عربي ودولي

السّبت 04 أبريل 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس

مقامرة الصحراء: تقرير دولي يكشف كواليس العاصمة الإدارية الجديدة في مصر

تناولت تقارير صحفية دولية مشروع العاصمة الإدارية الجديدة في مصر بوصفه تحولاً جغرافياً وسياسياً جذرياً يقوده الرئيس عبد الفتاح السيسي تحت مسمى الجمهورية الجديدة. ووصفت المصادر المدينة بأنها مشروع ذو أبعاد ضخمة يهدف إلى نقل مراكز القوة والثروة من القاهرة التاريخية إلى قلب الصحراء، في محاولة لإعادة صياغة الهوية العمرانية للبلاد.

تتجسد الطموحات العمرانية في المدينة من خلال معالم بارزة مثل البرج الأيقوني، الذي يعد أطول مبنى في القارة الأفريقية، بالإضافة إلى مقر الأوكتاجون العسكري. هذا المقر الاستراتيجي يفوق حجم البنتاغون الأمريكي بعشر مرات، مما يعكس الرؤية الأمنية والعسكرية التي تسيطر على تخطيط المدينة الجديدة.

على الصعيد الاقتصادي، يواجه هذا الطموح تحديات خانقة تتمثل في تضاعف الديون الخارجية لمصر أربع مرات خلال العقد الأخير. وأشارت مصادر اقتصادية إلى أن سداد هذه الديون بات يستنزف أكثر من 60 بالمئة من الميزانية العامة للدولة، مما يضع ضغوطاً هائلة على الاستقرار المالي الكلي.

يسلط التقرير الضوء على الدور المحوري للمؤسسة العسكرية في إدارة هذا المشروع الضخم عبر شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية. وتستحوذ وزارة الدفاع على أغلبية أسهم هذه الشركة، مما يتيح لها السيطرة على مبيعات الأراضي الصحراوية وتحويل أرباحها بعيداً عن الخزانة العامة للدولة.

تتقاضى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة رسوم إدارة تصل إلى 35% من قيمة عقود المقاولات المنفذة في المدينة. هذا النموذج المالي يضمن للمؤسسة العسكرية تراكم الأرباح دون تحمل مخاطر حقيقية، حيث تقع أعباء القروض والديون على عاتق وزارة الإسكان والبنوك الحكومية والبنك المركزي.

من الناحية التقنية، تُروج السلطات للعاصمة كمدينة ذكية تعتمد على التكنولوجيا الفائقة في الإدارة والأمن. ومن المقرر أن تعمل نحو 6000 كاميرا مراقبة، منسقة بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي، على مراقبة حركة المرور وأمن المواطنين بشكل دائم ومكثف.

يرى مراقبون أن نقل مؤسسات الحكم إلى الصحراء يهدف في جوهره إلى حماية الحكومة من أي احتجاجات شعبية مستقبلية. فالبعد عن مركز القاهرة المزدحم وميدان التحرير يقلل من احتمالات تكرار سيناريوهات التظاهرات الكبرى التي شهدتها البلاد في عام 2011.

تظهر الفجوة الاجتماعية بشكل صارخ عند مقارنة الرفاهية المخطط لها في العاصمة بالواقع المعيشي لغالبية المصريين. فبينما تنتشر إعلانات المجمعات السكنية الفاخرة وملاعب الغولف، لا يتجاوز متوسط الأجر الشهري في البلاد 200 دولار، في ظل موجة تضخم بلغت مستويات قياسية.

على المستوى اللوجستي، تبرز أزمة المياه كأحد أكبر التحديات التي تواجه استدامة الحياة في المدينة الجديدة. تعتمد العاصمة كلياً على ضخ المياه من نهر النيل عبر أنابيب تمتد لمسافة 45 كيلومتراً، وهو ما يراه خبراء جغرافيا تحدياً للمنطق التاريخي لبناء المدن المستدامة.

رغم الضجيج الإعلامي، لا تزال العاصمة توصف بأنها مدينة أشباح، حيث لم يتجاوز عدد العائلات المقيمة فيها حتى صيف 2025 نحو 5000 عائلة فقط. وتعاني الشوارع من القفر ليلاً، بينما يتردد الدبلوماسيون والموظفون في الانتقال الدائم إليها بسبب نقص الخدمات الأساسية والخصوصية.

بدأت المؤسسات التعليمية الدولية في فتح فروع لها داخل المدينة، مثل الجامعات الألمانية والبريطانية والكندية. ومع ذلك، لا يزال آلاف الطلاب يعتمدون على الحافلات للتنقل اليومي من القاهرة، بانتظار اكتمال مشاريع السكن الجامعي التي لا تزال قيد الإنشاء.

يحتوي الحي الثقافي في المدينة على دار أوبرا ضخمة ومتاحف متخصصة، لكنها تواجه انتقادات بشأن جدواها الاقتصادية. وتفيد مصادر بأن هذه المنشآت الفاخرة لم تستضف سوى عدد محدود من الفعاليات، مما يثير تساؤلات حول العائد من هذه الاستثمارات المليارية.

ظهرت في الآونة الأخيرة ظاهرة الاستثمار الجزئي كحل للمصريين الراغبين في حماية مدخراتهم من تآكل قيمة العملة. تتيح منصات رقمية شراء حصص صغيرة في عقارات العاصمة بمبالغ زهيدة، كنوع من التحوط المالي ضد التضخم المتسارع في البلاد.

يرتبط استمرار المشروع بشكل حيوي بالتدفقات المالية القادمة من دول الخليج، مثل صفقات رأس الحكمة والاستثمارات القطرية. ويرى محللون أن المشروع أصبح أكبر من أن يُسمح بفشله، لارتباطه المباشر بهيبة النظام واستقراره السياسي أمام المجتمع الدولي.

دلالات

شارك برأيك

مقامرة الصحراء: تقرير دولي يكشف كواليس العاصمة الإدارية الجديدة في مصر

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.