عربي ودولي

الجمعة 03 أبريل 2026 1:49 مساءً - بتوقيت القدس

بين تحالف طهران وحاجة أوروبا للغاز: الجزائر تعيد رسم استراتيجيتها وسط الحرب الإقليمية

تجد الدولة الجزائرية نفسها اليوم في قلب عاصفة جيوسياسية معقدة، حيث تفرض الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران واقعاً جديداً يتطلب موازنة دقيقة. تسعى الجزائر للحفاظ على تحالفاتها الاستراتيجية القديمة مع طهران، وفي الوقت ذاته استثمار موقعها كأحد أضخم موردي الغاز للقارة الأوروبية.

أشارت تقارير دولية إلى أن الجزائر تتبنى نهجاً حذراً للغاية وسط هذه الاضطرابات، فهي تدرك حجم الفرص الاقتصادية المتاحة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً. وبصفتها المنتج الأكبر للغاز في أفريقيا، فإنها تمتلك أوراق ضغط قوية في مواجهة الاحتياجات الغربية المتزايدة.

اتسم الموقف الرسمي الجزائري بالصمت النسبي عقب الضربات التي استهدفت القيادة الإيرانية وأدت لمقتل المرشد الأعلى، وهو ما اعتبره مراقبون تحولاً تكتيكياً. فرغم التضامن التقليدي، إلا أن الجزائر تجنبت إدانة الولايات المتحدة بشكل مباشر، مفضلة لغة دبلوماسية عامة تدعو لحماية المصالح العربية.

يرى محللون أن هذا الانضباط الدبلوماسي يعكس رغبة القيادة الجزائرية في حماية مصالحها القومية وتجنب الانخراط في صراع متعدد الأطراف. فالجزائر تدرك أن الانحياز الصريح في هذا التوقيت قد يعرض طموحاتها الاقتصادية في سوق الطاقة الأوروبي لمخاطر هي في غنى عنها.

تاريخياً، ارتبطت الجزائر وإيران بعلاقات وثيقة قامت على أسس معارضة السياسات الإسرائيلية والسعي لتعزيز النفوذ في مناطق غرب أفريقيا. كما تلعب إيران دوراً في دعم مواقف الجزائر بشأن قضية الصحراء الغربية، وهو ملف يمثل أولوية قصوى للأمن القومي الجزائري.

في المقابل، تبرز التحركات الدبلوماسية الأخيرة رغبة الجزائر في تنويع شركائها الدوليين وتقليل الاعتماد على مسارات محددة. وقد صرحت مصادر دبلوماسية بأن الاستراتيجية الحالية تهدف لتجنب الصدامات المباشرة مع الإدارة الأمريكية الحالية مع الحفاظ على استقلالية القرار.

على الصعيد الاقتصادي، تحولت الجزائر إلى وجهة رئيسية للقادة الأوروبيين الباحثين عن بدائل آمنة للطاقة، حيث استقبل الرئيس عبد المجيد تبون مسؤولين من إيطاليا وإسبانيا. تهدف هذه اللقاءات إلى تأمين تدفقات إضافية من الغاز لتعويض النقص الحاد الناجم عن تعطل الإمدادات من مناطق صراع أخرى.

تطمح الجزائر حالياً لإعادة التفاوض على عقود التصدير، مع مساعٍ لرفع الأسعار بنسبة تصل إلى 20%، مستغلةً تعطل محطات الغاز المسال في دول منافسة. وتوفر الجزائر حالياً نحو ثلث احتياجات إيطاليا السنوية من الغاز، مما يمنحها ميزة تفاوضية كبرى في المشهد الدولي.

يتم نقل الغاز الجزائري عبر بنية تحتية استراتيجية تشمل خط 'مدغاز' الواصل إلى إسبانيا وخط 'ترانس ميد' المار عبر تونس إلى إيطاليا. ورغم تحديات تقادم بعض هذه المنشآت، إلا أن الجزائر تعمل على تحديث قدراتها الإنتاجية لضمان استمرارية التدفقات وزيادة حصتها السوقية.

المنافسة الإقليمية مع المغرب تظل حاضرة في الحسابات الجزائرية، حيث تسعى الجزائر لتعزيز تفوقها الاقتصادي عبر صفقات طاقة ضخمة. فبينما يعاني المغرب من ضغوط التضخم وارتفاع تكاليف الوقود، تبرم الجزائر اتفاقيات نفطية جديدة مع دول مثل ساحل العاج والنيجر.

شركة 'سوناطراك' الحكومية بدأت بالفعل خطوات عملية للتنقيب في دول الساحل، معلنةً عن برامج استثمارية بملايين الدولارات لتطوير بنية التعدين في بوركينا فاسو. هذه التحركات تهدف لملء الفراغ الذي قد يتركه تراجع النفوذ الإيراني المنشغل بأزماته الداخلية.

يرى خبراء أن التوسع الجزائري في منطقة الساحل يمثل خطوة استباقية لبناء منظومة أمنية واقتصادية متكاملة تحمي حدودها الجنوبية. فمع تصاعد العنف في تلك المنطقة، تصبح الاستثمارات في قطاع الطاقة وسيلة لتعزيز الاستقرار وضمان الولاءات السياسية للدول المجاورة.

الجزائر تدرك أن شبكات الأمن الإيرانية التي كانت تعتمد عليها قد تضعف نتيجة تركيز طهران على بقاء نظامها السياسي تحت وطأة الحرب. لذا، فإن الانفتاح على الغرب اقتصادياً مع الحفاظ على سياسة 'عدم الانحياز' عسكرياً يمثل الممر الآمن الوحيد للبلاد في هذه المرحلة.

في نهاية المطاف، تظل الخيارات الجزائرية محكومة بضرورات الواقعية السياسية التي تفرضها التحولات الكبرى في موازين القوى العالمية. فبين الوفاء لتحالفات الماضي واقتناص فرص المستقبل، ترسم الجزائر مساراً جديداً يضع مصالحها الاقتصادية والأمنية فوق أي اعتبار أيديولوجي.

دلالات

شارك برأيك

بين تحالف طهران وحاجة أوروبا للغاز: الجزائر تعيد رسم استراتيجيتها وسط الحرب الإقليمية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.