كشفت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) عن تأثر أسعار السلع الغذائية الأساسية عالمياً جراء التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط. وأوضحت المنظمة أن شهر آذار/مارس الماضي شهد قفزة ملحوظة في التكاليف نتيجة الارتفاع المطرد في أسعار الطاقة وأجور الشحن البحري، تزامناً مع التهديدات المستمرة التي تواجه الملاحة في مضيق هرمز.
ووفقاً للبيانات الاقتصادية الحديثة، فقد سجل مؤشر أسعار الغذاء العالمي متوسطاً بلغ 128.5 نقطة خلال الشهر المنصرم، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 2.4% مقارنة بشهر شباط/فبراير. وتعكس هذه الأرقام ضغوطاً تضخمية متزايدة على سلة السلع الأساسية المتداولة دولياً، حيث ارتفعت بنسبة 1% عن مستوياتها المسجلة في العام الماضي.
من جانبه، أشار ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في منظمة الفاو، إلى أن الارتفاعات الحالية لا تزال تحت السيطرة نسبياً بفضل وفرة مخزونات الحبوب العالمية. ومع ذلك، حذر توريرو من أن استمرار الصراع لفترات طويلة قد يدفع المنتجين الزراعيين إلى اتخاذ إجراءات تقشفية تؤثر على حجم المحاصيل المستقبلية.
ويرى خبراء الاقتصاد أن انخفاض هوامش الربح قد يجبر المزارعين على تقليل استخدام الأسمدة أو تقليص المساحات المنزرعة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى نقص في المعروض العالمي. هذه الديناميكية قد تفرض ضغوطاً إضافية على أسعار السلع الغذائية خلال النصف الثاني من العام الجاري والعام المقبل، مما يهدد الاستقرار التمويني.
وفي سياق متصل، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، تحذيراً شديد اللهجة من مغبة انزلاق المنطقة نحو مواجهة عسكرية شاملة. وأكد غوتيريش أن تداعيات مثل هذا الصراع لن تقتصر على النطاق الإقليمي، بل ستمتد لتشمل الاقتصاد العالمي بأسره، حيث بدأت المؤشرات السلبية تظهر بوضوح في الأسواق الدولية.
وشدد الأمين العام على أن إغلاق الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز يمثل ضربة قاضية للفئات الأكثر احتياجاً في العالم، والذين يعانون أصلاً من ضعف القدرة الشرائية. ودعا القادة السياسيين إلى تغليب لغة الحوار والدبلوماسية على خيارات التدمير العسكري، مؤكداً أن فرصة تجنب الكارثة لا تزال قائمة إذا توفرت الإرادة الدولية.
عندما يتم خنق مضيق هرمز، فإن الفئات الأكثر فقراً وضعفاً في العالم تعجز عن التنفس.
على الصعيد الإقليمي، حذرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) من كارثة إنسانية قد تطال ملايين العرب. وتوقعت اللجنة انضمام نحو 5 ملايين شخص إضافي إلى قائمة المعانين من انعدام الأمن الغذائي في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، نتيجة تداخل الأزمات العالمية والإقليمية.
وأوضحت دراسة حديثة صادرة عن (إسكوا) أن النزاعات المتصاعدة تولد صدمات مترابطة تضرب قطاعات المياه والطاقة والغذاء بشكل متزامن. هذا الترابط المعقد يهدد الأمن البشري بشكل مباشر ويقوض الجهود الرامية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي في الدول الهشة التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتأمين احتياجاتها.
وتشير التقديرات الأممية إلى أن أي زيادة في أسعار الغذاء بنسبة تصل إلى 20% ستؤدي إلى تدهور حاد في مستويات المعيشة داخل المناطق المتأثرة بالنزاعات. وتواجه هذه الدول تحديات مضاعفة تتمثل في محدودية الموارد المالية المتاحة للحكومات للتدخل ودعم السلع الأساسية، مما يترك المواطنين في مواجهة مباشرة مع التضخم.
ودعا مراد وهبه، الأمين التنفيذي بالإنابة لـ (إسكوا)، إلى ضرورة التحرك الدولي المنسق لحماية سلاسل توريد الغذاء من الانهيار الكامل. وطالب وهبه بتبني استراتيجيات وطنية تعتمد على أنظمة الإنذار المبكر وتعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية من الحبوب والزيوت، لضمان قدرة الدول على مواجهة الصدمات المفاجئة.
كما أكد المسؤول الأممي على أهمية الاستثمار في نظم مرنة للطاقة والمياه، وتنويع المسارات التجارية لتجنب الارتهان لممرات مائية قد تتعرض للإغلاق. وحذر من أن التقاعس عن التدخل السريع قد يفتح الباب أمام اضطرابات اجتماعية واسعة النطاق نتيجة تفاقم معدلات الفقر والبطالة في المجتمعات العربية.
يُذكر أن تقارير سابقة كانت قد قدرت الخسائر الاقتصادية المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي العربي بنحو 150 مليار دولار خلال شهر واحد فقط من الاضطرابات. وتضع هذه الأرقام الضخمة المنطقة أمام تحدٍ وجودي يتطلب رؤية اقتصادية وسياسية شاملة للخروج من نفق الأزمات المتلاحقة التي تعصف بمستقبل التنمية المستدامة.





شارك برأيك
تحذيرات أممية من اتساع دائرة الفقر في المنطقة العربية بسبب اضطرابات سلاسل الإمداد