية موحدة قادرة على حماية الحدود وتأمين المنشآت الحيوية بعيداً عن التدخلات الأجنبية.
ويرى مسؤولون غربيون أن نجاح هذه الخطة سيمثل ضربة قوية للتواجد الروسي في شمال أفريقيا، حيث تستخدم موسكو الأراضي الليبية كقاعدة لوجستية لدعم عملياتها في دول جنوب الصحراء. وتطمح واشنطن إلى إخراج المرتزقة الروس من القواعد الجوية والبرية التي يسيطرون عليها، واستبدالهم بمنظومة أمنية ليبية وطنية مدعومة من المجتمع الدولي.
من جانبه، أكد الجنرال برينان أن الإمكانات الاستثمارية الهائلة التي تمتلكها ليبيا يجب أن تكون المحرك الأساسي لعملية التوحيد، مشيراً إلى أن الاستقرار سيفتح الباب أمام تدفق رؤوس الأموال العالمية. وأضاف أن الولايات المتحدة مستعدة لتقديم الدعم الفني والتدريبي اللازم للقوات الليبية في حال استمرارها في مسار التقارب العسكري الحالي.
وتتضمن خطة السلام التي تتوسط فيها واشنطن حوافز ملموسة، من بينها إمكانية تخفيف حظر الأسلحة الدولي المفروض على ليبيا من قبل الأمم المتحدة. ويشترط هذا الإعفاء استمرار التعاون بين جيش الشرق وجيش الغرب، وإنشاء قيادة عسكرية موحدة تخضع لسلطة مدنية، مما ينهي حالة الانقسام التي دامت لأكثر من عقد.
وعلى الرغم من التحديات الميدانية وآثار الدمار التي لا تزال شاخصة في المدن الليبية، إلا أن مراقبين يرون أن هناك فرصة حقيقية للتغيير في ظل الرغبة الدولية المتزايدة لتأمين مصادر الطاقة. وبدأت ملامح هذا التقارب تظهر من خلال لقاءات جمعت بين قيادات عسكرية رفيعة من طرابلس وبنغازي، تخللتها مآدب غداء مشتركة ونقاشات حول مكافحة الإرهاب.
إن حجم الإمكانات الاستثمارية في ليبيا يشكل حافزاً حقيقياً لإعادة توحيد البلاد وتجاوز الانقسام العسكري.
وفي سياق متصل، كشفت تقارير استخباراتية عن نجاح التنسيق الأمني الجديد في تفكيك خلايا نائمة تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية كانت تنشط في عمليات الدعاية والاتجار بالبشر. هذا النجاح الميداني عزز من قناعة الأطراف الليبية بضرورة تشكيل لجنة مشتركة تضم ستة قادة عسكريين للإشراف على القوة الموحدة المزمع إنشاؤها.
ولم تقتصر المناورات الأخيرة على الجانب الأمريكي والليبي فقط، بل شهدت مشاركة دولية واسعة شملت قوات خاصة من ألمانيا وتركيا وإيطاليا وبريطانيا. وقدمت هذه الدول دعماً لوجستياً وطبياً، بالإضافة إلى استخدام الطائرات المسيرة في عمليات محاكاة لإنقاذ رهائن، مما يعكس إجماعاً غربياً على ضرورة استقرار ليبيا.
وتأمل بريطانيا وحلفاؤها في رؤية حكومة ليبية قوية لا تجد نفسها مضطرة للاعتماد على قوى أجنبية أو مرتزقة لتأمين بقائها، وخاصة الجانب الروسي. ويؤكد دبلوماسيون أن ليبيا الموحدة ستكون قادرة على قطع الجسور الجوية التي تستخدمها موسكو لنقل الأسلحة والأفراد إلى حلفائها في القارة الأفريقية.
أما البعد الاقتصادي، فيبدو أنه المحرك الأقوى للتحرك الأمريكي، حيث تمتلك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية في القارة السمراء لم يتم استغلالها بالكامل بسبب النزاعات. وقد بدأ إنتاج النفط بالفعل في التعافي، حيث سجل مستويات قياسية وصلت إلى 1.43 مليون برميل يومياً، وهو ما يساهم في استقرار الأسواق العالمية المضطربة.
بدأت شركات النفط الأمريكية الكبرى، مثل شيفرون وإكسون موبيل، في العودة إلى الساحة الليبية عبر توقيع اتفاقيات تنقيب جديدة في الحقول البحرية والبرية. ويمثل هذا العودة تصويتاً بالثقة في المسار الأمني الجديد، ورغبة في تأمين حصة من الموارد الطاقية في ظل التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي.
علاوة على النفط، تضع إدارة واشنطن نصب أعينها الموارد المعدنية النادرة التي تزخر بها الصحراء الليبية، مثل اليورانيوم والليثيوم والكوبالت. وتعتبر هذه المعادن حيوية للصناعات التكنولوجية المتقدمة والدفاعية، مما يجعل من استقرار ليبيا ضرورة استراتيجية للأمن القومي الأمريكي في مواجهة التمدد الصيني والروسي.
ختاماً، يظل الطريق نحو السلام الشامل في ليبيا محفوفاً بالمخاطر، إلا أن المبادرات العسكرية الأخيرة تشكل خطوة عملية غير مسبوقة نحو إنهاء الانقسام. وإذا ما نجحت واشنطن في الحفاظ على زخم هذا التقارب، فإن ليبيا قد تتحول من ساحة للصراعات الدولية إلى شريك استراتيجي رئيسي في حوض البحر الأبيض المتوسط.





شارك برأيك
تحرك أمريكي واسع في ليبيا: مناورات عسكرية مشتركة لتقويض النفوذ الروسي وتأمين موارد الطاقة